الإسرائيليون الجدد…هشاشة المُجتمع الصهيوني  / مهند إبراهيم أبو لطيفة  

0 120

مهند إبراهيم أبو لطيفة   ( فلسطين ) – الأحد 13/9/2020 م …

مهند إبراهيم أبو لطيفة - البيادر السياسي

من يتابع كتابات أغلب المثقفين الإسرائيلين، الذين يُحسبون على  ما يُسمى باليسار، أو يُمثلون تيارات علمانية، يُلاحظ حجم البؤس المنهجي والثقافي في تعاطيهم مع قضية الشعب الفلسطيني، وحقوقه الوطنية المشروعة، المؤسسة على حقائق تاريخية وحضارية، وأيضا سياسية. وبالرغم من انتقادهم لبعض سياسات الحكومات الإسرائيلية، أو ملاحظاتهم حول التطورالإقتصادي- الإجتماعي للمجتمع الإسرائيلي، أو نصائحهم للحكومة الإسرائيلية، إلا أنهم يفشلون في تجاوز ظلهم الأيدولوجي (الصهيوني) والعاقائدي (التوراني).  

من أحد هذه النماذج، الكاتب الصحفي، البولندي الأصل “يوسي ميلمان”، مؤلف كتاب” الإسرائيليون الجدد، حُلم الأمس وواقع اليوم”* ، وله العديد من المقالات الصحفية في عدد من الصحف منها صحيفة ” معاريف”، ويُعتبر من أهم الكُتاب الإسرائيلين المعنيين بالعلاقة الإسرائيلية- الفلسطينية (العربية).  

والمُلاحظ أن مُعظم هذه الكتابات، تحاول أن تقدم الرواية الصهيونية، على أنها حركة تحرير وطني للشعب ” اليهودي”، قامت على أفكار إشتراكية عصرية، من أجل تحقيق مجتمع الرفاهية والديموقراطية، مجتمع متحضرعلى النمط الغربي،ولم يكن من أهدافها الأصيلة، تشريد الشعب الفلسطيني.  

 وأن رفض العرب لمد يدهم من أجل السلام مع الدولة الإسرائيلية، هو سبب مأساتهم وإستمرارها، وأن إسرائيل تدافع عن وجودها، في وسط عربي متخلف حضاريا، ويسعى للقضاء عليها، وأن إسرائيل تسعى فقط للحفاظ على وجودها، دون أن يكون لديها إستراتيجية توسعية، وأن تحالفها مع قوى إمبريالية و أنظمة ديكتاتورية ، ما هوى إلا ضرورة تحتمها طبيعة الصراع الوجودي مع العرب.  

هذا هو جوهر الدعاية الفاشلة الكولونيالية، التي يرددها معظمهم، ومنذ نشأة هذا الكيان ، يتم تسويقه وترويجه عالميا. هكذا وبكل بساطة :  

” نحن عدنا لأرض الموعد لنعيش بعيدا عن الإضطهاد والمجازر النازية، والعرب لم يسمحوا لنا أن نعيش معهم بسلام”  

لا يتسع المجال، للرد المفصل على كل هذه الأدعائات، ولكن، وقبل استعراض أهم ما جاء في كتاب( يوسي ميلمان)، اركز على بعض الحقائق:  

أولا: إن تجاوز،أو محاولة التقليل من حجم الكارثة (الهولوكوست) التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، والنكبة المستمرة التي يعانيها، لا تُخفي حقائق التاريخ، لما تعرض له هذا الشعب ولا يزال، من تشريد قسري (منفى، دياسبورا)، وتهجير جماعي مبرمج(تطهير عرقي) ، ومحاولات لطمس هويته، وتصفية قضيته، وسرقة تاريخه وتراثه.  

