أوروبا، إلى الوراء دُر ! … فرنسا، هوامش من الحملة الإنتخابية / الطاهر المعز

165

الطاهر المعز ( تونس ) – الثلاثاء 7/12/2021 م …

بدأ التّهريج قبل أشْهُرٍ من الإعلان الرّسْمِي عن افتتاح حملة الإنتخابات الرئاسية التي تجري دورتها الأولى يوم العاشر من نيسان/ابريل 2022، قبل الإنتخابات التشريعية (12 و 19 حزيران/يونيو 2022)، وبدأت مليشيات اليمين المتطرف تمارس العنف البدَنِي ضد الخُصُوم والمنافسين، حيث جُرِحَ العدِيد من مُناهضي الميز العنصري، يوم الأحد الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2021، خلال تظاهرة تمثّلت في تجمع خطابي دعائي لأحد مُرشّحي اليمين المتطرف، حضَرَه ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص.

ما فتئت نسبة الأصوات التي يحصل عليها اليمين المتطرف ترتفع في الإنتخابات الفرنسية (والعديد من الدّول الأوروبية الأخرى)، سواء كانت الإنتخابات رئاسية أو نيابية أو إقليمية أو مَحلِّيّة، حيث تميّزت الحملات الإنتخابية الفرنسية، منذ أكثر من ثلاثة عُقُود، بهيمنة الشعارات اليمينية والبرامج الإقتصادية النيوليبرالية، إذْ يُهْمِلُ مًعظم المُرشّحين مشاكل البطالة والفقر وارتفاع أسعار الوقود والطاقة وإيجار المسْكن وخصخصة قطاعات الخدمات الأساسية، ويُركّزون على الإرتفاع المُتَخَيَّل لعدد المهاجرين (وهي فَرَضِيّة مُخالِفة للواقع)، وبدأ الحديث عن “غَزْو” مُفْترض، وربْط هذا الغَزْو المُتَخَيّل بافتراض انعدام الأمن، وبتهاون جهاز القضاء، وما إلى ذلك من أكاذيب، يتم ترويجها بهدف حرف اهتمام الفُقراء والمُعطّلين عن العمل والباحثين عن مسكن وخدمات رعاية صحية لائقة. أما القوى التي تتطرّق إلى مشاغل واهتمامات الأُجَراء والفُقراء، فيمُرُّون عليها مَرَّ الكِرام، دون تقديم برامج بديلة “تتجاوز النّظام الرأسمالي”، بل أصبحت “الكينزية” تُعْتَبَرُ “ثورِيّةً”… 

قبل عدة أشهر من موعد الإنتخابات الرئاسية شَرّعَتْ وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية – البصرية  أبوابَها للدّاعية اليميني المتطرف “إريك زمور”، وهو مُعلّق سياسي في وسائل إعلام يمتلكها رجال أعمال أثرياء، مثل شبكة “سي نيوز” اليمينية المتطرفة، وصحيفة “لوفيغارو”، التي تمتلكها أُسْرة “داسُّو”، صاحبة مصانع الطائرة العسكرية “رافال”، ولا غرابة في تقديس أفكار اليمين المتطرف في فرنسا، حيث يُشكّل تقديس التّاريخ الإستعماري وتقديس نابليون والعداء للعرب وللشعوب التي وقعت تحت الإستعمار والهيمنة، وغيرها من الأُطْرُوحات اليمينية، ذات الخَلْفِيّة الإستعمارية والفاشية، قاسمًا مُشتركًا بين الأحزاب المُمَثَّلَة في برلمان فرنسا، وللتّذكير فإن الرئيس “الإشتراكي” فرنسوا ميتران كان يُزَيِّنُ قَبْرَ الفاشي الإنقلابي “فليب بيتان” (عميل الإحتلال النّازي)، الذي قاد الجيش الفرنسي خلال حرب الرّيف ضدّ جيش عبد الكريم الخطابي، بالتّحالف مع الجيش الإسباني الذي كان يقوده الجنرال الفاشي “فرنسيسكو فرانكو”، ويُعلّل فرنسوا ميتران هذا التّكريم السّنوي، باعتبار فليب بيتان “بطلاً للحرب العالمية الأولى”، أما مُرشّح الحزب “الشيوعي” (فابيان روسيل) فقد دعم مطالب نقابات الشرطة، بل تظاهرَ معهم (19 أيار/مايو 2021) أمام مجلس النواب ( روسيل نائب بنفس المجلس)، من أجل الضّغط على النّوّاب، وإجبارهم على المُصادقة على قوانين متشدّدة ضد المتظاهرين والمُضْرِبين، ومن أجل الضغط على جهاز القَضاء (يُحدّثونك عن استقلالية القضاء !!!)، لإصدار عقوبات أكثر صرامة ضدّ أي نقابي أو متظاهر أو مُضرب، مُتّهم بعدم احترام جهاز الشّرطة القمْعي، وتجدر الإشارة أن دُستورَ الجُمهورية الخامسة، التي أسّسها الجنرال “شارل ديغول”، سنة 1958، تُهمِّشُ دَوْر البرلمان، وتُخضُعُه للسّلطة التّنفيذية، التي لا تستشيره قبل إعلان الحرب، على سبيل المثال، ولا تخضع الحكومة لمحاسبة نواب البرلمان…  

