محور المقاومة: جذور الصمود وأبعاد المواجهة في مواجهة الحملة الصليبية الجديدة / نجاح محمد علي
نجاح محمد علي ( العراق ) – الجمعة 4/4/2025 م …
بين “ديوس فولت” الصليبية و”اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى”
المقارنة بين الحملات الصليبية والحروب الأمريكية الحديثة ليست مجرّد طرح نظري، بل هي تحليل لسياقات تاريخية واستراتيجيات متشابهة تتكرر في أشكال جديدة. شعار “Deus Vult” الذي أطلقه الصليبيون في القرن الحادي عشر كان تعبيرًا عن حرب دينية مقدسة ضد الشرق الإسلامي، تمامًا كما يستخدم اليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة اليوم خطاب “الحرب المقدسة ضد الإرهاب” ويدمج المفاهيم الدينية في تبرير السياسات الاستعمارية.
إدارة ترامب مثّلت نقطة تحول في هذا الاتجاه، إذ استقطب شخصيات مثل بيت هيغسيت، الذي لم يخفِ في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية” (2020) أن هدف السياسة الأمريكية هو إخضاع العالم الإسلامي ثقافيًا وعسكريًا. اللافت في هذا السياق هو أن هذا النوع من الخطاب ليس محصورًا في التيار المحافظ، بل تبنّاه أيضًا ديمقراطيون مثل جو بايدن، الذي أعلن بعد الانسحاب من أفغانستان أن “أمريكا ستُعيد ترتيب أوراقها لمواجهة تهديدات أكثر خطورة” في إشارة إلى محور المقاومة والصين.
الفصل الأول: المخطط الصليبي-الصهيوني.. من الوثائق إلى الممارسات
-
أدبيات الغرب كدليل إدانة
الكتب والتقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث الغربية، خاصة تلك المرتبطة بالتيار الصهيوني المسيحي، تحمل مؤشرات واضحة على استراتيجية “الاحتواء الشامل” للإسلام المقاوم. كتاب هيغسيت، على سبيل المثال، يربط بوضوح بين “الحرب على الإرهاب” وضرورة فرض الهيمنة الأمريكية على العالم الإسلامي، معتبرًا أن الغرب يعيش “لحظة تاريخية مشابهة للحروب الصليبية”.
في هذا السياق، يمكن ربط هذا الخطاب بالوثائق الصهيونية الكلاسيكية مثل “بروتوكولات حكماء صهيون”، التي – بغض النظر عن الجدل حول مصداقيتها – تلتقي أفكارها مع استراتيجيات غربية تسعى إلى إبقاء العالم الإسلامي في حالة انقسام وصراع دائم.
أحد أخطر التقارير في هذا المجال هو تقرير معهد أطلانتا الصهيوني (2023)، الذي يعتبر أن “تفكيك الدولة السورية والعراقية هو المفتاح للسيطرة على طرق نقل الطاقة الإسلامية”، ما يفسر سبب التركيز الغربي على زعزعة استقرار هذه الدول عبر الحروب والتدخلات العسكرية والعقوبات الاقتصادية.
-
الأبعاد الجيوسياسية للمؤامرة
يستند المشروع الصهيوني-الأمريكي إلى فرضية أن أي دولة في المنطقة تمتلك مقومات القوة يجب أن تُستنزف عسكريًا واقتصاديًا قبل أن تشكّل تهديدًا للهيمنة الغربية. سوريا كانت نموذجًا لهذا الاستهداف، حيث كشفت وثائق ويكيليكس أن السفيرة الأمريكية في دمشق (2006-2010) آن باترسون كتبت تقريرًا يفيد بأن “إسقاط الأسد سيؤدي إلى قطع خط الإمداد الإيراني لحزب الله، مما يمهد لصفقة سلام تفرض شروط الاحتلال الإسرائيلي”.
أما الدول التي طبّعت مع كيان الاحتلال، فقد تحوّلت إلى أدوات في هذه الحرب، كما يُظهر تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي (2021) الذي يشيد بدور “اتفاقات أبراهام” في “إضعاف الروح الجهادية لدى الفلسطينيين عبر محاصرتهم اقتصاديًا ونفسيًا”.
الفصل الثاني: محور المقاومة.. تشريح البنية التحتية للصمود
-
الأرضية العقائدية
محور المقاومة ليس مجرد تحالف سياسي أو عسكري، بل يقوم على رؤية عقائدية تستند إلى مبدأ الرفض المطلق للهيمنة الغربية. خطاب الإمام الخميني (ره) في 1979 كان الأساس النظري لهذا المحور، حيث أعلن أن “الاستكبار العالمي لن يتوقف إلا إذا واجه مقاومة صلبة”، وهي الفكرة التي شكلت نواة الاستراتيجية الإيرانية في دعم حركات المقاومة من لبنان إلى فلسطين واليمن.
