الإحتلال قطاع استثماري مُرْبِح  … الكيان الصهيوني استثمار استراتيجي امبريالي للسيطرة على المشرق العربي / الطاهر المعز

255

الطاهر المعز ( تونس ) – الأحد 11/2/2024 م …

كانت فلسطين مقر القيادة العسكرية للإمبراطورية البريطانية في ما سُمِّيَ “الشرق الأوسط”، بين سنتَيْ 1918و 1947، وبعد إنشاء وتمويل وتسليح الكيان الصهيوني من قِبَلِ الإمبريالية وتسليم جيش الاستعمار البريطاني سنة 1947 كافة معسكراته ودباباته وطائراته المقاتلة للكيان الصهيوني استَمَرَّ الدّعم العسكري والإقتصادي والدّبلوماسي، من معظم الدّول الأوروبية ومن أمريكا الشمالية، وتشير التقديرات أن المُساعدات الخارجية تُمثل 35% من الناتج المحلي الإجمالي للكيان الصهيوني، أي إن جُزْءًا من فائض القيمة الذي تسرقه الرأسمالية من عرق العُمّال في أمريكا الشمالية وأوروبا يذهب إلى الكيان الصهيوني، ومن واجبنا كتقدّميين عرب توضيح هذه المسألة لأصدقائنا ورفاقنا في الدّول الإمبريالية التي ترسل مساعدات مالية وعسكرية سنوية تُمثل 35% من حجم الإقتصاد الصهيوني البالغ أكثر من خمسمائة مليار دولارا، وقُدِّرت قيمة التحويلات المالية والهِبات والتعويضات التي قَدّمتها الولايات المتحدة وألمانيا إلى الكيان الصهيوني بين سنتَيْ 1948 و 2010 بنحو 200 مليار دولار، واستفاد الكيان الصهيوني من اتفاقيات أوسلو، حيث تمكّن من اجتذاب 104 مليارات دولارا من الإستثمارات الأجنبية مباشرة بعد توقيع اتفاقيات أوسلو سنة 1993، لأن المستثمرين اعتبروا إن الإستثمارات أصبحت آمنة، ولن تزعجها المُقاومة المُسلّحة بعد موافقة قيادات منظمة التحرير الفلسطينية على وقف العمليات الفدائية.

تشير التقارير إلى 14 مليار دولار من التبرعات الأمريكية التي ضمنت مؤسساتها التعويضات عن الخسائر الناجمة عن الحرب، فضلا عن الدّعم العسكري في شكل صواريخ وأسلحة وذخائر بنحو 3,5 مليار دولارا، وضمنت سندات الكيان الصهيوني لتشجيع المُستثمرين على شرائها، لأن الكيان الصهيوني استثمار استراتيجي مُرْبِح للإمبريالية في الوطن العربي، أي إن الرّبح يفوق الخسارة

قال روبرت إف كينيدي جونيور في تغريدة له بتاريخ 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2023إسرائيل هي معقلنا وأقدم حليف لنا، وإذا اختفت إسرائيل، فإن روسيا والصين ودول البريكس+ ستسيطر على 90% من نفط العالم، وستكون هذه كارثة على الأمن القومي الأمريكي”، ويعني هذا التّصريح  أن الوطن العربي مستعمرة، وهو جزء من أمريكا، وثروته جزء من الأمن القومي الأمريكي!

