كولومبيا، ما وراء الإنتخابات وفوز رئيس يساري / الطاهر المعز

124

الطاهر المعز ( تونس ) – الإثنين 27/6/2022 م …  

فاز “غوستافو بترو”، عضو مجلس الشّيُوخ والرئيس السابق لبلدية العاصمة “بوغوتا”، بالدورة الثانية للإنتخابات الرئاسية بكولومبيا يوم 19 حزيران/يونيو 2022، ليصبح أول رئيس “يساري” ( بداية من السابع من آب/أغسطس 2022)، ولتُصبح نائبته “فرانسيا ماركيز” أول شخصية سوداء البُشرة (يُمثل السود 11% من العدد الإجمالي للسّكّان) تتبَوّأُ منصبًا سياسيا في أعلى هَرَم السُّلْطَة، بهذا البلد الذي لم يَتَبَقَّ من سُكّانه الأصليين سوى 1,5 مليون نسمة، والذي يُشَبِّهُه مناضلو اليسار بأمريكا الجنوبية بالكيان الصهيوني، بسبب الدّور الوظيفي للنظام السياسي والحكومات المتتالية، وجميعها من اليمين المُتَشَدّد، كقاعدة عسكرية أمريكية (وصهيونية) ضد الأنظمة التّقدّمية بالمنطقة.

كان برنامج الفائز “غوستافو بترو” مُتواضِعًا، يهدف (بحسب تصريحاته) “إضفاء الطابع الإنساني” على اقتصاد السوق الرأسمالي، من خلال رفع قيمة الضريبة على أرباح الشركات ، والحد من استغلال الموارد المعدنية الضارة بالبيئة، ونَفَى “الإتهامات” التي تَنْسِبُ له اعتزام “تأميم للملكية الخاصة”، وطمأن الأثرياء وتُجّار المُخدّرات واللُّصوص قائلاً: “كولومبيا ليست بحاجة إلى الاشتراكية، بل للديمقراطية”.

دُعِيَ 39 مليون ناخب، من إجمالي خمسين مليون مواطن، ولم يُشارك سوى حوالي عشرين مليون مواطن في عملية اختيار أحد المُرَشَّحين الثلاثة، وحصل الرئيس الفائز على إحدى عشر مليون صوت.  

تَعَهَّدَ “غوستافو بترو”، خلال الحملة الإنتخابية، بتعديل النظام السياسي والاقتصادي، ومكافحة الفساد وبتضييق الفجوة الطبقية العميقة، وحصل منافِسُهُ الثَّرِيّ “رودولفو هيرنانديز” على 47,27% من الأصوات، أي بفارق نحو 700 ألف صوت (قد تصل مليون صوت بنهاية الأمر)، بحسب النتائج التي نشرتها الهيئة الوطنيّة المكلّفة بتنظيم الانتخابات، وحَظِي الرئيس الجديد بدعم “الميثاق التّاريخي”، وهو ائتلاف يساري تَصَدَّرَ نتائج الإنتخابات التشريعية في آذار/مارس 2022، ببرنامج تقدّمي وعَدَ بتحقيق العدالة الإجتماعية، وبفرض مزيد من الضرائب على الأثرياء، من أجل مكافحة الفقر ( 40% من السّكّان تحت خط الفقر) وتمويل التعليم المجاني ومشاريع الصّحة، ومعاشات المُتقاعدين، واستخدام الطاقة النظيفة (ما يُثير مُعارضة شركات النفط والطاقة الأحْفُورية)، ويُمثِّلُ اختيار “فرانسيا ماركيز”، وهي مُحامية سوداء البشرة، انتصارًا للمناضلين ضدّ العُنْصُرِية المُتفشِّيَة بالبلاد، وضد العُنف الذي تُعاني منه النّساء، وانتصارًا للشعوب الأصلية ولأحفاد العبيد، وأعلن الرئيس الجديد، إثر التصريح بالنتائج النهائية للإنتخابات: “لن نخون هؤلاء الناخبين الذين طالبوا بالتّغْيِير… نحن ملتزمون بتغيير فعلي وبتغيير حقيقي”.

