الفرصة الفلسطينية في الأزمة الصهيونية / مروان البرغوثي

463

21 عاماً على اعتقاله.. أبرز المحطات في حياة الأسير القائد مروان البرغوثي

مروان البرغوثي* ( فلسطين ) – الإثنين 27/3/2023 م …

(*) مناضل فلسطيني معتقل منذ 22 عاماً؛ قسم العزل في سجن نفحة، صحراء النقب المحتلة

حين عمل منظرو الصهيونية على ترسيم ملامح مشروعهم الاستعماري، كانوا يؤسسون حلمهم على وقع التحولات المتسارعة في المركز الاستعماري الغربي، ومجمل التحولات الدولية والإقليمية. وعندما بدأوا بوضع الفكرة في وقائع ومنجزات، كانوا يشتغلون في واقع بعيد ومختلف عن مكان الحلم والفكرة.

لا يعني ما تقدم أن واقع مشروع الصهيونية بعيد بالضرورة عن الفكرة الصهيونية مثلما صاغها منظّروها الأوائل، غير أن منهج الصهيونية الاستعماري والمتمثل في الدولة المستعمِرة كان أمام منعطف حاد، وتحولات تاريخية ستحمل نتائج بعيدة المدى على المستعمَرة، وعلى مشروع الصهيونية الأكبر. فعندما تبنّت الصهيونية أهدافها المركزية، اختارت بعناية أدوات ووسائل وأساليب ملائمة لتلك الأهداف، وعملت بداية على اختيار تموضعاتها السياسية إلى جانب قوى عظمى، أو على التحالف مع قوى عظمى. وعندما عمدت إلى تنظيم شؤونها الداخلية، اختارت الاحتكام إلى العمل المؤسساتي بطابع ديمقراطي أدائي يكفل لمختلف مركّباتها حيزاً في التنفيذ والتأثير، ويضمن أدوات تحييد الخلافات المستمرة. ولعل أبرز سمات الصهيونية كان ذلك الإصرار على إقامة نظام سياسي بأدوات ديمقراطية، وهي ديمقراطية يهودية، وديمقراطية المستعمَرة التي تحرم السكان الأصليين من أي دور أو قيمة أو تأثير ذي معنى أو مغزى.

لقد ارتكبت الصهيونية تطهيراً عرقياً ونكبة وتهجيراً ومجازر، وبنت باليد ذاتها مؤسسات المستعمَرة من حكومة إلى برلمان منتخب وقضاء مستقل، وغير ذلك من مكونات مجتمع المستعمَرة. وعاشت أعوام استعمارها واحتلالها وهيمنتها وعنصريتها بتوافق وبتقسيم أدوار بين مركّبات قوتها العسكرية والاقتصادية والأمنية والسياسية والقضائية والإعلامية والثقافية. ولم يكن للصهيونية أن تحقق نجاحاتها لولا قدرتها على إدارة العلاقة بين مختلف المكونات، وبين العسكري والأمني، والمدني والسياسي والقضائي، والديني والعلماني، والأشكينازي والشرقي.

أمّا اليوم، وعلى وقع التحولات المتسارعة في المشهد الداخلي، فإن المكتسبات كلها باتت مهددة بسبب صراعات وصدامات قد تؤثر في مرتكزات الصهيونية وأعمدتها السياسية وتُضعفها. ومن أبرز هذه المكتسبات التي هي عرضة للزعزعة، تلك المتصلة بالعلاقة بين العسكري والمدني. فالجيش، والمؤسسة العسكرية والأمنية، اللذان بُنيا على قاعدة العلمانية الأشكينازية، وكانا موضع إجماع وقدسية فيما مضى، وشكّلا، في المشروع الصهيوني الاستعماري، الضمانة الأساسية لوجود المستعمَرة، شهدا منذ فترة تحولاً لمصلحة الصهيونية الدينية والمتدينين، وبات الأمر أكثر خطراً اليوم مع انقضاض الأحزاب الفاشية في الحكومة على المؤسستين العسكرية والأمنية اللتين تمتلكان سلطة تقدير المخاطر وتقدير التهديدات وتُعتبر تقاريرهما من أهم المرجعيات، وهما المصدر القومي الذي يستند إليه السياسيون في اتخاذ القرارات، وهذا عدا المكانة والحصانة اللتين يتمتع بهما الجيش والعاملون في المؤسسة الأمنية. فبتنا نسمع، عبر مفردات الخطاب الشعبوي، أن السياسي هو الحاكم المطلق على العسكري والأمني، وبالتالي، بات يتعين على الجيش والأمن الانصياع الكامل لسياسات الحكومة وتوجهاتها، وهي توجهات استيطانية استعمارية عنصرية تقضي على مساحات المناورة التي كانت تحتفظ بها الحكومات السابقة، وتمكّنها من ممارسة دورها الاستعماري بعيداً عن السخط والضجيج الإعلامي.