الجيش الصّهيوني جزء من آلة الحرب الأمريكية والإمبريالية

تُقدّم الإمبريالية الأمريكية رسميا 3,8 مليارات دولارا سنويا للكيان الصهيوني في شكل مساعدات عسكرية، وتجمع المنظمات الصهيونية الأمريكية حوالي أربعة مليارات دولارا من التبرعات سنويا لدعم الكيان الصهيوني. أما خلال فترات الحرب العدوانية فإن هذا المبلغ يتضاعف مرّتَيْن أو ثلاثة، فضلاً عن الدّعم الأمريكي الإستثنائي، وعلى سبيل المثال فقد طلب الرئيس الأمريكي من الكونغرس الموافقة على مُساعدة مجانية للكيان الصهيوني بأربعة عشر مليار دولارا، بعد السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023، وأرسلت الولايات المتحدة إلى الجيش الصهيوني اليورانيوم المُنَضّب والفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية، دعما للعدوان على فلسطينِيِّي غزة والضّفّة الغربية، وجميعها أسلحة مُحَرَّمَة، وموّلت الولايات المتحدة عمليات الإستيطان، وعلى سبيل المثال، عندما انهار الإتحاد السوفييتي وساءت حال المواطنين ساعدت المنظمات الصهيونية حوالي مليون سوفييتي على الإستيطان في فلسطين، في أراضي الشعب الفلسطيني، وسدّدت الولايات المتحدة، خلال رئاسة “بيل كلينتون” عشر مليارات دولار كضمانات قرض لتوطينهم، وخلال عدوان تشرين 2023 حضر الرئيس الأمريكي ووزراؤه والرئيس الفرنسي والعديد من المسؤولين الحكوميين الألمان، كما حَضَرت رئيسة المفوضية الأوروبية فاندرلاين وعدد من المُفَوِّضِين لإعلان دعمهم عمليات المجازر والإبادة ضد الشعب الفلسطيني المُحاصَر لأن الكيان الصهيوني يحقق المصالح الإستعمارية في الوطن العربي، وأرسلت الولايات المتحدة كميات ضخمة من الأسلحة دعمًا للجيش الصهيوني خلال عُدوان تشرين 2023، ونشرت بعض وسائل الإعلام صُورًا ( يوم 24 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ) لشحنات عسكرية أمريكية عديدة انطلقت من قواعد الجيش الأمريكي بالولايات المتحدة وألمانيا والأردن باتجاه فلسطين المحتلة…

إن الدّول الإمبريالية تجني أرباحًا تفوق ما تنفقه لدعم الكيان الصهيوني الذي يُمثّل استثمارًا استراتيجيًّا للإمبريالية، وقاعدة مسلحة تحرس مصالحه في المشرق العربي، ولذلك فإن حماية الكيان الصهيوني هي حماية لمصالح الإمبريالية، ويُشكّل تطبيع الأنظمة العربية علاقاتها مع دولة الإحتلال انتصارًا يفوق أي انتصار عسكري، كما يُشكل استغلال المحروقات المَسْرُوقة من سواحل فلسطين خطوة هامة نحو استقلال الكيان الصهيوني عن الإمبريالية، لكن الشعوب العربية، وفي مقدّمتها شعوب مصر والأردن والمغرب ترفُضُ التّطبيع وترفض الكيان برُمّته وتُمارس المقاطعة رغم الدّعاية الإعلامية والسياسية ورغم القَمْع.  

من يُعَوّض خسائر الفلسطينيين؟

تقييم عملية طوفان الأقصى

أدّت العملية الفدائية المُشتَرَكَة التي نفّذها حوالي ثلاثة آلاف فِدائي من حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى قَتْل نحو 1400 مستوطن واحتجاز 240 مستوطن صهيوني وأجانب كرهائن، وفق وسائل إعلام العدو التي وصفت هذه العملية بنقطة تحَوّل تاريخية وباليوم الأكثر دموية في تاريخ كيان الإحتلال منذ تأسيسه سنة 1948

فقدت سلطة أوسلو أي مصداقية وفقدت مؤسسات حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات مصداقيتها فقد قُتلت القوات الصهيونية 50  صحفياً خلال 45 يوماً في غزة، وهي واحدة من أكثر الخسائر دموية في هذا القرن، كما ظَهَرَ للعيان فَشَلُ الرّدع العسكري الصهيوني يوم السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 وظهر التّواطؤ الإمبريالي (الغربي) العلني مع العدو الصهيوني، فضلاً عن تواطؤ الرجعيات والبرجوازية الكُمْبرادورية العربية، حتى لما كان العدو يقتل الأطفال ويقصف المستشفيات والمباني السّكنية والمدارس، فضلاً عن الحصار الاقتصادي المفروض، منذ حوالي عِقْدَيْن، من قِبَل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” كما يصفها الإعلام الإمبريالي

اعتادت الإمبريالية (بقايدة الولايات المتحدة) على دعم الكيان الصهيوني علنًا، سواء خلال حرب 1973، حيث وفّرت الولايات المتحدة جِسْرًا جَوِّيًّا لإعادة إمداد الجيش الصهيوني، فضلا عن الدّعم السياسي والإعلامي والدّبلوماسي، وأرسلت وزارة الحرب الأمريكية بعد 13 تشرين الأول/اكتوبر 2023، حاملَتَيْ طائرات ترافقها عشر سفن حربية وعلى متنها 16 ألف جندي وضابط بحرية و300 طائرة، وكل ذلك لردع ثلاثة آلاف فدائي، وسدّدت ألمانيا حوالي مليار دولارا بعنوان “دعم  المجهود الحربي الإسرائيلي”.