لقد تمّ إفراغ شعارات الثورة البرجوازية، وإعلان الجمهورية الفرنسية ( 14 تموز/يوليو 1789) من محتواها الذي كان ثَوْرِيًّا، قبل قَرْنَيْن ونَيِّف، وانتصر الشّق البرجوازي الأكثر رجعيّةً، مرة أولى، من خلال اعتقال وإعدام “روبسبير”، سنة 1794، وإعادة شَرْعَنَة العُبُودية، ومرة ثانية، بعد سحق كمونة باريس، سنة 1870، ونجحت البرجوازية الفرنسية في تحويل العديد من ضحايا احتلال منطقة “ألزاس” و “لورين” والعديد من زعماء ومناضلي “كمونة باريس”، المهزومين، إلى مُستعمِرِين مُستوطِنِين بالجزائر وكَالِيدُونِيَا الجديدة، وجزر بحر الكاريبي…

تُجَسِّدُ شعارات اليمين المتطرف بفرنسا، منذ أكثر من أربعة عُقُود، شبه الإجماع السياسي الفرنسي (الذي يُسمّونه “توافُقًا جُمْهُورِيًّا”)، بشأن “إنجازات” الإمبريالية الفرنسية، وبشأن النّظْرة المُتعالية والعُنْصُرِية تجاه أحفاد أبناء المُستعمَرات، من عرب وأفارقة، واختزالاً للحقد على ثقافات الشُّعوب الأخرى، بالتّوازي مع خسارة الإمبريالية الفرنسية (وكذلك البريطانية) مكانتها أمام الإمبريالية الأمريكية، منذ الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت الإمبريالية الفرنسية قُوّةً متوسطة الحجم…