لقد أسفرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في دولة المستعمَرة الصهيونية عن فوز اليمين القومي الديني المتطرف والفاشي الذي تمكّن من تشكيل حكومة اعتمدت برنامجاً هجومياً استهدف الانقلاب على مؤسسات المستعمَرة من جهة، وتصعيد وتيرة التهويد والاستعمار والاستيطان في الضفة والقدس، وتشديد الحصار والعدوان على قطاع غزة، والانقضاض على المكتسبات والحقوق التي أنجزها الفلسطينيون داخل المستعمَرة، من جهة أُخرى. وتدل نتائج الانتخابات على انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين القومي الديني، لكنها لا تعبّر بالضرورة عن حدوث تحولات محورية وعاصفة في سياق هذه المستعمَرة، وإنما تكشف سقوط جميع الأقنعة التجميلية عن التناقضات الداخلية الحادة التي تعانيها المستعمَرة منذ عقود طويلة.

لقد سعت القيادة الصهيونية منذ تأسيس المستعمَرة لإيجاد وإبداع ما يكفل التوازن بين الدولة ككيان سياسي، والدين كمنظومة لاهوتية واسعة وجامعة في معادلة تديين الصهيونية وصهينة الدين. إن هذه التناقضات التي تتصاعد حدّتها داخل السياق الصهيوني، باتت تعبّر، بصورة جلية، عن الطابع الفاشي للنمط القومي الصهيوني الذي تماهى مع الصهيونية الدينية، وهنا تغدو التناقضات والتصدعات بين مركّبات مجتمع المستعمَرة تخوماً، وربما صدوعاً، داخل المنظومة القومية الفاشية ذات التجليات اليمينية المتطرفة واليسارية الصهيونية. ولذا، يمكن القول إن الائتلاف الحكومي أفرز تصاعداً وتمركزاً للصدع أو التناقض بين التيار السياسي اليميني القومي الديني الشعبوي، ومركز الدولة ممثلاً في مؤسساتها التي تُعدّ المحكمة العليا دُرّة تاجها، والتي يتم الانقضاض عليها من اليمين المتطرف. وتعاني الصهيونية جرّاء تفكيك أو تقليص آليات العمل السياسي والحكومي التي كثيراً ما تغنّت الصهيونية بطابعها الليبرالي الديمقراطي. والمفارقة، في هذا الجانب، هي أن شعار إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية لا يستثني فقط العرب الفلسطينيين هذه المرة، وإنما يُقصي كذلك، أو سيعمل على إقصاء، جميع التيارات السياسية المعارضة للمنظومة الحكومية الفاشية الحالية. ووصل الأمر ببعض قادة الصهيونية الدينية إلى المطالبة باعتقال قادة المعارضة، فضلاً عن الانقضاض على المنظومة القضائية التي كثيراً ما كانت الصمغ اللاصق لمختلف الصدوع والتناقضات في المستعمَرة.