 وهي سياسات أصيلة في الفكرالصهيوني، ولم تكن في أي يوم من الأيام، ردة فعل على مواقف العرب الفلسطينيين. فالجذور التاريخية، الإجتماعية، السياسية للفكر الصهيوني ، لم تبدأ مع هرتزل، أو كتاب ” الدولة اليهودية” عام 1896م، أو  في مؤتمر بازل عام 1897م، بل جاءت من رحم الفكر والمشاريع الإستعمارية الإستيطانية الأوروبية المؤدلجة دينيا أيضا، وهي تحالف بين البرجوازية الصهيونية وتظيرتها الأوروبية.  

 في الوقت الذي كان العرب  الفلسطينيون يزرعون حقولهم، ويعيشون بسلام ، في مجتمعهم البسيط، كان يتم وضع المخططات الإستيطانية، الإقصائية، من قبل نُخبة من الصهاينة غير اليهود، والصهاينة اليهود، في الدول الغربية، وعلى مدى عقود من الزمن. وكانوا يسعون للاستعانة بقوى عالمية كبرى، لتحقيق مشاريعهم ومنهم مثلا ” موسى مونتفيري” وغيره .  

ثانيا: لم تبرز الفكرة الصهيونية في المحيط أو البيئة العلمانية أو الإشتراكية ، ولكن في المُحيط الديني، لأنجلو- ساكسوني البروتستانتي، وتطورت مع مرور الوقت ، إلى أن وصلت إلى حالة توافق مع الفكر القومي الإستعماري في القرن التاسع عشر، لتقوم بدورها الوظيفي في المنطقة. وهل كان للشعب الفلسطيني، أي دخل في كل هذه التطورات؟ ليدفع الثمن.  

ثالثا: إن بشاعة ما تعرض له اليهود في المعتفلات النازية، وقبلها على يد التطرف الكاثوليكي، لا يُعطي المبرر الأخلاقي، لأن يتحول (الضحية) لجلاد على شعب آخر. لقد شعرت شخصيا بالغثيان عندما دخلت إحدى المقطورات، التي كان يتم فيها نقل اليهود إلى معسكرات الإعتقال النازية، في أحد المتاحف الألمانية، كانت المقطورة يجرها قطار، مخصصة لنقل الحيوانات، وشاهدت بأم عيني إلى أي مدى يمكن أن تصل همجية الإنسان .  

 عندما قامت الحروب الكاثوليكية (الصليببة) على الشرق، كان من ضحايها وبمئات الآلاف:  من مسيحي بيزنطة ، بلغاريا، المجر، القدس، والعرب. فهل هذه البشاعة التاريخية تبررأي نوع من الإنتقام من شعب آخر؟ وبنفس الهمجية؟.  

لقد  قدم العرب المسلمون الحماية لليهود الذين توزعوا على الدول العربية، وكل ولايات الدولة العثمانية،هربا من محاكم التفتيش الإسبانية. ومن أمثلة ذلك ، ما قدمته لهم الدولة العثمانية ، فلم تفرض عليهم الأقامة الجبرية، ولا العيش في جيتوهات خاصة، ولم تمارس عليهم سياسة الفصل العنصري، وسمحت لهم بالسكن بكل أريحية، وممارسة شعائرهم وعقائدهم، ومنحوا حرية العبادة.  

وأنقذ السلطان (بايزيد الثاني) يهود جزيرة أيبيريا من إفناء كامل ، في أفران محاكم التفتيش، وكلف القبطان ” كمال رئيس”، بالتوجه بالاسطول العثماني عام 1492م، في محاولة لانقاذهم، وتم نقلهم جنبا إلى جنب مع العرب المسلمين بالسفن إلى الموانيء العربية- الإسلامية في الجزائر، تونس، المغرب. وتم اسكانهم في تسالونيك، أدرنة، إزمير، مصر، الشام، وفلسطين. كل ذلك على أساس ” عهد الذمة”.  

ولاحقا وبسبب التسامح الديني، هاجر اليهود إلى الدولة العثمانية، قادمين من روسيا، بحر الخزر، اسبانيا، فرنسا، إيطاليا، ونالوا الإمتيازات والمناصب العليا. ولم تتدخل الدولة العثمانية في حياتهم الدينية، والعقائدية، والتعليميةـ والإجتماعية. وتركت لهم فرصة  تنظيم شؤونهم عبر قادتهم الروحيين.  