تميّز النّشاط السياسي الفرنسي، منذ أكثر من أربعة عُقُود، بالتنافُس بين الأحزاب ووسائل الإعلام، لترويج الأطروحات العُنصُرية والإستعمارية، والقِيَم النّيوليبرالية، وغابت بذلك، تدريجيًّا، الحُدُود بين ما كان يُعتبر يَسارًا، وما كان يَمينًا، ليصبح رئيس الحكومة “الإشتراكي” السابق “مانويل فالس” مُنافِسًا لزعماء اليمين المتطرف، وليصبح الأمين العام للحزب “الشيوعي” داعمًا نشيطًا لقوى القمع البوليسي، ضد مؤسسات “الجمهورية”، من سلطة تشريعية (البرلمان) وقضائية، وأَهْمَل الجميعُ توسُّعَ رُقعة البُؤس والبطالة والفقر، والعقود الهشّة للعاملين، في كافة القطاعات، وخاصة للعاملين بدوام جُزْئي، وزاد شُحُّ المسكن، مع ارتفاع قيمة الإيجار، وتفانَتْ جميع الحكومات في تخريب القطاع العام (النّقل والرعاية الصّحّية والتعليم…)، وأصبحت الحملات الإعلامية والإنتخابية تُركّز على “المهاجرين” (الذين انخفض عددهم)، واتفقت معظم قوى اليمين واليسار المائع على إدراج المواطنين الفرنسيين من أبناء وأحفاد المُهاجرين الأفارقة والعرب (وليس الأوروبيين أو الآسيويين) ضمن “المُهاجرين المُسلمين”، ويتحمل اليسار والحزب الاشتراكي على وجه الخصوص مسؤوليةً تاريخية كبيرة في هذا المناخ العُنصُري والمُعادي للطبقة العاملة، سواء بسياساته الإستعمارية في جنوب شرقي آسيا أو في المغرب العربي (شمال إفريقيا)، خُصُوصًا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، خلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين، عندما ساعدَ الكيان الصهيوني على امتلاك السّلاح النّوَوِي، وعندما شن العدوان على مصر، وشدّد القمع والحرب على الشعب الجزائري، أو عندما كان يُدير شؤون الدّولة (الرئاسة والحكومة والبرلمان)، في فترات عديدة منذ 1981، وشكّلت تصريحات رؤساء حكومات الحزب الإشتراكي ( بيير موروا ولوران فابيوس وليونيل جوسبان ومانويل فالس…) بيانات عُنْصُرية، مُعادية للطبقة العاملة، وإعلانات داعمة للصهيونية ومُعادية للشُّعُوب الواقعة تحت الإستعمار والإضطهاد. أما زعيمهم أو “كبيرُهم الذي عَلّمهم السّحْر”، فرنسوا ميتران، فقد اشتهر بدعمه للعميل “فليب بيتان”، وبتطرُّفِ مواقفِه وأفعاله ضد الشعب الجزائري ومناضلية، ولم يتغيَّر أبدًا، بعد 1974، تاريخ إعلان التحالف مع الحزب “الشيوعي” الفرنسي، أو عند مشاركة الحزب “الشيوعي” في حكومة 1981، إذ صرّح الرئيس “فرنسوا ميتران”، في كانون الأول/ديسمبر 1989، بشأن المهاجرين واللاجئين:”لقد تجاوزوا الحُدُود المقبولة، حدود التّسامح” فيما أعلن رئيس حكومته “ميشال روكارد” أن فرنسا ليست مُؤهّلة لتحمل بُؤس العالم، أي بؤس المهاجرين واللاجئين، الذي ساهمت الإمبريالية الفرنسية وشركاتها في توسيع رُقعته بالمُستعمَرات، قديمها وجديدها…

تحالفت معظم القوى السياسية الفرنسية (خصوصًا المُمَثّلَة في البرلمان) ضد الفُقراء والطبقة العاملة، لتغيب قضاياهم من نقاشات الحملة الإنتخابية، ولِتُزاح مواضيع هامة من النّقاش العام ومن اهتمامات المُرَشّحِين، مثل البطالة والفقر والعمل الهش والرواتب المُتَدَنِّيَة، وتأخير سن التّقاعد مع خَفْضِ قيمة المعاشات، وحرمان مئات الآلاف من الحماية الإجتماعية والصّحّية، وتحالفت هذه القُوى لتصفية مكتسبات الطبقة العاملة، التي حصلت عليها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتزامنت هذه التّصفيات مع انتشار الفكر النيوليبرالي، ومُعاداة الشيوعية التي يختزلها اليمين في وجود مؤسسات يُمَوّلها العُمّال والكادحون، مثل الضمان الاجتماعي ونظام التقاعد، وضخّمت الدّعاية الإعلامية عدد المهاجرين، وتجاهلت أسباب الهجرة، من بُلدان خرّبتها الحُرُوب العدوانية الأطلسية (أفغانستان والعراق وسوريا…) وبلدان كان يعمل بها المُهاجرون (العراق وليبيا) ومن بلدان إفريقية لا تزال تُعاني من نَهْبِ خيراتها من قِبَل الشركات العابرة للقارات، منها المصارف (مجموعة سوسيتيه جنرال) والشركات ذات المنشأ الفرنسي، مثل “توتال” و”بولوريه” و “أورانج” وغيرها…