تحرير جنوب لبنان عام 2000 كان أحد أولى التجارب الناجحة لهذه العقيدة، حيث تمكن حزب الله من كسر أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُهزم، وهو ما تكرر في حروب غزة حيث استطاعت الفصائل الفلسطينية فرض قواعد اشتباك جديدة.
-
العمق الاستراتيجي
امتداد محور المقاومة إلى العراق واليمن شكّل تهديدًا استراتيجيًا للهيمنة الأمريكية.
-
في العراق، تصدّت قوات الحشد الشعبي لمشروع تقسيم البلاد، حيث قال القائد قاسم سليماني في إحدى جلساته مع المسؤولين العراقيين: “لن نسمح للعراق بأن يصبح قاعدة أمريكية لتهديد إيران وسوريا”.
-
في اليمن، كشفت وثيقة للبنتاغون (2022) أن “صواريخ الحوثيين قلبت موازين القوى في البحر الأحمر، وعرّضت الملاحة الأمريكية للخطر”. هذه الوثيقة تؤكد أن العمليات العسكرية في اليمن ليست مجرد صراع داخلي، بل حرب استنزاف مدروسة ضد النفوذ الأمريكي.
-
الأدوات الناعمة
لم يقتصر عمل محور المقاومة على البعد العسكري، بل استخدم أدوات إعلامية وثقافية لكسر الهيمنة الغربية على الوعي الشعبي. تقرير “RAND Corporation” (2023) يحذر من “تزايد تأثير خطاب المقاومة بين الشباب الأوروبي، خصوصًا في الجامعات، بسبب كشف ازدواجية المعايير الغربية”.
الفصل الثالث: كشف التناقضات الغربية.. بأقلامهم
-
من التنصير إلى العلمانية
الغرب الذي يدّعي نشر الديمقراطية، هو نفسه الذي دعم الأنظمة الاستبدادية طالما كانت تخدم مصالحه.
-
في كتابه “الإمبراطورية الأمريكية الجديدة”، يكشف مايكل هدسون أن “حقوق الإنسان لم تكن يومًا سوى أداة لتبرير التدخلات العسكرية ونهب ثروات الشرق الأوسط”.
-
في مقابلة مع القس جيري فالويل على فوكس نيوز (2020)، قال بالحرف الواحد: “دعم إسرائيل ليس خيارًا سياسيًا، بل واجب ديني لأنها تمهّد لعودة المسيح”!
-
الصهيونية السياسية كذراع تنفيذي
السياسات الأمريكية ليست فقط محكومة بالمصالح الجيوسياسية، بل أيضًا بخطط صهيونية مدروسة. تصريح إيهود باراك (2018) بأن “كل دولة عربية تطبّع معنا ستكون بمثابة قاعدة متقدمة لحماية إسرائيل” يعكس كيف تُستخدم الحكومات العميلة كأدوات في المشروع الاستعماري.
الخاتمة: المقاومة مصيرية.. لأن الأعداء لا يتراجعون إلا بالقوة
الغرب يعيد إنتاج الحملات الصليبية ولكن بأدوات حديثة:
-
عسكريًا عبر القواعد الأمريكية في سوريا والعراق.
-
ثقافيًا عبر نشر خطاب “السلام” كأداة لشرعنة التطبيع.
-
اقتصاديًا عبر العقوبات التي تهدف إلى خنق الشعوب المقاومة.
لكن كما قال المؤرخ عبد الوهاب المسيري: “الحملات الصليبية لم تسقط بالمفاوضات، بل بالمقاومة العسكرية والسياسية”. اليوم، محور المقاومة – من طهران إلى بيروت وصنعاء – يُعيد رسم معادلة الردع الإقليمي على أسس تشبه صمود الأمة الإسلامية في مواجهة الحملات الصليبية القديمة.
وكما قال السيد حسن نصر الله:
“سنسقط طائراتكم.. نبيع ملابسنا ونقاتل”..
هذا التحليل يوضح أن الصراع القائم ليس مجرد تنافس سياسي، بل هو حرب وجودية تُشنّ على الإسلام المقاوم، الأمر الذي يفرض على الأمة اتخاذ موقف حاسم لمواجهته بكل الوسائل الممكنة.
هوامش:
-
جميع الوثائق المذكورة متاحة في أرشيفات ويكيليكس ومواقع مراكز الأبحاث الغربية.
-
يمكن الرجوع إلى كتاب “الصليبية الجديدة” (د. محمد حسنين هيكل) لتحليل أعمق.