مظفر النواب وسعيد حورانية وناصر السومي وأنا  / العميد ناجي الزعبي

158
العميد ناجي الزعبي ( الأردن ) – الأحد 22/5/2022 م …
كنت  بزيارة لدمشق لاحضار والدتي التي كانت تزور احد اقاربنا المقيم هناك والذي كان يعمل مديرا للبريد العربي التابع للجامعة العربية والذي كان مقره بدمشق ، وقد وصلت صباحاً لاقاربي وتناولت طعام الافطار ثم اتصلت بصديقي الفنان التشكيلي الكبير ناصر السومي المقيم  بدمشق فطلب مني ان اذهب اليه لمقر الهيئة العامة للفنون وهكذا كان اسمها إن لم تخني الذاكرة وهي هيئة تعنى بالفنون لنلتقي هناك  .
التقينا بالمكان المتفق عليه وعرفني على صديقته وزملائه واصدقائه الفنانين ،  كان مكاناً متواضعاً لكنه زاخر باعمال فنية رفيعة المستوى ادهشتني نظراً لتنوعها وتعددها
.
 ثم ذهبنا بعد ذلك  لشقته التي يقيم بها حيث  سنلتقي بالشاعر السوري الكبير سعيد حورانية ثم نذهب لتناول طعام الغداء كما اعلمني
قلت لناصر معي مبلغ خمسة الاف ليرة سورية
 ويمكننا تناول الغداء في اي مطعم تقترحه وكانت في حينها تساوي الكثير  فاجابني :  لا داعي لها الخير  كثير .
سنذهب الان لشقتي لتنال قسطا من الراحة ثم نلتقي بالرفيق الشاعر سعيد الذي تبينت فيما بعد كم يحظى من مكانة وجماهيرية نظراً لعطائه الشعري  الذي كان يضاهي نزار قباني والذي ترك بنفسي اثرا لا يمحى لثقافته الغزيرة ووعيه ووطنيته واخلاصه لمبادئه ولسورية .
التقينا في المساء الرفيق سعيد حورانية وقدمني ناصر له على انني صحفي وكاتب اردني حتى لا يثير وجودي في هذه الاوساط القلق   والهواجس فليس من المعتاد ان يكون بين صفوف الفانين والشعراء والكتاب والسياسيين عسكريين  .
طفنا  معاً ارجاء  دمشق وعدنا في الليل لشقة سعيد وقضينا ليلتنا هناك على اصوات الموسيقى الكلاسيكية التي كان الشاعر الجميل يعشقها
في الليلة التالية قال لي ناصر سنذهب لمقهى النجمة حيث يلتقي كبار الكتاب والشعراء والمبدعين والفنانين وهي فرصة لتطل على الابداع السوري بكامل عافيته وزخمه
وحين وصلنا المقهى ذهبنا لطاولة ناصر المعتادة التي كانت تضم بعض اصدقاء ناصر والسفير الارجنتيني اليساري الذي كان يمثل بلده في عهد ايزابيلا بيرون ، دار حديث معمق عن التجربة البيرونية وعن الاوضاع المزرية في اميركا اللاتينية وامتد الحديث وتنوعت آفاقه فقد كان حضوراً مميزاً لعدة شخصيات  من عدة اقطار عربية .
تكررت سهراتنا ولقائدنا في مقهى النجمة ذو النكهة الشرقية الدمشقية الى انا جاء مساء التقينا به الشاعر الكبير مظفر النواب وقد كانت قصيدته المشهورة الوتريات توزع بالاردن على اشرطة كاسيت وكان موقف بعض اليسارين منها حاداً .