يُمثّل العداء للمهاجرين ولتحرّر الشعوب (وفي مقدّمتها الشعب الفلسطيني) قواسم مُشترَكة بين معظم القوى السياسية (والنقابية) الفرنسية، والأوروبية، ونادِرًا ما نسمع أو نقرأ شعارًا يُطالب بفتح الحدود، وبحُرّيّة حركة الأفراد من مُواطني الدّول الفقيرة (وهي فقيرة بسبب الإستعمار والإمبريالية والإستغلال الفاحش لثرواتها) نحو الدّول الغنية، ما يُشكّل إنكارًا لدور الإستعمار الأوروبي في التغييرات الديموغرافية التي حصلت بأمريكا الجنوبية والشمالية وأستراليا، حيث استوطَنَ حوالي 52 مليون أوروبي، خلال قرابة القرن، بين القرنيْن التاسع عشر والعشرين، واستولى 28 مليون أوروبي، على أراضي وأوطان الشّعوب الأصلية بأمريكا (شمالها وجنوبها) بين 1880 و 1920… أما مُهاجرو إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، خلال القرنَيْن العشرين والواحد والعشرين، فإنهم ضحايا الإستعمار والإمبريالية، وغادروا أوطانهم المنهوبة ليُساهموا في تعمِير وازدهار أوروبا وأمريكا الشمالية…

حين تتفاقم الأزمات الإقتصادية، ترفض البرجوازية أو القوى الدّاعمة لها تحمّل مسؤوليتها في الأزمة، وفشلها في إدارة الشؤون الإقتصادية والسياسية للبلدان الرأسمالية، ولذلك وجب البحث عن “كبش فداء” لتحميله وِزْرَ الأزمة التي يتضرّر منها الفُقراء والعاملون، قبل غيرهم، وبما أن المهاجرين (وقطاع هام من السّكّان، من الفُقراء ومن وُجِدُوا في أسفل درجات السُّلَّم الإجتماعي) يُشكّلون الحلقة الأَضْعَف، ويَسْهُل اتهامهم لأنهم محرومون من التمثيل السياسي والإعلامي، فإنهم يُشكّلون هدفًا سَهْلاً للدّعاية اليمينية والفاشية، التي تجعل من كراهية “الأجانب” شعارَها الرئيسي، بدل تقديم برامج وخطط لحل قضايا مثل الهشاشة الاقتصادية وتهميش قطاع من هام من السكان، من بينهم المهاجرون واللاجئون الذي يُقدّر عددهم ببلدان أوروبا (الإتحاد الأوروبي وبريطانيا) بحوالي عشرين مليون، من بينهم حوالي خمسة ملايين بفرنسا، ويدّعي اليمين الأوروبي والفرنسي “إنهم يُهَدِّدُون التجانس العرقي والديموغرافي والدّيني لسُكّان أوروبا ذات الجُذور المسيحية البيضاء، وريثة الإمبراطوريّتَيْن الإغريقية والرومانية…”

تتناسى مختلف القوى السياسية الفرنسية دَوْر العُمّال المهاجرين في قطاعات الفلاحة والصناعة أثناء الحَرْبَيْن العالميّتَيْن، ودَوْرَهم في إعادة إعمار البلاد، بعد كل حرب امبريالية، فضلاً عن القَتْلى من ضحايا التجنيد الإجباري بالمُستعْمَرات، إذ جَنّدت الدولة الإستعمارية الفرنسية، بشكل قَسْرِي، حوالي 1,2 مليون جُندي وعامل، من مُستعمَراتها، بين 1914 و 1945، كما تتناسى نتائج ما سُمِّيَ “الحرب ضد الإرهاب”، من قتل المدنيين والأبرياء بالخارج، ومن إلغاء الحُقوق والتضييق على الحُرّيات الفردية والجَمْعِيّة بالدّاخل، وتتناسى النهب لاقتصادي لدول “الجنوب” والحُروب العدوانية التي تَشُنُّها الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، ومُعاداة حُقُوق الشعوب، وفي مقدّمتها حقوق الشعب الفلسطيني…