ونفس هذه المعاملة، حظي بها يهود العراق، الذين كانوا من صميم  نسيج المجتمع العراقي،كذلك في اليمن، مصر، المغرب العربي، وفي فلسطين ذاتها. لم يمنعهم أحد من الوصول إلى حائط المبكى، والعيش بسلام في أكناف القدس. وما نعرفه من تعايش بين السامريين والمسيحيين والمسلمين في نابلس ، شاهد على ذلك.. إلى أن بدأت الحركة الصهيونية ونشاطها، وبدأ الصراع. لم يذهب جدي ولا أعمامي إلى بولندا، ليسرقوا بيت جد يوسي  ميلمان، ويقوموا بتهجيره!.  

رابعا: عندما تأسس الصندوق القومي الصهيوني، لم يكن الهدف منه هو دعم ” التعايش مع العرب الفلسطينيين”، ولا كانت عصابات الهاجناه، وشتيرن، والأرجون، توزع الحلوى على أطفال القرى الفلسطينية. ولم يُفضل الشعب الفلسطيني طوعا واختيارا، الحياة في بؤس المخيمات على العيش في  يافا، حيفا، عكا، نابلس، القدس، وباقي ربوع فلسطين.  

خامسا: قبل أن يقام ( الكيان الصهيوني ) رسميا، بدأ العمل من أجل تشويه ذاكرة المكان الفلسطينية، والتاريخ الفلسطيني، وطمس معالم فلسطين الحضارية، وتغيير المعالم التاريخية، سرقة الجغرافيا، وتغيير الأسماء.  

 هل كان إستلاب التاريخ والهوية الفلسطينية، وتغيير أسماء المدن والقرى، ردة فعل على عدم رغبة العرب في أن يعيشوا بسلام؟.  وهل سرقة التراث الفلسطيني، والمطبخ الفلسطيني، والمخزون الثقافي الفلسطيني، الحكايات الشعبية، الفلكلور، وتسجيلها في الموسوعات العالمية باسم ” إسرائيل “، هي ردة فعل؟ وماذا عن الإستيطان؟. قبل أن يسمع جدي بشيء إسمه صهيونية، ووعد بلفور؟.  

سادسا: كيف يُمكن وصف حركة إستعمارية، عنصرية ، استيطانية، توسعية، ليس لها تعريف لحدودها بحركة تحرير وطنية؟ ويتم التباكي على إختفاء إشتراكية الكيبوتسات؟ والحنين لذا الزمان، وما هو السبب الحقيقي، لرفض بن غوريون، أن يكون للدولة دستور؟  

سابعا: ليست القضية الفلسطينية، قضية حريات سياسية، أو مساواة إجتماعية، أو حقوق مدنية، بحيث يتم النظر إليها على أنها ” عصيان فلسطيني ضد التعايش السلمي مع الدولة ” ويجب في المقابل ” تخفيف القبضة الأمنية “. إنها قضية وجود، وحقوق تاريخية. قضية أرض وإنسان.  

أهم ما جاء في الكتاب:  

– لم تكن الصواريخ التي أطلقها الجيش العراقي، بدأ من الساعة الثانية والدقيقية واحد، من  الثامن عشر من كانون الأول عام 1991م، بالصواريخ ” العبثيىة “، ولكنها هزت أركان تل أبيب، والمجتمع الإسرائيلي، لأن إسرائيل ومنذ عام 1948، بقي قلبها ” تل أبيب” بمنأى عن أي تهديد. ساد الرعب والقلق ، والشعور العميق بعدم الأمان، وخلف الهجوم الصاروخي عددا كبيرا من حالات الوفاة، نتيجة السكتات القلبية، وحالات الإختناق، وبلغ عدد الجرحى نحو ألف جريح، وتضرر حوالي 11 الف منزل، أغلبها  تهشيم زجاج الشبابيك. ولم تستطع منظومة باتريوت، صد كل الصواريخ، وبعضها كان ينفجر بالجو قبل أن يصيب صواريخ سكود، وأحس الإسرائليون، أنهم يجب أن يعتمدوا على تطوير منظومة دفاع صاروخي خاصة بهم، وأنه لن يكون بمقدور الأمريكان حمايتهم في مثل هذه الحالات.  