في الجانب العربي، لم يتضامن (عَمَلِيًّا) أي نظام عربي مع المُقاومة الفلسطينية ومع الشعب الفلسطيني في غزة وثُلُثاه من اللاجئين، وفي المقابل ساهمت المقاومة في لبنان وفي اليمنفي مشاغبة العدو عبر مناوشات تجبره على تشتيت قواته وتخصيص جزء منها إلى جبهة جنوب لبنان وميناء أم الرشراش.

كشفت العملية الفدائية ليوم السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 فشل نظام التجسس “بيغاسوس” وكافّة أنظمة التنصت والتتبع الإلكتروني أمام التقنيات البدائية التي يستخدمها المقاتلون الفلسطينيون في غزة، وبذلك قد تنخفض مبيعات أجهزة التجسس والأسلحة والتجهيزات الإلكترونية التي يُشرف عليها الجيش الصهيوني وتدعمها الشركات ورؤوس الأموال الأمريكية وكانت تُشكل 48% من الصادرات و18,1% من الناتج الإجمالي الصهيوني وتُشغّل أكثر من 8200 مهندس عسكري…

طبيعة الكيان الصّهيوني

لا يجوز توصيف القضية بأنها “صراع” أو “مشكلة” أو معضلة “دينية”، إنها حرب تحرير ضد استعمار من نوع خاص، لأنه استعمار استيطاني اقتلاعي إحلالي.

عانى الشعب الفلسطيني من الإحتلال العثماني (1516 – 1918)، والإستعمار البريطاني (1918 – 1948) الذي “وعد” الحركة الصهيونية سنة 1917 بفلسطين، قبل أن يُسلّمها البلاد سنة 1948، ومنذ ذلك الحين يستمر الاحتلال الصهيوني، بل يتوسّع، بدعم من الإمبريالية (وخاصة الأمريكية والأوروبية) والأنظمة العربية الرجعية.

غزا الاستعمار البريطاني فلسطين، إثر هزيمة الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، وتَبَعًا للاتفاقية الفرنسية البريطانية المعروفة باتفاقية “سايكس بيكو” سنة 1916 (اتفاقية سرية كشف عنها لينين بعد انتصار الثورة البلشفية)، ثم مَنَحَ الاستعمار البريطاني فلسطين للحركة الصهيونية لإقامة “دولة إسرائيل“.

كان وعد بلفور، في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، بمثابة نقطة تحول في مأساة الشعب الفلسطيني، التي تجسّدت بتأسي الغرباء الأوروبيين دولةً في فلسطين سنة 1948، حيث تم طرد وتهجير ثُلُثَيْ الشعب الفلسطيني بالقوة المسلحة، خارج البلاد، وفق خطة تمت دراستها قبل عقدين من الزمن، ويعرف هذا الحدث باسم “النكبة”، وهو مصطلح عربي يعني: الكارثة، ومنذ ذلك الحين، يعيش جزء من الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة سنة 1948، وهؤلاء هم أحفاد 160 ألف فلسطيني أفلتوا من الطرد. أما أولئك الذين طردوا (ما بين 800 ألف و 850 ألف) فقد أصبحوا لاجئين في البلدان المجاورة (لبنان وسوريا والأردن ومصر) أو في الأراضي التي تم احتلالها لاحقاً سنة 1967، وخاصة في غزة حيث يشكل اللاجئون نحو ثُلُثَيْ السكان وهم لاجئون في بلادهم (النازحون، بلغة الأمم المتحدة)، وعاش الفلسطينيون في الأراضي المحتلة سنة 1948 كمواطنين من درجة دُنْيا، جُرِّدوا من حقوقهم وعاشوا في ظل نظام عسكري (حظر التجول وحظر التنقل دون تصريح من الحاكم العسكري، إلخ) لمدة عشرين عامًا، كما حصلت عشرات المجازر وتم هدم 531 قرية لمنع اللاجئين من العودة