يُرَوّج اليمين المتطرف بأوروبا نظرية “الإستبدال”، أي أن يُشكّل غيرُ البيض ( المهاجرون) أغلبيةً سُكّانية بأوروبا، على مدى بعيد، مُدَّعِيًا أن الهجرة تُعادل الغَزْو المُسلّح وأن ارتفاع عدد المهاجرين (وهو ارتفاع مُتخيَّل، وليس حقيقيا) يُهدّد “العرق الأبيض”، بينما تُشير الوقائع التّاريخية المُوثّقَة أن الأوروبيين الأثرياء نَظّموا موجات الهجرة القَسْرِية لمواطني إفريقيا، وأشرفوا على تجارة الرقيق، على مستوى عالمي، عبر البحار، من أجل استعباد الملايين مِمّن وصلوا أحياء إلى أوروبا، وأمريكا، بعد قتل السّكّان الأصليين للقارة الأمريكية وأستراليا ونيوزيلندا… أما بعد الإستقلال الشّكلي للمستعمرات الفرنسية بإفريقيا، فقد ورد في تقرير لمنظمة “أونكتاد” (الأمم المتحدة) أن الشركات والقوى الإمبريالية والأنظمة العميلة بقارّة إفريقيا، هرّبَتْ مبالغ تفوق قيمتها أربعمائة مليار دولارا، من إفريقيا نحو الملاذات الضّريبية، بين 1970 و 2005، وقدّر نفس التّقرير حجم المبالغ التي تم نهبُها من الوطن العربي وإفريقيا، لإيداعها بمصارف أوروبا (خصوصًا في سويسرا) وأمريكا، بنحو 1,5 تريليون دولارا، منها 225 مليار دولارا من دول غير نفطية، كما استولت الدّول التي اعتدت على ليبيا، سنة 2011، على خمسمائة مليار دولارا من الأُصُول الليبية التي كان نصفُها مُستثْمَرًا في أمريكا، والنصف الآخر في أوروبا وبعض البلدان الأخرى، وكانت ليبيا، (أوائل سنة 2011) في طليعة مؤشرات التنمية البشرية بإفريقيا، بحسب البنك العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويتَجاوزَ متوسط دخل الفرد عشرة آلاف دولارا، وكان مُواطنوها يتمتعون بمجانية مجمل الخدمات، كالتعليم والصحة، وبانخفاض إيجار المسكن وخدمات النقل والطاقة، وكان يعمل بها حوالي ثلاثة ملايين مُهاجر، اضطروا للبحث عن عمل بأوروبا بعد تدمير البلاد من قِبَلِ قوات حلف شمال الأطلسي…

أدّى إغلاق الحدود الأوروبية، بالتوازي مع تكثيف الحروب العدوانية الأطلسية، بإفريقيا والوطن العربي، إلى ارتفاع ضحايا الحُروب والنّهب الإقتصادي، وإلى تفاقم ظاهرة الهجرة غير النّظامِية، وقَدّرت وكالة الأمم المتحدة للاجئين عدد ضحايا الهجرة غير النّظامية، بين سنتَيْ 1995 و 2015، بنحو ثلاثين ألف قتيل في البحر الأبيض المتوسط.

