الاردن في كتابات ديانا فاخوري(1): ابعد من كريمٍ الثناءِ وأغلى – هنا التَعَلُّلُ، هنا أهلٌ، هنا وطنٌ، هنا سكنُ .. ولكف الأردني العربي، عهد الله بقيادة فرسانه  / الياس فاخوري

2٬403
الياس فاخوري* ( الأردن ) – الأربعاء 24/5/2023 م …
* * ملاحظة من المحرر: حيثما وردت كلمة ” ديانا ” في مقالات الكاتب، فهي تعني تحديدا الراحلة الكبيرة المفكرة القومية ، شهيدة الكلمة الحرة والموقف الوطني ” ديانا فاخوري “… والصورة أعلاه لهما …
عَهِدَتهُ “ديانا” مربضَ الآسادِ، ولأجله عَصرتْ النجومَ، وأوقفت ركب الزمان طويلاً، فاقسم هذا الزمان يميناً:
“ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ ……. وألا أرى غيري له الدهرَ مالكاً”
نعم، لكف الأردني العربي، عهد الله بقيادة فرسانه .. نعم، جعل الله إمرة فرسانه بيد القيادة العربية الاردنية .. وفي البدء، اردنيا عربيا كان العشق الهاشمي للثقافة والشعر بشهادة محمد ابن الحنفية (أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي)، الاخ غير الشقيق للإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد وافاه الأخير الى وادي العيص حيث كان يسكن في جنوب الأردن .. كان الحسين في طريقه إلى كربلاء وحاول اخوه محمد ان يثنيه عن ذلك فقال: “يا أخي كف عن ذهابك إلى مذبحك، ( … )، وابق معي هنا يؤنس أهل الاردن وحشتك ويهبّون لحماية عرضك ويقفون في صفك”، وأضاف ببصيرة مرتقب، مستسلم لعزيمة الحسين تملأه الثقة بانتصار الدم على السيف: “يا ابن الزهراء، إذا أنت لا بد ذاهبٌ لتحقيق مرادك، فأترك العترة معي، فهؤلاء أهل الأردن، إن بايعوك ما نكثوا وإن عاهدوك ما خذلوا” .. وختم ببيت الشعر التالي:
 
“إذا قيل خيل الله يوماً ألا اركبي ////////// وددت بكفِ الأردني انسيابها”!
 
يُنسب هذا البيت أيضاً لكثير عزة وان تغير بعض عجزه في قصيدته “خليليّ إنْ أمُّ الحكيم تحمَّلتْ “:
 
“إذا قيل خيل الله يوماً ألا اركبي// 
رضيت بكفِ الأردني انسحالها”!
 
 
ويوم مرّ “المتنبي” بمدينة عمان “بالأردن” وكان أميرها آنذاك بدر بن عمار، المعروف عند العرب بالفروسًية والشجاعة – حصل أمامه موقف غريب حيث خرج أسدٌ مخيفٌ إلى وسط الشارع، وعندما بلغ الخبر الأمير بدر بن عمار هبّ مسرعاً ولم يكن يحمل سيفه فالتقط قطعة من الخشب أخاف بها الأسد وقتله. وهكذا أنشد المتنبئ قصيدة جميلة في الأمير بدر بن عمار واصفاً الموقف: 
 
وَرْدٌ إذا وَرَدَ البُحَيرَةَ شارِباً//
وَرَدَ الفُراتَ زَئِيرُهُ والنّيلا//
الى ذلك، يشهد الشاعر عدي ابن الرقاع العاملي للأردنيين بالمرؤة وحسن الادارة، ويشيد بدورهم الإيجابي الفعال في بناء الدولة العربية الأموية مشيرا، بالأخص، الى ما بذلوه مع “مروان بن الحكم” (رابع خلفاء الدولة الأموية) في واقعة مرج راهط عام 46 للهجرة، فيقول:
 
“لولا الاله وأهل الأردن اقتسمت // نار الجماعة يوم المرج نيرانا”!
كما شارك الأردنيون في تأسيس اسبانيا العربية بجيش قوامه 6,000 جندي من مختلف قبائل الأردن، وها هو ابو عبدالله الجذامي – أردني من أعيان ملقا – يقول:
 
“بدر الكمال الذي في القلب مسكنه // وان نأى بي وبالاردن مطلعه”!
 