تاريخيا، تعتبر كولومبيا قلعة اليمين المتشدد المدعوم من الولايات المتحدة التي تستخدم سلطات كولومبيا لتنفيذ مخططاتها ضد الجيران (فنزويلا والبرازيل) والمنطقة عمومًا، وتُجَسِّدُ هذه الإنتخابات اندماج الحركات المسلحة والحركات الاحتجاجية في منطق الديمقراطية بمظهرها الإنتخابي، إذ تتميز كولومبيا بكثرة الإغتيالات للمُعارِضِين للسُّلْطة، وسبق أن اغتالت مليشيات اليمين الذي تدعمه البرجوازية المَحلّيّة والولايات المتحدة، المُرشّحين اليساريين للرئاسة، وضعفت سطوة اليمين ومليشياته، منذ احتجاجات 2018 كانت مُقدّمة لهذا الانتصار الانتخابي التاريخي في كولومبيا، ضد منظومة الفساد والقتل والنّهب التي كان الرئيس السابق ألفارو أوريبي ومساعده إيفان دوكي، من أهَمِّ رُموزِها، كما تتميز كولومبيا بكثرة المقابر السِّرِّية حيث دفنت المليشيات اليمينية المتطرفة ضحاياها من المناضلين التقدّميين الذين اغتالتهم، وتتميز بتواجد القواعد الجوية الأمريكية وارتباط كولومبيا بحلف الناتو والقوات شبه العسكرية وتهريب المخدرات، وتشترك كولومبيا مع هندوراس والبرازيل في عدم المساواة المجحفة، حيث يُسيطر 2% من كبار ملاك الأراضي على 90% من الأراضي الزراعية الخصبة بكولومبيا. لم يعرف الكولومبيون تجربة “التّداول” على السّلطة، وحُكْم اليسار، بل حكمها اليمين بمختلف فِرَقِهِ، وتُعتبر كولومبيا من أعنف بُلدان أمريكا الجنوبية، حيث تعدّدت المليشيات الفاشية المُسَلّحة، واغتيالات النقابيين ومناضلي اليسار، والإستيلاء على أراضي الفلاحين الفُقراء، وعَكَست الحملة الإنتخابية هذا المناخ المُتَعَفِّن، حيث طغت عمليات التّجسُّس والتهديدات ونشر الأخبار المُضَلِّلَة والإتّهامات الباطلة.

ينحدر الرئيس الجديد من أُسْرَة ميسورة، لكنه انتمى في شبابه المُبَكِّر إلى اليسار المُسَلّح وكان عضواً بحركة إم-19 وهي حركة يسارية مُسلّحة، خاضت صراعاً ضد الحكومة الكولومبية بين سنتَي 1974 و1991 حين تم حلها ضمن اتفاق سلام بين الجانبين، ما جعل “غوستافو بيترو” ينخرط في العمل السياسي العلني عبر حزب التحالف الديمقراطي، وأصبح نائبًا بالبرلمان ثم رئيس بلدية العاصمة “بوغوتا”، بين سنَتَيْ 2012 و2015، كما اندمج في الحياة السياسية الرسمية، وعمل ملحقًا دبلوماسيًّا بسفارة كولومبيا في بلجيكا بين سنَتَيْ 1994 و1996، وترشّح للإنتخابات الرئاسية سنة 2010، وحصل على 9,1% من أصوات الناخبين، ثم حصل سنة 2018 على حوالي 25% من الأصوات وخسر في الجولة الثانية ضد الرئيس السابق “إيفان دوكي”، قبل أن تنجح مُحاوَلَتُهُ الثالثة، سنة 2022، ليلتحق “غوستافو بيترو”

بقائمة الرؤساء ذوي الميول اليسارية في أمريكا الجنوبية، ومنهم رئيس المكسيك لوبيز أوبرادور، وفرنانديز في الأرجنتين، وأورتيغا في نيكاراغوا، وكاستيلو في بيرو، ورئيسة هندوراس زيومارا كاسترو، وآرس في بوليفيا، وبوريك في تشيلي، فضلاً عن الأنظمة التي صَمَدَتْ منذ عُقُود، في كوبا وفنزويلا، في وجه المُحاصرة والمؤامرات الأمريكية.

 