تشكّلت مجموعات مقاومة صغيرة منذ عام النّكبة، وتأسست حركة القوميين العرب سنة 1948 (في خلاف مع حزب البعث)، ثم تبلْوَرَت الفكرة والنّضال سنة 1951، من خلال نقاشات المناضلين المُؤَسِّسِين، وهم من بلدان عربية مختلفة (فلسطين والأردن وسوريا والعراق والكويت واليمن وموريتانيا ) ومن بينهم جورج حبش ووديع حداد وهاني الهندي وأحمد الخطيب وصالح شبل وحامد الجبوري وغيرهم، وأصدرت الحركة نشرات ومجلاّت بين 1951 و 1959، تتمحور مواضيعها حول “ضرورة الوحدة العربية والتحرّر من الإستعمار والثأر من الصهيونية”، ثم حذفت الحركة شعار الثّأر واستبدلته بشعار استعادة فلسطين، وأضافت الإشتراكية سنة 1959، وأصبح هدف حركة القوميين العرب: “تعبئة جماهير كافة أقْطار الأمة العربيّة من أجل تحرّرها من الإستعمار واسترداد فلسطين وتحقيق وِحْدَة الأمة العربية وإنجاز الإشتراكيّة”، وفق ما ورَدَ في مجلاتها “الرّأي” و “الحُرِّيّة”، وتم حَلّ الحركة إثر هزيمة 1967، ليتأسّس الفرع الفلسطيني تحت إسم الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.

كان لحركة القوميين العرب فروع في عدة بلدان عربية في فلسطين وسوريا والعراق والأردن والبحرين وعُمان واليمن والكويت وغيرها، بهدف “تعزيز الانتفاضة الشعبية في جميع البلدان العربية ضد الاستعمار”، وقادت الحركة انتفاضة شعب عُمان في إقليم ظُفار، وقادت النضال ضد الإستعمار البريطاني وضد الحكم الملكي في اليمن وحكمت اليمن الجنوبي

أنشأت جامعة الدول العربية منظمة التحرير الفلسطينية، سنة 1964، استجابة لطلب جزء من البرجوازية الوطنية الفلسطينية الحصولَ على أدوات نضال خاصة بالفلسطينيين، ثم تأسست حركة فتح في وقت لاحق على يد وطنيين فلسطينيين من خلفيات مختلفة (قوميون وإخوان مسلمون ووطنيون علمانيون إلخ ) وكانوا يدعون إلى “عدم التدخل في شؤون الدول”، وبالتالي فصل النضال من أجل تحرير فلسطين عن تحرير الشعوب العربية الأخرى، خلافًا لحركة القوميين العرب التي تعمل على تحرير البلدان الواقعة تحت الاستعمار المباشر (مثل اليمن أو دويلات الخليج ) أو الإستعمار غير المباشر (الاستعمار الجديد) ويشمل بقية البلدان العربية، مع استثناءات قليلة.

شكّلت هزيمة الأنظمة العربية وجيوشها خلال حرب 1967 تاريخ ولادة “اليسار الجديد” العربي، بما في ذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي توصّل مُؤسِّسُوها إلى نتيجة مفادها أن الجيوش العربية النظامية ليست قادرة على إلحاق الهزيمة بالكيان الصهيوني الذي تدعمه الإمبريالية، ولن تكون هذه هزيمته سوى من قِبَل الشعب (حتى لو كان يعيش الظّلم والحرمان) بواسطة الحرب الشعبية طويلة المَدَى، على الطريقة الجزائرية أو الصينية أو الفيتنامية، وكانت مساهمةُ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مُهِمَّةً في توضيح أن الفاعلين الحقيقيين في صفوف الثورة هم الفقراء والعمال والفلاحون والرجال والنساء المسحوقون والمُضْطَهَدُون، وشدد قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على الاختلافات بين اليهودية (كدين وهو ليس هوية وطنية) والصهيونية كأيديولوجية استعمارية وعنصرية.
ما هو دور التقدميين خارج فلسطين؟