تُطالب بعض الجمعيات (بصوت منخفض) بفتح الحُدُود، أمّا النقابات الأوروبية فقد دعمت إغلاق الحدود، لأنها ترى في العُمّال المُهاجرين عاملاً سلبيا، من شأنه نَسْف مكاسب الأُجراء، وتعتبر أن المهاجرين يُشكّلون “قوة عاملة وفيرة ورخيصة، سهلة الإنقياد، بسبب الأُمِّيّة المتفشِّيَة في صفوفها، وبسبب عدم مُشاركتها في العمل النقابي، وبذلك فالهجرة تُيَسِّرُ مهمّة الرأسمالية في الضّغط على الرواتب وخَفْضِها…”، ولم تطرح النقابات برامج تعليم وخطط إدماج العُمّال المهاجرين في برامج تكوين نقابي، من أجل تدعيم الطبقة العاملة والعمل النقابي…

أما ألمانيا (مهد النّازية، وموطن أكبر القواعد العسكرية الأمريكية والأطلسية بأوروبا) التي يعتقد العديد من السُّذّج والبُسطاء أنها دولة ديمقراطية و”إنسانية”، تستقبل اللاجئين، فإنها تعاني من عجز ديموغرافي، يهدد ازدهار اقتصادها وشركاتها العابرة للقارات، ولذلك وجدت الحل في هجرة ذوي الخبرات والمؤهلات، من أطباء ومهندسين وتقنِيِّين وخبراء إعلامية، وكذلك من عُمال الصناعة والزراعة والتجارة، من بلدان عانى سُكّانها من الحروب العدوانية، التي يُشارك جيش ألمانيا بها في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا والصّومال ومالي وغيرها، فالجيش الألماني يُشارك بنشاط في كافة الحروب العدوانية الأمريكية والأطلسية، بدون استثناء، وتحتاج ألمانيا إلى استيراد نحو 2,2 مليون عامل أجنبي، قبل حلول سنة 2035، بحسب نقابات أرباب العمل التي نَظّمت عمليات انتقاء العُمّال الأجانب، واختبارهم، بمخيّمات لُجُوء السُّورِيّين والعراقيين والأفغان، خارج حدود ألمانيا، بتركيا واليونان والأردن وغيرها …

كانت نظرية “صراع الحضارات” (صامويل هنتنغتون 1927 – 2008 ) محلّ تَندُّرٍ بين العديد من المناضلين والمُثَقّفين التّقدُّمِيِّين، وبعد هيمنة “النيوليبرالية”، التي تسندها القوة العسكرية الأمريكية والأطلسية، أصبح “صراع الحضارات” حافزًا أو مُبرّرًا لشن الحُروب العدوانية، من أجل إعادة ترسيم خارطة الهيمنة الإمبريالية باسم “الحرب على الإرهاب” أو باسم “فَرْض الدّيمقراطية” المزعومة، وما إلى ذلك من التّعِلاّت، وبَرّرت أو شَرْعنت نظرية “صراع الحضارات” و”صراع الأديان”، وُجُود الكيان الصهيوني، كامتداد للإستعمار الأوروبي، وكدولة عرقية عنصرية، على أرض فلسطين…

كان المناضلون التقدّميون العرب على خلاف كبير مع القوى التّقدّمية الأوروبية التي دعمت اغتصاب فلسطين، وإنشاء دولة استعمارية استيطانية في وطن الشعب الفلسطيني الذي تمّ تهجير ثلاثة أرباعه، خارج وطنهم، من قِبَلِ غُزاة أوروبّيِّين، تدعمهم الإمبريالية، وكذلك الإتحاد السّوفييتي، وكانت تلك أول دولة دينية “غربية” في الوطن العربي (عدا السعودية، حيث كانت القبائل المحلية، التي لم تأت من الخارج، على رأس الدّولة الدّينية، ثم باكستان التي انفصلت عن الهند، أثناء الإستقلال بذرائع دينية)، وبقدر ما كانت الأحزاب الشيوعية والنقابات والقوى التقدّمية الأوروبية، سبّاقةً للنضال ضد الفاشية، خلال الحرب الأهلية بإسبانيا (1936 – 1939)، فإنها لم تتميز (عدا بعض الأفراد) بنضالها ضدّ الإستعمار الأوروبي، أو ضد الإمبريالية عُمومًا، كما لم تتميّز حاليًّا بنضالها ضد “امبريالياتها” وضد احتلال أو تخريب سوريا والعراق وليبيا ومالي، وكانت كانت أحيانًا ترفع شعارات مناهضة للحرب (كما بالجزائر، حيث لم يدعم الحزب “الشيوعي” الفرنسي استقلال الجزائر، سوى قبل سنة من الإستقلال، عندما انطلقت مفاوضات “إيفيان” بين الدولة الإستعمارية الفرنسية وجبهة التحرير الوطني الجزائرية)، ووكانت ترفع شعار “من أجل السّلام”، وليس ضد الإمبريالية وضدّ النّهب والتّخريب، بل دعمت العديد من القوى المحسوبة على التيارات التقدمية وعلى اليسار الأوروبي، احتلال وتدمير يوغسلافيا وأفغانستان، ثم سوريا وليبيا ومالي، ولا يزال النضال ضد الإمبريالية هزيلاً بفرنسا…

