محاولة تبسيط مفاهيم الإقتصاد السياسي … الرأسمالية والصّراع الطّبقي … نظرية القيمة وفائض القيمة في كتابات كارل ماركس (1818 – 1883) / الطاهر المعز

286

الطاهر المعز ( تونس ) – الأربعاء 22/5/2024 م …

الرأسمالية ليست من اختراع كارل ماركس ( الذي دَرَسَ آليات الإنتاج والرّبح وفائض القيمة الذي يُمكّن الرأسماليين من زيادة ثرواتهم من خلال عَمَل الغير – العمل المأجور)، بل هي مرحلة من مراحل تطور الإنسانية، تقوم على التناقض بين أولئك الذين يملكون وسائل الإنتاج وأولئك الذين لا يملكون سوى قوة العمل التي يؤجرونها للرأسماليين، وهكذا نَشَأَ العمل المَأجور حيث يقوم العامل بتحويل المادة الخام إلى منتج نهائي، بمساعدة الأدوات والآلات المملوكة للرأسمالي، ويحصل في المقابل على راتب يقل بكثير عن قيمة عَمَلِهِ المُتمثّل في تطوير – أو إضافة قيمة – إلى مادة خام لتصبح سلعة قابلة للبيع في السوق بسعر يُعادل أضعاف سعر المادة الخام، ويتيح هذا التحول – أو القيمة الزائدة –  للرأسمالي تحقيق ربح لا يتقاسمه مع العامل، لأن السّلعة وكذلك أدوات الإنتاج هي ملك للرأسمالي، ويحصل العامل على أجر، وتمثل هذه العملية استغلالاً لجهود الآخرين.

أدرك العمال أن الراتب لا يكفي لتلبية احتياجاتهم الأساسية وأن الأرباح التي يجنيها الرأسماليون من عملهم تتيح للرأسماليين حياة مريحة للغاية، أو حياة البذخ، وطالب العُمال – فُرادى أو جماعات – برواتب أعلى تُمكّنهم من تلبية احتياجاتهم الأساسية، وطالبوا بظروف عمل أفضل، واستنتجوا أنه يجب تأسيس هياكل جماعية، كالنقابات، والتعاضديات والتعاونيات، وما إلى ذلك.

إن نضالات العمال هي التي دفعت الاشتراكيين في القرن التاسع عشر، بما في ذلك كارل ماركس وفريدريك إنغلس، ليس فقط إلى دراسة الرأسمالية، بل وأيضاً إلى إنشاء هياكل سياسية جماعية ــ بالإضافة إلى النقابات ــ ودراسة البديل للرأسمالية، فكان تأسيس الأمَمِيّة العُمالية الإشتراكية التي كان شعارها “ياعُمّال العالم اتحدوا”، أي الإنتقال من النضال داخل حدود كل بلد إلى النضال على مستوى عالمي، لأن رأس المال أصبح “مُعَوْلَمًا” كما ذكر كارل ماركس وفريدريك إنغلس في كتابهما “البيان الشيوعي”، منذ الصفحة الأولى، ويُعْتَبَرُ التّوسُّع ( بالقوة العسكرية أحيانًا) ضرورة لنمو الرأسمالية، بعد السيطرة على الأسواق الدّاخلية…       

قبل تقديم البدائل، سيكون من الضروري فهم عمل الرأسمالية، بما في ذلك “رأسمالية الدولة”، لأن الهَمّ الوحيد للرأسمالية هو تحقيق الأرباح وتعظيمها، تعظيم باستخدم كل الوسائل المتاحة لها لاستدامة الإستغلال الفاحش للعمال ذوي الأجور المتدنية والضعفاء والتسريع في وتيرة العمل في ظروف خطرة، ولمعاقبة العمال الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم أو المقاومة فردياً أو جماعياً، ولما تضطر بعض الشركات متعددة الجنسيات لقبول التنظيم النقابي – خصوصًا في الولايات المتحدة –  ترفق ذلك بحملات المراقبة والترهيب والتضليل.

إن تطور الرأسمالية متفاوت، ويختلف من منطقة إلى أخرى في العالم، حيث استغلت الرأسمالية الأوروبية العمال داخل حدود الدول، قبل “غزو” مناطق إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، بالقوة المسلحة لاستغلال ثرواتها وسكانها وإعادة المكاسب إلى أوروبا، وبعد الحرب العالمية الثانية، أدى نضال الشعوب إلى استقلال المستعمرات، ولكن تم استبدال الاحتلال المسلح بنوع آخر من الاستعمار الاقتصادي والثقافي والأيديولوجي، وتنصيب ودعم حُكّام متواطئين مع رأس المال الأجنبي، بل يرعون مصالحه.