لقد وُلِدَت الأيديولوجية الصهيونية في أوروبا، كما وُلِدَت الغيتوات والإبادة، وسبق أن أبادت الجيوش الأوروبية والمستعمرون الشعوب الأصلية في الأمريكتين ( منذ القرن السّادس عشر) وأستراليا ونيوزيلندا، واستَعْبَدَ المُستعمرون الأوروبيون ملايين الأفارقة وسَلَبُوهم حريتهم التي يتشدّق الأوروبيون بها خلال القرن الثامن عشر وأجبر المستعمرون الأوروبيون العبيد على العمل في الأراضي التي سلبوها من السّكّان الأصليين، لتصبح مزارع ضخمة. إن هذا العمل القسري والشّاق للعبيد الأيرلنديين في البداية، ثم للعبيد الأفارقة، هو الذي سمح بالتراكم السريع لرأس المال في أمريكا الشمالية والذي يستمر في التطور بفضل العمل شبه الإجباري للسجناء والعمال غير المستقرين والنساء في الولايات المتحدة، حتى خلال القرن الواحد والعشرين، وإن هذه «القيم» هي التي تشكل نموذجاً للدولة الصهيونية في فلسطين التي تسعى إلى إبادة الأحياء وإجبارهم على الهجرة من وطنهم، وتسعى إلى توسيع نطاق هيمنتها إلى سوريا (الجولان)، ومصر (سيناء)، وجنوب لبنان، والأردن، وأماكن أخرى «من النيل إلى الفرات»، ولذلك، من الضروري التنديد بقرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة سنة 1947 والذي يمثل صورةً عن الظلم الاستعماري التاريخي، باسم “المجتمع الدولي”، أو “القانون الدولي” الذي لا يعدو أن يكون أداةً للهيمنة، لأن هذا “المجتمع الدولي” يطبق جزءا من القرار 181، ويُهْمِل تطبيق القرار 194 الخاص بـ “حق عودة اللاجئين، فضلاً تعويضهم”، ويُريد المُتشدّقون بالمجتمع والقانون الدّوْلِيَّيْن أن تلعب المنظمات الفلسطينية دور المُساعد للإستعمار ( أي العَميل أو “الحركي”)، وإلا فهي متطرفة وإرهابية، خصوصًا إذا قاومت الإحتلال!
كان تقسيم فلسطين التاريخية وإنشاء الأمم المتحدة للكيان الصهيوني بمثابة إطار لِقَوْنَنَة وشَرْعَنَة طَرْدِ الفلسطينيين ( السكان الأصليين). إن إنشاء هذه الدولة الاستعمارية على وَطَن أرض الشعب الفلسطيني هو ظلم استعماري تاريخي، وهي جريمة حصلت في ظل الظروف التي أدّت إلى تأسيس الأمم المتحدة وفي ظل أيامها الأولى، عندما كانت الغالبية العظمى من البلدان في أفريقيا وآسيا تحت الحكم الإستعماري الفرنسي أو البريطاني، وكانت جميع البلدان العربية تحت الإستعمار، ويتمتع بعضها باستقلال شكلي، تحت إشراف وإدارة القادة العسكريين البريطانيين والفرنسيين.

حاليا، لا يتعلق الأمر بمعارضة سياسات الحكومة الصهيونية، بل بإلغاء هذا النظام الاستعماري الإستيطاني الذي لا يريد أن يكون له دستور ولا حدود، ولا يمكن أن يتم ذلك سلميًا، لأن الاستعمار عنيف بطبيعته، ولن ينتهي الإستعمار (أي نوع من الإستعمار) وخصوصًا الإستعمار الإستيطاني من خلال التفاوض والنّضال السّلْمي (إن سمح به الحكم الإستعماري)، بل من خلال النضال، وعلى المظلوم أن يختار الوسيلة المناسبة، على أساس الوسائل والإمكانيات، وبشكل عام، لا يترك الاستعمار أي خيار للمستعمَرين، لأنه يُقاتلهم بقُوّة السّلاح وبالإستيلاء على الأراضي والممتلكات، فيضطر الشّعب الواقع تحت الإستعمار إلى مُقاومته بنفس الوسائل، وبالتّجنيد الشّعبي، فالشعب هو حاضن المُقاومة