(بالمناسبة وبين قوسين، صادف سقوط الأندلس اكتشاف كولومبوس القارة الأميركية بتمويل عربي عام 1492!)
 
 
كما تتجلى بعض آيات الله على أرض الأردن – “أهل الكهف” سورة الكهف/ 18 نموذجا!
 
أكدت الأدلة اكتشاف مكان الكهف المذكور بالقرآن الكريم في منطقة الرقيم على المنحدر الصخري للسفح الجنوبي الشرقي لجبل الرقيم شرقي منطقة ابو علندا في جنوب عمان .. وقامت مجلة الشرطة العسكرية السورية التي كان يرأس تحريرها “أديب الشيشكلي” (رئيس الجمهورية فيما بعد) بتوثيق الخبر عام 1951، ويحتفظ ارشيف المجلة بأول صورة نشرت للموقع في حينه.
تعيدني السور الكريمة والروايات أعلاه بالضرورة لبعض كتابات “ديانا” السابقة حيث “كبَّرت” الله وشكرته على ما هدانا:
 
الله اكبر، هذا اردننا، فاقرأ باسم ربك الذي خلقه أفقا عربيا، وعمقاً سوريا – ببعد كنعاني .. واستجب لندائه الاول – الاول الاول: “سندمر الهيكل” (6/3/2019)!
 
نحن الذين صنعنا الخبز.. ولن يكون الأردن وطنا بديلا (19/7/2018)!
 
من الشبيقة الى ام قيس: خبز، وهوية، و تحرير بيت المقدس.. تعالى الله والأردن.. وليبق الأردن، وقف الله – وطنا صنع أهله االخبز و قدموه للإنسانية على هذه الارض قبل 14 الف عام.. سيبقى الأردن أرض العزم، وطنا بهيا شريفاً لا نبغي ولا نرضى عنه بديلا، ولا نرضاه وطنا بديلا!
يوم الاثنين 16 تموز الحالي (2018)، أُعلن عن اكتشاف أقدم رغيف خبز في العالم ليشكل دليلًا على أن الأردنيين كانوا يصنعون الخبز قبل آلاف السنين على ميلاد الزراعة. فقد عثر فريق من علماء الاثار و الباحثين الأوروبيين من كلية لندن الجامعية وجامعة كامبردج و جامعة كوبنهاغن على بقايا رغيف متفحم في موقع الشبيقة الأثري شمال شرق الاردن يعود تاريخها إلى 14,400 سنة. وقال الباحثون إنه أقدم دليل على الخبز ويسبق تاريخه ظهور الزراعة بما لا يقل عن 4,000 سنة. ونقلت صحيفة الديلي تلغراف عن البروفيسور دوريان فولر من معهد علم الآثار في كلية لندن الجامعية قوله إن صنع الخبز عملية تتسم بكثافة العمل الذي تتطلبه بما في ذلك فصل القشور وطحن الحبوب وعجنها ثم خبزها. وقالت عالمة الآثار أمايا أرانز اوتيغيو من جامعة كوبنهاغن ورئيسة الفريق إن وجود مئات من قطع الطعام المتفحمة في مواقد في موقع الشبيقة الأثري اكتشاف استثنائي واعطى العلماء فرصة لتحديد طابع ممارسات غذائية عمرها 14 الف سنة. وإلى جانب قطعة الخبز التاريخية التي تم العثور عليها، اكتشف العلماء اثنين من المباني، يحتوي كل واحد منهما على موقد حجري دائري كبير، عثر بداخلهما على فتات خبز متفحمة، وكانت قد أظهرت عينات الخبز التي تم تحليلها تحت المجهر علامات على وجود عمليات طحن ونخل وعجن، إذ يعتقد الباحثون أن صانعي الخبز في العصر الحجري، أخذوا الدقيق المصنوع من القمح والشعير البري وخلطوه بالجذور المسحوقة للنباتات وأضافوا إليه الماء، ثم خبزوه.
 