– كان التأثير النفسي لحرب الخليج، بالغ الأثر على الروح الإسرائيلية، وتعمق الإحساس بعدم الأمان، رغم التقدم التقني والحضاري, وبدا الإحساس بوهم الدعاية الصهيونية: ” أنه وفقط في إسرائيل، يمكن العيش بأمان “، فليست تل أبيب أكثر أمانا من نيويورك.  

– إن دولة إسرائيل، عبارة عن مجتمع سياسي، من رأسه حتى أخمص قدميه، يتحكم فيه السياسيون، ويهيمنون على قطاعات الصناعة والعمل والصحة والتعليم والفن والرياضة. وعليك ان تكون في الإتجاه السياسي السليم، إذا ما دعتك الضرورة للتقديم، لأي منصب إداري عام أو أن تغدو رجل أعمال.  

– بالرغم من حاجة الإسرائليين الماسة، للسلام، لأن الحروب أثقلت كاهلهم، إلا أنهم غير مستعدين لتقديم أي تنازلات، وما زالوا يدعمون أحزاب الجناح اليميني، الذي يرفض وضع نهاية لإحتلالها العسكري للأراضي العربية المحتلة.  

– دولة إسرائيل، هي مجتمع مهاجرين حقيقي، أغلبه من المهاجرين، وكل هذه المجاميع العرقية من مختلف دول العالم، جائت لتعيش في دولة ” غربية الطابع “. مما شكل أزمة لدى اليهود الشرقيين وتقبلهم منذ البداية.  

 لقد كانت الدولة بحاجة لكثافة سكانية، لكن الفروقات الثقافية ، لعب دورا كبيرا في تعرضهم للعنصرية، والتمييز، والتهميش، وبقوا فترة طويلة في مراكز الهجرة ، قبل أن يتم دمجهم تدريجيا في المجتمع، وبعد معاناة طويلة، وإذلال كبير ، إستطاعوا تحقيق مكاسب سياسية، إقتصادية، ثقافية، وتوسيع مشاركتهم المجتمعية. ولا زالت الفروقات الثقافية تلعب دورها في المجتمع.  

– لم يكن إحضار المهاجرين ممكنا، لولا الرشاوي المالية التي تم تقديمها لسياسيين في حكومات مختلفة، وتحت إشراف جهاز الموساد ووكالات خاصة ، وبالسلاح أيضا. وتم إستقدام 130 ألف من العراق، 50 ألف من المغرب، 50 ألف من اليمن.  

–  يكتب ميلمان، سعت الحركة الصهيونية ، لتحقيق حلم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وتحت تأثير الخوف الشديد لما تعرض له اليهود في أوروبا، وكانت نقطة الفصل في حياة تيودور هرتزل، بعد تعيينه عام 1891 م، مراسلا لصحيفة ” نيو فري بريس ” في باريس، عنمدا سمع الجماهير تهتف في محاكمة ( دريفوس)النقيب  اليهودي في الجيش الفرنسي، اتهم بالتعامل مع الألمان: ” الموت لليهود ” Amort Amort ! Les Juifs!)). ومات هرتزل بعد خلافات عائلية ومشاكل مادية وصحية بمرض ” الزهري*.  

– كان حلم الصهيونية، أن تقيم دولة علمانية، ديموقراطية، تفصل الدين عن الدولة، ولكن هذا الحلم لم يتحقق، فإسرائيل تغص بالحركات والأحزاب الدينية، والتي تشهد نموا متصاعدا في المجتمع، وباتت تتدخل في كل مجالات الحياة اليومية، وتفرض أيدولوجيتها حتى على شركة طيران العال، وتمنعها من الطيران يوم السبت.  

