السيادة الغذائية الأوروبية واستعباد المُهاجرين / الطاهر المعز

75

الطاهر المعز( تونس ) – الخميس 13/1/2022 م …

تُؤمّن دول الإتحاد الأوروبي نُمُوّها الإقتصادي وأمنَها الغذائي بفضل الإستغلال الفاحش للعاملين، واستعباد العاملين المهاجرين والمهاجرات، بالتوازي مع إخماد صوتهم، وفكّ الإرتباط بينهم وبين السّكان والعُمّال المحليين، بواسطة الحملات الإعلامية التي تُشوّه المهاجرين، وبواسطة تكثيف الحملات السياسية في أوروبا التي اكتسحتها قوى اليمين واليمين المتطرف، وفيما يلي نُورِدُ نُموذَجَيْن لاستغلال العاملين بالقطاع الزراعي الذي يُؤمّن غذاء المواطنين والسيادة الغذائية، ونسبة من الصادرات، أحدهما من ألمانيا، أقوى اقتصاد أوروبي، حيث حَكَم النّازيون البلاد واجتاحوا أوروبا والمغرب العربي وجزءًا من المشرق، خلال الحرب العالمية الثانية، وثانيهما من إسبانيا، التي حكمتها الفاشية، بدعم من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، إثر إطاحة “الكتائب” الفاشية بالجمهورية، وتواصَل حُكْم الفاشية، بزعامة الجنرال فرانكو من 1939 إلى 1975، ويهدف اختيار هَذَيْن النّموذَجَيْن لإظهار بعض الجوانب المَخْفِيّة ل”الدّيمقراطية الأوروبية”  

 

ألمانيا

في بداية فترة الحَجْر الصّحّي، والحبس المنزلي لملايين المواطنين، سمحت وزارة الفلاحة الألمانية بتوْرِيد وتشغيل أكثر من ثمانين ألف عامل أجنبي، للعمل بالمزارع لمدة أربعة أشهر، قابلة للتمديد، بداية من شهر نيسان/ابريل 2020، برواتب هزيلة، تُسَدّدُ نقدًا، دون ترك أي أثَر، بهدف إنقاذ الموسم الزراعي، وتعويض العُمّال الألمانيين، مع تمديد فترة إعفاء أرباب العمل من تسديد معلوم الإشتراك في منظومة الحماية الإجتماعية، من سبعين إلى 115 يوما، وبقي هؤلاء العُمّال الأجانب يعملون في ظروف غير صحية، مع الحرمان من الوقاية ومن الرعاية الصحية، وتوفي بعضهم في مكان العمل، دون تلقِّي أي رعاية طبِّيّة، ما أدّى إلى إضراب هؤلاء العاملين، بدعم من “الإتحاد الحُرّ للعاملين” ( Freie Arbeiter Union – F.A.U. )، ووصف موقع النقابة الوضع، ونشر صُوَرًا عن الحراسة المُشدّدة لمواقع العمل والإقامة (في المزارع) من قِبَل مليشيات مُسَلّحة، وعن مُطاردَة المُضربين لإجبارهم على العمل وطردهم من المكان، وهو في نفس الوقت مكان عَمَل وإقامة لأربعة عُمّال في كل غُرفة صغيرة، بدون تدفئة أو صرف صحي، وشملت حركة الإضراب عدّة مناطق، وصرّح العمال القادمون من رومانيا أن أصحاب المزارع الألمانية وعدوهم برواتب تتراوح بين 1500 و 2000 يورو، مقابل 48 ساعة عمل أسبوعيا، ولكنهم لم يحصلوا سوى على 300 يورو شهريا، لقاء أكثر من ستين ساعة عمل أسبوعيا، وادّعى أرباب العمل أن ذلك ما تبقى من رواتب العُمال بعد اقتطاع ثمن الغرفة الضّيقة والباردة، والطعام الفاسد، والنقل، وحاولت عناصر المليشيات المسلحة الزّجّ بهم بالقُوّة في حافلات تنقلهم إلى رومانيا…      