خَلْفِيّة تاريخية

ينحدر “غوستافو بيترو” من أسرة ميسورة، وكان مُراهقًا لما دَبّرت الإمبريالية انقلاب 11 أيلول/سبتمبر 1973 ضدّ رئيس تشيلي المُنتَخَب “سلفادور أليندي”، كما دعمت الولايات المتحدة تزوير الانتخابات في كولمبيا ضد حزب “شعبي”، ما جعل العديد من الطلبة والمُثَقّفين وأبناء الفئات الوُسطى، يهتمون بالشأن السياسي، ويتعاطف العديد منهم مع اليسار، وانظم “غوستافو بيترو”، قبل بلوغ سن الثامنة عشر، إلى “حركة إم 19 نيسان/ابريل” في إشارة إلى تاريخ تزوير الإنتخابات  ( 19 نيسان/ابريل 1970 )، ودعت هذه المنظمة إلى الكفاح المُسلّح في المناطق الحَضَرية مثل توباماروس في أورغواي (بخلاف الحركات الأخرى، مثل “فارك” التي طبّقت المخطّط المَاوِي، فانطلقت من الأرياف، بهدف مُحاصرة المُدُن) ضد السلطة التي زَوَّرت انتخابات 19 نيسان/أبريل 1970، التي خسرها المرشح الرئاسي غوستافو روخاس جينيليا، وهو جنرال قاد انقلابا عسكريا، وحكم البلاد لفترة نيابية واحدة، من 1953 إلى 1957، ثم أسّسَ “التحالف الشّعبي” الذي رَشَّحَهُ، سنة 1970، لخوض انتخابات الرئاسةومُنافسة المُرَشّح اليميني “المُحافظ” ميشال باسترنا بوريرو، وفاز “بوريرو” بالتّزوير، وأَسّسَ حزب وأنصار “جينيليا” حركة قومية، تهدف “إرساء الديمقراطية في كولومبيا” (وليست ماركسية كما يدّعي الإعلام الأمريكي وتوابعه) تحت إسم “حركة 19 ابريل” التي خاضت الكفاح المُسلّح لقرابة عشرين سنة، قبل توقيع اتفاق مع الحكومة، سنة 1990 (خلال فترة احتضار الإتحاد السوفييتي) وقررت الحركة خَوض النشاط السياسي السّلْمِي، في ظل القوانين السّائدة، وشاركت منذ سنة 1991 في الانتخابات البرلمانية، باستثناء بعض المجموعات المُنْشَقّة، وانتمى غوستافو بترو  إلى “حركة 19 أبريل” لمدّة عشر سنوات، ثم اعتُقِلَ وتعرض إلى التعذيب، وسُجِن لمدة سنة واحدة، ثم انخرط في العمل السياسي السِّلْمي وأصبح، سنة 2002، عضْوًا بالبرلمان ثم عضوًا بمجلس الشيوخ سنة 2006، ورئيس بلدية بوغوتا العاصمة، سنة 2010…

ارتكز خطاب الحملة الإنتخابية لغوستافو بترو على تحشيد الفئات التي عبّرت عن غضبها في الشوارع، منذ 2018، من الوضع الإقتصادي وحدّة التفاوت الطّبَقِي والمستويات المرتفعة للفقر والبطالة والتضخم جراء ارتفاع أسعار السّلع الأساسية…     

 

استخلاصات:

قدّرت دائرة الإحصاءات الإدارية الوطنية (بيانات سنة 2020) نسبة الفقر بنحو 42,5%  أو ما يَزيد عن 21 مليون مواطن (من إجمالي خمسين مليون)، وأدْرجت تقارير البنك العالمي البلاد كثاني أكثر الدول تفاوتًا في منطقة أمريكا الجنوبية وبحر الكاريبي، فيما سمح نظام الرئيس السابق ألفارو أوريبي، بتعزيز تبعِيّة كولومبيا ودورها كمركز مراقبة وعمليات القوات العسكرية والإستخبارات الأمريكية، وإنشاء العديد القواعد العسكرية الأمريكية الجديدة، في إطار التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وكولومبيا، ويتعين على الرئيس بترو التّعامل مع دور كولومبيا في التخطيط العسكري لوزارة الحرب الأمريكية، وتغلغلها في المؤسسة العسكرية الكولومبية التي لعبت دورًا هامًّا في قمع الحركات الإجتماعية والفلاحين وفُقراء المُدُن، والقادرة على الإطاحة به، لو تجاوز الحُدُود التي تعتبرها الولايات المتحدة من المُحَرّمات، ما يجعل على الرأسمالية النيوليبرالية. تمثل القوات المسلحة لكولومبيا حارسًا للرأسمالية النيوليبرالية في كولومبيا وفي المنطقة، كما تُمثّل عرقلةً لأهداف العدالة الإجتماعية وللتغييرات التي يطمح إليها غالبية الكولومبيين، وأداة تصادم مع الحركات والحكومات التقدمية…