– نتيجة إستمرار الصراع، وعدم التوصل لسلام، بات حلم كل إسرائيلي، أن تكون إسرائيل، في مكان ما ، في أوروبا، بعيدا عن العرب. لم يكن أغلب الصهاينة، على وعي كامل بحجم المشكلة التي ستواجههم مع الفلسطينيين العرب، لقد أهملوا أن للعرب أيضا طموحاتهم القومية منذ تأسيس الجمعيات العربية السرية في بيروت والقاهرة ودمشق، بين عام 1881، و 1882. والتي كانت تسعى لبعث الوجود القومي العربي.  بالرغم من ذلك، يحاول الإسرائليون التأقلم مع الوضع.  

– إن الصهيونية لا تستطيع، ولا تريد التخلي عن أراضي، لأن عقيدتها القومية هي ، أن الأرض يجب أن تُنتزع أنتزاعا، وقد استخدمت الحكومات الإسرائيلية، كل وسائل الترهيب، والترغيب، والخداع، بشكل ممنهج للحصول على المزيد من الأراضي.  

– قمت دولة إسرائيل على أسلوب أدارة مركزية شديدة، على النمط الروسي.  

– لعب الشباب دورا كبيرا، في الترويج وبشكل منظم، للهجرة إلى إسرائيل، والتأثير على  باقي الشباب في مختلف دول العالم.  

– لم يستوعب قادة المجتمع الفلسطيني التقليدي، أبعاد المشروع الصهيوني حتى وعد بلفور عام 1917. وكانوا يتصوروا أن الوجود اليهودي هو للزيارة أو السياحة.  

– إن عدم الإعتراف بوجود الشعب الفلسطيني والرغبة بالتخلص منه ، فكر متجذر في العقلية الإسرائيلية. ومنذ حرب عام 1948، لعبت الجيوش العربية، والدعاية الصهيونية، وممارسات المجموعات العسكرية الصهيونية، دورا كبيرا في إخلاء العرب لقراهم وبلداتهم. تم وعدهم بأنهم سيعودون قريبا، أو تهديدهم باغتصاب نسائهم، وقتل من يبقى منهم ولا يغادر. وحسب شهادة وزير الزراعة السابق (ايريك بتشامكن)، كانت حملات الدعاية مبرمجة وفعالة. وأن أول من ترك يافا وحيفا، هم أصحاب المال والمثقفون.  

– إسرائيل لا تسعى للتوسع، ولكنها ومنذ عام 1948، تتبع سياسة أقتناص الفُرص. وكل ما سنحت لها الفرصة.  

– كان قرار بناء الُمفاعل النووي ، بناء على مبادرة من بن غوريون، لذلك شاركت إسرائيل ، في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لتدمير الجيش المصري، والحصول على دعم فرنسا التقني لبناء المفاعل. وهو ما تم في تشرين الأول عام 1957. وكان الحدث الأكثر أهمية في تاريخها.  

– إن سياسة الإستيطان، ونشره في المناطق العربية، هي سياسة منهجية متواصلة لفرض الأمر الواقع، والحد من فرص السلام. وتحت تأثير الأحزاب الدينية، لا يوجد تعريف واضح لحدود الدولة، أو اقرار لدستور . لكي لا يكون هناك تعارض مع الرواية والنظرة التوراتية الدينية ودعاويها.  

– هناك أسئلة جوهرية مطروحة في المجتمع الإسرائيلي، تتعلق بمفهوم الدولة، وهل هي دولة قومية أم دينية، وهل المجتمع غربي أم جزء من الشرق الأوسط،، وماذا عن الخدمة العسكري، الأحوال المدنية، بناء الهيكل الثالث، الإستيطان، خصوصا في وسط الأجيال الجديدة. لأن التيارات الدينية تزداد نفوذا في المجتمع مع مرور الوقت. وهناك توتر دائم بين الدينيين واللادينيين. والمجتمع مهدد بالإنقسام على نفسه.  