واليوم، تأبى الاقدار الا ان تسخر من الهجمة الإعلامية الصهيوامريكية الشرسة والاستهداف المُضلل للأردن اذ يسجل فريق أردني فرنسي علمي مشترك، بدأ عمله منذ 10 سنوات، اكتشافا يجعل من الاردن موطنا لأقدم بناء من صنع الانسان بهذا الحجم الضخم في العالم — اكتشاف منشأة حجرية مؤلفة من أقدم مجسم معماري في العالم، ففي Feb 22, 2022 أُعلن عن اكتشاف كبسولة زمنية عمرها 9 آلاف سنة في منطقة جبال الخشابية بالجفر في البادية الجنوبية الشرقية. وتحتوي الكبسولة الزمنية على منشأة طقسية بداخلها ثلاثة تماثيل ومصائد ومخطط معماري للمصائد، بالإضافة إلى عدد كبير من القطع الأثرية المختلفة، وعدد من المتحجرات البحرية، ودمى لحيوانات، وأدوات صوانية استثنائية، ومواقد مرتبط بممارسة الطقوس الدينية. والكبسولة الزمنية هي مخبأ تاريخي للمتاع أو المعلومات، ويقصد بها عادة التواصل مع الناس في المستقبل .. وقد تم التأكد من عمر المنطقة المكتشفة عبر تقنيتين هما الكربون المشع والتوهج الضوئي لثلاثين عينة أشارت جميعها إلى ذات الفترة الزمنية وهي 7000 عام قبل الميلاد ما يعني 9000 عاما من الآن.
 
وكانت ديانا قد أكّدت أن الأردن يضم أكثر من 15 ألف موقع أثري تمثّل متحفاً مفتوحاً منذ نيف و9000 عام، وتؤشر للصورة الكبيرة حيث تتضح عراقة الاردن العربي وتاريخه.
جاءت هذه الاكتشافات لتحرك الذاكرة مرة اخرى:
 
في البدء كانت الكلمة .. وفي البدء استدعي كلمات كانت “ديانا” قد ضمنتها بعض مقالاتها السابقة يوم دخلنا “أم قيس” والأصيل له ائتلاقٌ، لحظة تسليم الشمس روعة الامانة الی القمر .. يومها تمكنا، وبالعين المجردة، من رؤية بحيرة طبريا من جهة وهضبة الجولان من الجهة الاخری .. يومها تذكرنا أنه “هنا” انعقد مؤتمر تأسيس الدولة والكيان منذ نيف ومئة عام: حوران الكبری/ شرق الاردن بجناحيه – فلسطين الی الغرب وبغداد العراق الی الشرق .. أما الرأس فشامي شامخ يمتد نحو دمشق وما بعد بعد دمشق في الشمال .. هذا حيز استنبطته الجغرافيا خدمة للتاريخ فاستخدمه صلاح الدين الايوبي (احد مؤسسي الكيان الأول) ونذر هضابه لتحرير بيت المقدس .. هذا اقليم يفقد هويته بالانفصال ولا يجدها الا بالاتحاد .. و”جند الاردن” لم يخلعوا الشام ابدا فقد عاشروها وخبروها وعرفوها ولذا فهم لم ولن يخلعوا الشام ابدا ..
 
نعم، كما على ثرى الأردن كذلك في السماء، ولن تحتمل السماء “صفقة القرن” التي يصفعها الأردنيون لينال الفلسطينيون، كل الفلسطينيين، حقهم بالعودة وإزالة النكبة بإزالة أسبابها – ازالة اسرائيل، نقطة على السطر! ولكم أصرّت “ديانا” في هذا السياق ان نضال الأردنيين ضد الكيان الغاصب إنما هو نضال وطني أردني، وليس مجرد دعم او مساندة للشعب الفلسطيني الشقيق .. ولكم تصدت للهجمة الإعلامية الصهيوامريكية الشرسة والاستهداف المُضلل للأردن قيادةً وشعباً ف”قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” (ال عمران – 119) من الحسين الى الحسين الى الحسين .. 
هزمتك يا موت “ديانا” روحا نقيّا كالسَّنا
لم يذكر اسمها إلا وصلّت عليها العربُ والعجمُ ..  
 
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائمة هي فلسطين!
نصركم دائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..
 
* الياس فاخوري
كاتب عربي أردني