إن الدولة التي أسسها الصهاينة – بدَعْم مُباشر من الإمبريالية – على أرض الشعب الفلسطيني ليست نتاجاً لأمْر إلَهي (أرض بلا شعب وهَبَها اللّه لشعب بلا أرض !!!)، بل هي دولة غير شرعية، وتنفرد بانعدام دُسْتُورٍ وبعدم رسم حدودٍ لها، وتستخدم ضد السكان الفلسطينيين – أصحاب البلاد الشّرْعِيِّين – القوانين الموروثة من الإحتلال التّركي (العثماني) ومن الإستعمار البريطاني، والتي يُتَرْجَمُ تأويلها إلى إجازة العبودية والعنصرية والتطهير العرقي والإبادة والجرائم ضد الإنسانية… لكن هذا الإستعمار الإستيطاني الذي يعتمد عقيدة عنصرية تُجيز الإقصاء والإبادة، يُصبح في نظر القوى السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية في البلدان الإمبريالية ” الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط… (التي لديها) الجيش الأكثر احترامًا للأخلاق وethics…”

لقد أثبتت معركة غزة أن هناك بعض التّغْيِير في ميزان القوى، لكنه – رغم تَوفُّر الإرادة – ليس لصالح الشعوب المضطهدة حاليا، بل يتمثل التّغيير الأساسي في إعادة تنظيم أو إعادة توزيع للهيمنة على حساب الإمبريالية الأمريكية والأوروبية (على حساب الناتو)، لصالح القوى الرأسمالية الأخرى (الصين وروسيا والبرازيل وإيران وغيرها) التي ترغب في توسيع نفوذها من خلال إقامة عالم متعدد الأقطاب بدلاً من عالم أحادي القطب، وهو تغيير قد يُخَفّف بعض الحمل لفترة وجيزة، لكن مستقبل البروليتاريا والمستغَلِّين والمضطَهَدين والمستعْمَرين – مثل الفلسطينيين – يتطلب تولِّي المعنيين أمورهم بأنفسهم، وهم في حاجة إلى المساعدة غير المشروطة من التّقدّمِيِّين والثوريين في العالم، لتحقيق أهدافهم في تحرير الأرض والإنسان.

يوضح تاريخ نضال الشعب الفلسطيني أن فلسطين كانت ولا تزال أرضًا يسكنها شعبها (أو جزء من شعبها) الذي يدافع عنها ضد المستوطنين القادمين من مائة بلد للإستيلاء على الوطن وعلى الأرض بالقوة، بمساعدة الإمبريالية وأعضاء حلف الناتو، وبعد مرور أكثر من مائة عام على وعد بلفور، يجب أن تُصبح فلسطين المكان الأقل أمانًا للشركات الرأسمالية المُستثمرة في فلسطين المحتلة، وللسياح المفتونين بالدعاية الصهيونية، وغير آمنة خاصة للمستوطنين الذين يرغبون في تصديق أنهم يحتلون “أرضًا بلا شعب”، ويجب أن يتواصل هذا الإتجاه (في ميزان القوى) لكي ترتفع تكاليف الإستعمار الإستيطاني، مقارنة بإيراداته وأرباحه

رغم حَظْر المُظاهرات المُندّدة بجرائم الكيان الصهيوني أو المُتضامنة مع الشعب الفلسطيني، ورغم الحملات الإعلامية والقَمع والإعتقالات، تَظاهر الآلاف في العديد من مُدُن أوروبا وأمريكا الشّمالية، ومن واجبنا (كتقدّميين عرب) استغلال هذا التعاطف لتطوير عملية التّضامن وتحويلها إلى عملية مُساندة لحق الشعب الفلسطيني في وطنه وحقوق اللاجئين في العَوْدَة إضافةً إلى التّعْويض ونبذ الكيان الصهيوني كمستفيد من عرق الكادحين الذين يُعانون صعوبات مالية كبيرة بسبب ارتفاع الأسعار وارتفاع إيجارات المسكن وانخفاض القيمة الحقيقية للدّخل…