مثّلت هذه المواقف بعضَ مظاهر انتكاسة الفكر التقدّمي ( أما عن الممارسة، فحدّث ولا حَرج)، وكذلك تراجُع العمل النقابي، وغياب شعار الدّفاع عن المُساواة في الحقوق بين الشعوب وبين المُواطنين الأوروبيين (أو غيرهم) والمهاجرين، ما فَسَح المجال لتطوّر ونُمُوّ الفكر الرجعي، والفاشي، ولاكتساحه الساحة والفضاء الذي تركه اليسار فارغًا، وفي فرنسا بالذّات – فضلاً عن ألمانيا وهولندا-، أصبح الدّفاع عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، بمنزلة “الكُفْر”، ويتعرض من يُذَكِّرُ باغتصاب فلسطين إلى الإتهام ب”مُعاداة السّامية”، من قِبَل ما تبقّى من الحز “الشيوعي” ومن التّيّارات التروتسكية، بينما يزداد تقارب اليمين الأوروبي المتطرف مع زعامات الكيان الصهيوني، خصوصًا منذ 2010، حيث تَعَدّدَت الندوات والمؤتمرات المُشتركة، وأصبحت عَلَنِيّة، منذ استقرار “ستيفن (ستيف) بانون” مستشار الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، بأوروبا، سنة 2018 لتقديم خدماته (بمقابل، وليس مجانًا، فهو رجل أعمال ثري ويميني متطرف) لقوى وأحزاب اليمين المتطرف بأوروبا، والإشراف على حملاته الإنتخابية، وعلى العلاقات مع الكيان الصهيوني ومع الأنظمة الأكثر رجعية، بأوروبا والعالم…

في هذا المناخ السياسي والإجتماعي والإيديولوجي، تجري الإنتخابات الرئاسية والتشريعية الفرنسية، خلال الرّبع الثاني من سنة 2022، وبحسب موازين القوى الحالية، لا يُتَوقّع أن تكون نتائجها مُتماشيةً مع مصالح الشعوبِ العربيةِ والشعوبِ المُضْطَهَدَةِ، والطبقةِ العاملةِ والفُقراءِ بفرنسا…

من جهة أخرى، عندما أسّست البرجوازية الأوروبية نظام الإنتخابات و”التّداول السِّلْمي على السُّلْطة”، كانت تهدف إدامة سلطتها، باسم الديمقراطية و”المنافَسَة النّزيهة” (كما يحصل في الأسواق، بين السّلع)، ولم تهدف البرجوازية تسليم السُّلْطة بهذه الطريقة (الإنتخابات) للطّبقة العاملة، أو للقوى التّقدّمية، لكن عندما تحتدّ أزمة رأس المال، يمكن لقوى “الوَسَط” المُؤمنة ب”التداول السّلمي” أن تحكم، لإنقاذ رأس المال من أزمته، ثم تستعيد قوى رأس المال المالي والمُضارب والنيوليبرالي السّلطة، بواسطة الإنتخابات، أو بالقُوّة، كما حصل في إندونيسيا أو تشيلي…