حصل “غوستافو بيترو” على أكثر من إحدى عشر مليون صوت، في ظل مُشاركة قياسية للنّاخبين، ويمكن اعتبار هذا الإنتصار الإنتخابي امتدادًا أو جُزْءًا، وربما اعتبَرَهُ البعض تتويجًا، للإحتجاجات والمُظاهرات التي انطلقَتْ سنة 2018، وجمعت عشرات الآلاف من الشباب والمواطنين الغاضبين والنقابيين ومناضلي اليسار، ضد السلطة ورموزها وفي مقدّمتهم الرئيس السابق ألفارو أوريبي ومساعده إيفان دوكي، وتَشَكَّلَ ائتلاف “الميثاق التّاريخي” خلال مرحلة التعبئة والتظاهرات المختلفة ضدّ السّلطة والفساد والتّفاوت الطّبقي المُجحف، وكان هذا الحراك الإجتماعي مُتزامنًا مع احتجاجات تشيلي وبيرو والعديد من بلدان أمريكا الجنوبية…

عندما تندمج أي قُوّة سياسية في منطق الدّيمقراطية البرجوازية، والتّمثيل البرلماني، وجب أن تحترم الدُّستور والقوانين التي لم تُشارك قوى اليسار وجمهور الكادحين والفُقراء في صياغتها، ما يُفَسِّر تقديس الدساتير والقوانين في أنظمة الدّيمقراطية البرجوازية (كنقيض لمفهوم للديمقراطية الشعبية، وليس كمقارنة بما تم تطبيقُهُ في أوروبا الشرقية) للمِلْكِيّة الفردية، دون اهتمام بمصدرها وطريقة تكديس الثروة، وإهْمال لمصالح العاملين والكادحين والفُقراء، ولذلك يُلَخِّصُ الرئيس الكولومبي الجديد خطّته لتطبيق العدالة الاجتماعية كالتّالي: “سنطور الرأسمالية من أجل إخراج كولومبيا من الإقطاع ما بعد الحداثي”  ما فَسَّرَهُ بعض أنْصارِه ب”توليد الثروة وإعادة توزيعها”، وهو أمْرٌ يُجافي الصّواب، لأن تطبيق الرأسمالية، بمختلف أوْجُهِها، يعني الإستغلال والمُنافسة (نقيض المساواة والعدالة) وتراكم الثروة، وبخصوص كولومبيا، لا يكفي أن يكون الرئيس منتخبًا ليفعل ما يشاء، فهو مُضْطَرٌّ للبحث عن وفاق مع الأحزاب المُمَثَّلَة في المجلس (الكونغرس) وخصوصًا مجلس الشيوخ، ذي النّفُوذ الهام، إذْ لا يُشكّل ائتلاف “غوستافو بترو” أغلبية داخل مجلس النّوّاب…

لا تزال السّلطة الإقتصادية التي تُمثل المصالح المالية والتجارية للأثرياء، والبرجوازية العقارية وكبار ملاك الأراضي الزراعية، ومهربي المخدرات، بين أيدي العملاء ودعاة التدخل الأمريكي، من بينها شركات المحروقات وتصنيع الأسلحة، والمصارف التي تتولّى غسْلَ أرباح تجارة المخدرات والخطف، كما قد تُضاعف الولايات المتحدة من جهودها للسيطرة على البلاد ذات الموقع الإستراتيجي بالمنطقة ، وتتحكم هذه القوى المالية والدّينية في قطاعات هامة منها الإعلام والتعليم والصّحة والنّقل والإتصالات، وأظهرت تجارب العديد من دول أمريكا الجنوبية أن الشركات والمُخابرات الأمريكية لا تتردّد في تنظيم المؤامرات التي قد تصل حدّ الإنقلابات العسكرية، ضد أي نظام لا يُجَرّدُ البرجوازية “العِلْمانية” والدّينية من سُلطتها، لذا قد تكون الإنتخابات وسيلة لافتكاك السّلطة، لكن الأهم هو خدمة مصالح الكادحين والفُقراء، والتفاف هؤلاء حول السّلطة والدّفاع عنها بكافّة الأشكال، لمجابهة عُنف الولايات المتحدة وعملائها.

يمكن لأحزاب ونُواب اليسار البرلماني استغلال الغضب الشعبي والنضالات ضد الإستغلال والإضطهاد والفساد وحالة الفَقْر، وهو ما فعله ائتلاف “الميثاق التاريخي” ومُرشّحه “غوستافو بترو”، وهذا مُهِمّ، وأمْرٌ مَشْرُوع، لكن الأهم هو النجاح في تطبيق خطّة تنمية، تقضي على الفقر، في بلد يعيش 40% من سكّانه تحت خط الفقر، وعلى الإستغلال واضطهاد الشّعُوب الأصلية والسّود وما إلى ذلك من القضايا، ولكن الدّساتير والقوانين في جل بلدان أمريكا الجنوبية لا تسمح (إن توفّرت الإرادة) بتجاوز الخُطُوط الحمراء، التي تُحدّدُها الكنيسة (التعليم الدّيني وتحريم الإجهاض، على سبيل المثال) ورأس المال (تقديس المِلْكيّة الفَردية ورأس المال) ما جعل الحكومات التقدّمية بالبرازيل ونيكاراغوا وبوليفيا وتشيلي وغيرها تكتفي بانتشال جُزء من فُقراء أحياء الصفيح والأرياف وتحويلهم إلى مُسْتهلِكِين، ينتفضون ضد السّلطة عندما تنخفض التحويلات المالية للدّولة