– إسرائيل اليوم ، هي واحدة من أكبر الدول المعسكرة في العالم، المعبأة من أجل هاجسها الأكبر وهو : الأمن. لذلك تبدأ التعبئة العسكرية بشكل مدروس ودقيق بدأ من رياض الأطفال. ويوجد في إسرائيل عشرة آلاف نصب تذكاري لحروبها، وهو رقم يعني أن لكل سبعة عشر جنديا سقط في الحرب، نصبا تذكاريا واحدا. بينما وبالمقارنة، نجد أن واشنطن دي .سي ، شيدت لقتلى حرب فيتنام ، نصبا واحدا يحمل أسمائهم جميعا.  

– بينما تتزايد النزعة الإستهلاكية في بعض المدن ، واولها تل أبيب، نجد أن نسبة الفقر تزداد أيضا بشكل غير مسبوق، وتتراجع الخدمات العامة التي تقدمها الدولة، وتتحول القيم المجتمعية إلى قيم يحكمها السوق، الربح والخسارة، المنفعة الإقتصادية البحتة. والمجتمع يزداد تطرفا.  

– شهد المجتمع العربي الفلسطيني، تطورا كبيرا في بنيته الإجتماعية والإقتصادية، ومشاركته في الحياة الإقتصادية والسياسية. ورغم وجود دعوات ” لأسرلة ” العرب ثقافيا، إلى أن أزمة التناقضات في مفهوم الهوية تتعمق، خصوصا مع أنتشار الفكر الديني في الوسط العربي. وما زال العرب الفلسطينيون عُرضة  للتمييز وعدم المساواة، بالرغم من سعي البعض منهم للتعايش. وسبب هذا الإرتباك الفكري والإحباط السياسي، واتساع الهوة الإجتماعية والإقتصادية ، إلى بروز الهوية الدينية، وانبعاث الحركة الإسلامية، تلبية لحاجاتهم للعودة إلى جذورهم. وازداد أيضا حقد الشباب العربي، على المجتمع نتيجة سياسات التمييز.  

– أنتهجت أسرائيل، أساليب أقرب إلى منهجية القوى الإستعمارية، في تعاملها مع الفلسطينيين، وعليها تغيير سياساتها الأمنية. وقد ساهمت محاولاتها المقصودة  لإضعاف منظمة التحرير، في تنامي المد الإسلامي.  

– لقد غادر صفوة المجتمع الإسرائيلي، من الأساتذة ورجال الأعمال، للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة. واصبحت إسرائيل بالنسة لهم ، مكانا غير مناسب للحياة. وفقدت الحياة السياسية والثقافية الإسرائيلية، أبرز ملامحها. وضاعت هوية أحزابها.  

 أصبح مستوى الدخل هو الأساس، وليس المبادئ والمنطلقات الفكرية. لقد غاب الحُلم الصهيوني التقليدي القديم. وعلى إسرائيل أن تجدد نفسها، وتجد طريقة للتفاهم مع العرب والفلسطينيين، وتتخذ قرارات جريئة، وإلا غاصت حتى الركب.  

بقي أن أقول،أن  يوسي ميلمان ، يروج منذ فترة طويلة، لأيجاد شكل من الحل مع الفلسطينيين، على أمل أن تحقق إسرائيل ، اختراقا أوسع ومستويات متقدمة من العلاقة مع محيطها العربي، لكي تتفرغ للتحديات الأكبر التي تواجهها.  

  لقد وضعت الحركة الصهيونية، اليهود، في فم الأسد، وعليها أن تجد لهم حلا  

————————-  

* صدر الكتاب عام 1993،ترجمه للعربية مالك البديري،صادر عن الأهلية للنشر والتوزيع في عمان. وله كتب أخرى.  

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة عشر + ثمانية =