ساندت السلطات المحلية في “ساكس السّفْلى” و”رينانيا- وستفاليا” وغيرها أرباب العمل وجَنّدت عناصر الشرطة التي قَمَعت ( بدعم من المليشيات المُسَلّحة) المُضربين والنقابيين الذين جاؤوا لمساندتهم…

أطلق النقابيون حملةً لجمع التّبرّعات من أجل دعم نحو مائتَيْن من العُمّال الزراعيين الأجانب الذين أضربوا ولجأوا إلى القضاء للحصول على حقوقهم ورواتبهم، ومن أجل إثبات اتهام أرباب العمل ب “الإحتيال والخداع وتعريض حياة الآخرين للخَطَر”…

شكّلت هذه القضية، التي تعود وقائعها إلى سنة 2020، فُرصة لطرح النقابات وبعض الجمعيات والمناضلين اليساريين نقاشات بخصوص ظروف العمل، وقَضْمِ حُقُوق العاملين في كافة القطاعات، وخصوصًا في قطاع الفلاحة وصناعات المواد الغذائية…

 

في إسبانيا

في نفس الظّروف، أي بداية فترة الحجر الصحي والحبس المنزلي، يَسّرت الحكومة الإسبانية إجراءات استغلال العمّال والعاملات الأجانب (معظمهم من المغرب) في قطاع الفلاحة، وتعريضهم للمواد الكيماوية الضَّارَّة بالصّحّة، وخاصة بمنطقة الأندلس، حيث تنتشر “البيوت المُكيّفة” (الدّفْئِيّات) على مساحات شاسعة، لتزويد الأسواق الأوروبية ومُجَمّعات الصناعات الغذائية الأوروبية بالخُضار والفواكه الرّخيصة، حيث لا يُطبّق أرباب العمل القوانين الرديئة أصلاً بخصوص الرواتب وعدد الساعات وظروف السلامة المهنية في مواقع العمل، والحماية الإجتماعية، بحسب موقع “نقابة العُمّال بالأندلس” ( Syndicato Andaluz de Trabajadores – S.A.T. ) الذي أشار إلى غياب عُقُود العمل، وإلى الرواتب التي تقل عن الحدّ الأدنى القانوني، والممارسات العنصرية التي تستهدف العُمّال والعاملات أصيلي المغرب العربي والبلدان الإفريقية الواقعة جنوب الصّحراء الكُبرى…

ارتفع الطّلب الأوروبي على الإنتاج الزراعي الإسباني الرخيص، منذ شهر آذار/مارس 2020، الموافقة لبداية فترات الإغلاق الإقتصادي والحجر الصّحّي، فزاد ضغط أصحاب المزارع الكبرى والشركات الزراعية على العاملين لزيادة عدد ساعات العمل وزيادة الإنتاج، دون زيادة الرواتب أو تحسين ظروف العمل، فارتفع إنتاج البيوت المكيّفة بمنطقة “ألميريا” من الخضروات والفواكه بنسبة الثُّلُث، لتلبية الطّلب الأوروبي، وارتفعت قيمة صادراتها إلى نحو 2,5 مليار يورو سنة 2020، وقدّرت بنحو 3,5 مليار يورو، سنة 2021، ويدّعي حُكّام المُقاطعة أنهم حقّقُوا “مُعجزة اقتصادية”، بينما تُوضّح نقابة العُمّال أن ارتفاع الإنتاج وعائدات الصادرات عائد إلى الإستغلال الفاحش للعُمّال المُهاجرين الذين حُرِموا من رواتبهم أو تأجّل تسديدها، فلجأ مُنتِجُو الغذاء إلى طلب الطعام من المنظمات الإنسانية، غير الحكومية، في ظلّ دعم السّلُطات المحلية والوطنية لأرباب العمل، بل ودَعْمِهِم ماليا، وإعفائهم من الضرائب ومن المساهمة في مؤسسات الحماية الإجتماعية والتأمين الصّحِّي للعاملين الذين يضطرّون للسّكن في أحياء عشوائية، أُقيمت حول المَزارع، وتفتقد إلى الكهرباء والماء والمرافق الصّحّية، وبَرّرت قيادات “الإتحاد العام للعُمال” ( Union General de los Trabajadores – U.G.T. ) عدم الإهتمام بوضع العُمّال المهاجرين بالعراقيل الإضافية التي يُلاقونها، منها ظروف العمل الشاقة وظروف الإقامة وعدم إتقان اللغة الإسبانية، التي تُعَسِّرُ عملية تجميع وتنظيم العُمال والدّفاع عن حقوقهم، وهي تعلاّت واهية، لأن الوضع ساء إلى درجة اهتمام مُقرّر الأمم المتحدة المَعْنِي بالفَقْر بوضع “هؤلاء المُهاجرين الذين يُزَوّدُون المُستهلكين في الدّول الغنية بالغذاء الرّخيص، فيما هم لا يحصلون على الغذاء ولا على مياه الشُّرْب ولا يعملون في ظروف لائقة…” (شباط 2021)