وعد “غوستافو بترو” بإعلان حالة طوارئ اقتصادية، وبزيادة الضرائب على الثروات، لتمويل خطة مجانية الصحة والتعليم ولمكافحة الجوع والفَقْر، لكنه يُناقض نفسه عندما أعلن بكل وضوح (كما أسلَفْنا) إنه “لن يُطبّق الإشتراكية، بل سيحافظ على الرأسمالية “، ومع ذلك يتهمه خصومه بأن برنامجه “اشتراكي متطرف”، ورغم التهاني التي تلقّاها الرئيس الجديد من وزارة الخارجية الأمريكية، أعلن الرئيس جوزيف بايدن: “إن كولومبيا أهم حليف للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية”، وتُعْتَبَرُ كولومبيا، منذ آذار/مارس 2022 “حليفًا رئيسيا لحلف شمال الأطلسي، من خارجه”، وتجدر الإشارة إلى الدّور الأمريكي في اغتيال وتصفية أي مُرشح للرئاسة من خارج ارستقراطية العاصمة “بوغوتا” الموالية للولايات المتحدة، كما حصل سنة 1948 أو 1989، لأن الولايات المتحدة تعتبر كولومبيا من مَحْمِيّاتها وقاعدة تُشرف من خلالها على أمريكا منطقة أمريكا الجنوبية وبحر الكاريبي، وأنشأت بها سبع قواعد عسكرية، خلال أقل من رُبع قَرْن بذريعة “مكافحة الإرهاب والجريمة المُنَظّمة وتجارة المُخدّرات”

تُشير تجارب حكم اليسار في أمريكا الجنوبية (مع تَنَوُّعِهِ واختلاف جُذُوره) بالفشل في بناء الإشتراكية، بواسطة الإنتخابات، لأسباب عديدة منها الحصار الأمريكي (نموذج فنزويلا وبوليفيا ) الذي بلغ حدّ تدبير الإنقلابات العسكرية أو الدّستورية ضد السّلُطات التقدّمية، فضلاً عن الظروف الدّاخلية، حيث بقيت البرجوازية مُسيطرة على القطاعات الإقتصادية الهامة، في ظل حكم السلطات التقدّمية التي لم تُنْجِز إعادة هيكلة الجيش والإقتصاد والقطاع المالي والإعلام والتّعليم، الذي تهيمن عليه الكنائس، ومنها الكنائس الإنجيلية الصهيونية الأمريكية، خصوصًا في البرازيل، ورغم بعض الإختلافات في البرامج والتجارب، ينطبق الأمر على فنزويلا والبرازيل والأرجنتين وبوليفيا وإكوادور، وبقي العديد من الرؤساء يُعانون من صعوبات داخلية، لكن مدعومة أمريكيا، كما في هندوراس وبيرو حاليا…

يُشكل انتخاب “غوستافو بترو ثاني أكبر نكسة للولايات المتحدة، في ثاني أكبر قَلْعَة رجعية في أمريكا الوُسْطى، بعد انتخاب “أوبرادور” في المكسيك، وقد تؤدّي عودة حزب العمال إلى السلطة في البرازيل إلى تسريع عملية الاندماج الإقليمي لأمريكا الجنوبية، وفك عزلة فنزويلا والحد من نفوذ الولايات المتحدة، وربما زيادة نفوذ منافسيها كالصين وروسيا…

يُشكّل تاريخ ومَسار “اليسار” (وهي عبارة فَضْفاضَة جدًّا وغير واضحة المَعالم) والإنتفاضات والحراك الإجتماعي في أمريكا الجنوبية مادّة دَسِمَة لاستخلاص منظمات ومناضلي العرب وبلدان “الجنوب”، دُرُوس وعِبَر من أشكال النّضال ومُقاومة القَمع وأساليب العمل الجماهيري العَلَنِي كالنّضالات المَطْلَبِيّة في الوَسَط الحَضَرِي، والعَمل السِّرِّي وما إلى ذلك.