قدمني ناصر للشاعر الكبير والحضور كمثقف وكاتب اردني يساري مما دعى البعض لسؤالي عن الموقف من القصيدة في الاردن فقلت لهم  :ان البيت الذي يقول فيه
ونكابر ما اوسخنا
لا استثني احداً والبيت الاخر الذي يقول فيه
كوني عاقرة أي أرض فلسطين
كوني عاقرة أي أم الشهداء من الآن
فهذا الحمل من الأعداء
ذميم ومخيف
لن تتلقح تلك الأرض بغير اللغة العربية
يا أمراء الغزو فموتوا
سيكون خرابا.. سيكون خرابا
سيكون خرابا
هذي الأمة لابد لها أن تأخذ درسا في التخريب !!
هذه الابيات عن شعبنا العربي مدانة وغير منصفة وتسيئ  لارواح الشهداء والدماء التي اريقت في سبيل تحرير فلسطين
امتعض الجميع من ملاحظاتي ورايي ، وانبرى ناصر ليرد علي باعتباره المسؤول عن هذه الكارثة كما قال لي فيما بعد
وقال : هذا كلام مرفوض والشاعر الكبير فوق مستوى النقد والتشكيك والتجريح  ، وقد ايد الحضور كلهم راي ناصر
قلت  : هذا ما يدور بالساحة الاردنية وانا اتفق معه ثم ان شعبنا الفلسطيني والعربي ليس عاقراً وانجب وسينجب الاحرار والمناضلين وسيقدم التضحيات ويستمر بالنضال
اجاب احدهم : ليس هذا ما عناه شاعرنا الكبير حين قال كوني عاقر اي ارض فلسطين فهذا الحمل من  (الاعداء ) ذميم ومخيف .
وهنا تدخل النواب بروح سمحة وسعة صدر وهدؤ لافت وقال : ناجي معه حق والقصة تتلخص بمايلي انا مواطن عراقي لجئت لسورية وهي الدولة الوحيدة التي احتضنتني واحتضنت الكثير من المناضلين العرب وقد القيت قصيدتي هذه في حشد كبير من الجماهير والقوى السياسية بسورية ومنها من هو مسؤول عن هزيمةحزيران وقد اردت ان اشتم الجبناء والمهزومين فكان من الصعب ان اخص احد بهجومي وانا في حضرة سورية وضيافتها لذا  فقد عممته .
اما عن ملاحظتك الثانية فبدون شك ان امتنا العربية ستنجب الاحرار والمناضلين .
قلت : في عناد واصرار لم يكن لهم من داعٍ اتفهم وجهة نظرك والاسباب التي اضطرتك ان تعمم هجومك ونقدك لكني اصر على ان الشاعر الاممي هو الشاعر  القادر على معالجة شعره بحيث يمر عبر الحدود والقيود وغرف واقبية المخابرات والات القمع والا لن يكون اممياً
قال معك :حق  لقد كان الخيار ان تمر القصيدة برغم محاذيرك او تنضم الى المعذبين الذين يقبعون بزنازين الاجهزة القمعية فاخترت ان تمر .
وهنا تدخل ناصر وقال : يكفي  وهو يكاد ينفجر غيظا من اصراري على المضي بالحوار على هذه الشاكلة ،   وقال : نحن نكن كل الود والاحترام لشاعرنا الكبير وعطاؤه الثوري وما اوردته محض نقاط لا تقلل من قيمة اعمال شاعرنا الكبير ولا تنتقص منها
ابتسم مظفر ابتسامة سمحة وقال لا عليك النقد يرتقي بالاعمال الابداعية والفنية والسياسية ولا يقلل من قيمتها .
 استئذناه بالمغادرة
ومضينا
ادركت فيما بعد انني كنت متطرفا برايي وانتي قسوت بملاحظاتي وقد تعلمت درسًا بسعة الصدر وتقبل النقد مهما كان جارحاً ولاذعاً وقاسياً
كان هذا لقائي الاول والاخير مع الشاعر الكبير
الذي مضى تاركاً ارثاً شعرياً ثورياً متفرداً لا نظير له
وداعاً مظفر
عمان ٢٠٢٢/٥/٢١