إن القضية الأشدّ إلحاحًا هي بلورة الوَعْي وصَقل البديل: كيف نقنع العمال وأغلبية السكان بأن العداء الطبقي لا يمكن حله دون نضال جماعي ومنظم، وإن وحدة الطبقة ووحدة الفُقراء قادرة على الإطاحة بالقديم وبناء الجديد، أي بناء البديل “غير الرأسمالي” ( أي الإشتراكي)، أما الرأسمالية فهي عدو الملكية الجماعية وعدو الملكية العامة وعدو التضامن الطبقي وعدو إعادة توزيع الثروات، وهي كذلك عدو الشعوب المُضْطَهَدَة، وتدعم الكيان الصهيوني لأنه جزء من الرأسمالية العالمية ومن الهيمنة الإمبريالية…  

من الضروري دراسة تجارب الطبقة العاملة والفلاحين والشعوب الواقعة تحت الإستعمار والإضطهاد، والتعلم من تجارب الطبقات الكادحة والشعوب، وإجراء تحليلات نقدية لرأسمالية الدولة وتجارب الأنظمة السياسية التي ادعت أنها اشتراكية، وتحليل أدائها وأسباب فشلها… نحن مُطالبون باستكشاف تاريخ الاشتراكية وتقديم رؤية لاشتراكية قابلة للتنفيذ وللإستدامة.

إن النضال في “المستعمرات الجديدة” هو نضال ضد نهب وتهريب الثروات وضد خصخصة المؤسسات والمرافق العمومية والخدمات الأساسية، وضد الشركات متعددة الجنسيات وَوُكَلائها المحليين، من الرأسماليين الكُمْبرادوريين ومن الأنظمة الحاكمة التي تمنح امتيازات لرأس المال (المحلي والأجنبي) ما يُساهم في بقاء بلدان “الأطراف” أو “المُحيط” مُهَمَّشَة، وفي حالة من التبعية…

نظرية القيمة وفائض القيمة عند كارل ماركس

لم يبْتَكِر كارل ماركس نظرية القيمة، بل سبقه آدم سميث وديفيد ريكاردو، وساهم في تحديد هذا المفهوم بالتّركيز على قُوة العمل والعامل الذي يُضيف قيمةً إلى مادة خام، والتأكيد على العمل المأجور الذي يختص به النظام الرأسمالي ويؤكد كارل ماركس إن فائض القيمة هو أهم ركيزة لعملية تراكم رأس المال،و.كتب كارل ماركس العديد من المقالات بشأن فائض القيمة بين 1862 و 1863، وتم جَمعها ونَشْرُها ضمن الأعمال غير المُكتملة لكارل ماركس ( كما المجلد الرابع من رأس المال) بعد وفاته ونَشَرَها كارل كاوتسكي بين سنتَيْ 1905 و 1910،

تتلخص نظرية فائض القيمة في فَحْص العلاقة بين العامل وصاحب العمل ( صاحب أدوات الإنتاج)، فالعامل يُضيف قيمة إلى المواد الخام، تمكّن رب العمل من بيعها ومن زيادة ثروته، مقابل أجْرٍ يسمح للعامل بالحد الأدنى للمعيشة، لكي يعود كل يوم لينتج سلعًا أو خدمات تتجاوز قيمتها بكثير الأجر الذي يحصل عليه، ويستحوذ رب العمل على الفارق بين قيمة العمل وقيمة الأجر (فائض القيمة)، وتتمثل إضافة كارل ماركس في تحديد الجُهد الإضافي أو الكفاءة والخبرة والعمل الإضافي المجاني الذي يضطر العامل للقيام به، كمصدر لفائض القيمة

يُعْتَبَرُ العامل حُرًّا في قُبُول أو رفض العمل والأجر الذي يُحدّده رب العمل من خلال قوانين تَسُنُّها أجهزة الدّولة التي تُمثل رأس المال ولا تُمثل مصالح العُمّال، ولا يتقاسم العاملُ الأرباح التي تحقّقَتْ بفعل القيمة التي يُضيفها للسلع، غير إن الرأسماليين يتنافسون فيما بينهم كما يتنافس العُمّال في فترات انتشار البطالة، وتؤدِّي المنافسة بين الشركات الرأسمالية إلى الضّغط على الإنفاق والتكاليف وزيادة إنتاجية العُمّال مع خَفْض رواتبهم، وخفض عدد العمال والإستثمار في شراء آلات جديدة تُمكّن من زيادة الإنتاج وتحسين جودته، كما تستحوذ الشركات الكبيرة على الشركات الصغيرة للقضاء على المنافسة، ما يُؤدِّي إلى الإحتكار، فيما يتعرّض العُمّال للتّسريح والبطالة

عمومًا تتطَلّب دراسة آلية التراكم الرأسمالي قياس مُعدّلات أرباح رأس المال، ما يتطلب بالضرورة دراسة فائض القيمة الحقيقي الذي يتحقّق في عملية الإنتاج، وعدم الإعتماد على البيانات المنشورة سواء فيما يتعلق ببيانات الشركات أو النّمو الإقتصادي للدّوَل