إن وضع العمّال المهاجرين العاملين في قطاع الفلاحة الأوروبية متشابه، وأورَدْنا في الفقرات السّابقة نموذجَيْن، أحدهما في شمال أوروبا والآخر في جنوبها، لكن الوضع مُشابه في جنوب فرنسا وفي إيطاليا وغيرها، وتتجاهل منظمة الخُضْر والدّفاع عن البيئة وشركات ترويج “المنتجات العضوية” (البيولوجية) ظروف إنتاج هذه السّلع، ومعظمها تنتحل صفة “المواد الطبيعية” أو العُضوية أو البيولوجية…

 

استخلاصات:

ارتفع إنتاج دول الإتحاد الأوروبي من السلع الغذائية، ذات القيمة الزائدة المُرتفعة، بدعم من صندوق النقد الدّولي الذي حَرّم على البلدان الفقيرة المُقْتَرِضَة دَعْم قطاع الفلاحة والأغذية (الزراعة وتربية الحيوانات والصيد البحري)، فيما يدْعم الإتحاد الأوروبي (وكذلك أمريكا الشمالية واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وغيرها) القطاع الفلاحي، بشكل مُباشر، من خلال برنامج “السياسة الزراعية المُشتَرَكَة” الذي يُقدّم دعمًا مُباشرًا بقيمة مِلْيارَيْ دولار سنويا لكبار الفلاّحين بإقليم الأندلس الإسباني، لتصبح أوروبا مُصدّرًا كبيرًا للحبوب واللحوم والحليب ومشتقاته وغيرها من المنتجات…

 

إن تحقيق الأمن الغذائي، كخطوة نحو تحقيق السّيادة الغذائية، يتطلّب من البُلدان الفقيرة دَعْم تجميع صغار المزارعين ضمن منظمات أو مُؤسّسات أو جمعيات تُمكّنهم من الحصول على الإرشاد وعلى البُذُور المحلية والآلات والتجهيزات وتقاسم المياه، وتشجيعهم كذلك على تأسيس تعاونيات لتخزين الإنتاج وتسويقه وتحويل الفائض إلى سلع غذائية مُصَنَّعَة…

إن استهداف تحقيق السيادة الغذائية يُمَكّن من خفْض واردات الغذاء بالعملات الأجنبية، ويُمكّن من تعزيز إنتاج الغذاء الطبيعي والصّحِّي، ومن التّخفيف من حدّة البطالة، والحَدّ من هجرة سُكّان الرّيف إلى ضواحي المُدُن الكُبرى، وكذلك من تعزيز القطاع الصّناعي عبر تحويل ما زاد عن حاجة البلاد إلى مواد مُصنّعة، بدل إتلافه أو تصديره خامًّا…