إن الانقضاضات على مؤسسات النظام السياسي للمستعمَرة لن تقف عند هذا الحد، ذلك بأن تداعياتها ستطال نواحي أُخرى أهمها منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الحقوقية، وقضايا الجندر، ومَن هو اليهودي… وغير ذلك. وتجدر الإشارة إلى أن التحولات في المجتمع الاستعماري مستمرة عملياً منذ عقود، وهي أسفرت في أحد تجلياتها عمّا عبّرت عنه نتائج الانتخابات الأخيرة من نهاية للتيار العلماني الصهيوني واليسار الصهيوني اللذين قادا المشروع الاستعماري الصهيوني منذ مطلع القرن العشرين. فهذان الاثنان أسسا المستعمَرة، وقاداها خلال العقود الثلاثة الأولى، وشكّلا هويتها وسياستها، وحدّدا معادلة تحالفاتها ووظائفها، وتمكّنا من صهينة جميع ما أنتجته الحداثة الأوروبية من الاستعمار الاستيطاني إلى العلمانية الاشتراكية القومية، والعنف، والإرهاب، والعنصرية التي وظّفاها لتنفيذ أكبر عملية تطهير عرقي وتهجير جماعي عرفتها فلسطين في تاريخها القديم والحديث. وقد تلاشى معظم قواعد ومؤسسات التيار العمالي مثل: الكيبوتس؛ التعاونيات؛ “الهستدروت” (نقابة العمال)؛ حزب العمل؛ دولة الرفاه.

فمنذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، جرت عمليات تحوُّل في بُنية المستعمَرة استُكملت مع مطلع الألفية الثالثة، حين تمت تصفية نظام دولة الرفاه لمصلحة الليبرالية الجديدة، وخُصخصت أغلبية الشركات الحكومية، وجرى تقليص واسع للضمانات الاجتماعية، الأمر الذي ولّد نخباً جديدة، سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية وإعلامية، ورثت النخبة القديمة المتقشفة. ولعل الشيء الوحيد الثابت الذي لم يتغير هو سمة هذه النخبة ذات الهوية الإثنية الأشكينازية، فهي ذاتها في الأمس واليوم، من دون أن تتغير أيديولوجيتها الاستعمارية، العنصرية والعدوانية. فمبادىء الصهيونية لم تتغير قط منذ 130 عاماً: الهجرة؛ الأرض؛ الاستيطان؛ القوة العسكرية والأمنية المتفوقة؛ التحالف مع قوى عظمى؛ التوسع الاستعماري. وعلى الرغم من مرور ثلاثة أرباع القرن على قيام الدولة المستعمِرة، ومن جميع التحولات التي شهدها المجتمع الصهيوني، فإن نظام التراتبية في المستعمَرة استمر على حاله، إذ بقيت الهيمنة الأشكينازية هي السائدة، ولم يتمكن اليهود الشرقيون من اختراق هذه الهيمنة، وخصوصاً في المنصب الأهم في المستعمَرة، والذي هو منصب رئيس الحكومة.

لقد بات من الواضح أن هناك تفوّقاً كاملاً لإسرائيليي المستعمَرة في دولة يهودية استعمارية عنصرية يحظى بها اليهود فقط بالحقوق الكاملة، بينما يحظى الفلسطينيون فيها ببعض الحقوق مع التنكر الكامل لهويتهم وحقوقهم القومية، وتهميشها. أمّا الفلسطينيون في قطاع غزة، والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فهم سكان مقيمون بلا حقوق مطلقاً، وليس لديهم أي شكل من أشكال السيادة لا على الأرض ولا على أنفسهم، ويخضعون بشكل كامل لسلطة الاستعمار والحصار. كما أن إسرائيل المستعمِرة تحولت من دولة وظيفية، إلى حدّ كبير في عقودها الأولى، إلى لاعب رئيسي في المنطقة، وانتقلت من الهامش إلى المركز، بل إلى قوة عظمى على الصعيد الإقليمي، ولديها طموح كبير إلى أن تتحول إلى قوة عالمية أو إلى لاعب على المستوى الدولي، يشجعها على ذلك ما حققته في العقدين الأخيرين من إنجازات اقتصادية، وانتقالها إلى اقتصاد التقنية العالية، وتبوؤها مكانة متقدمة في صناعة الأمن الوطني وأنظمة الرقابة وتكنولوجيا التجسس. وفي هذا السياق، تضاعفت صادرات إسرائيل من الصناعات العسكرية، وتزايد نجاحها في تعزيز علاقاتها على المستوى الإقليمي والدولي، وتطبيع علاقاتها مع العديد من الدول العربية، مستفيدة من تشرذم النظام العربي وضعفه وانقسامه وعجزه. وقد وظّفت إسرائيل المستعمِرة هذا كله، ولا تزال، من أجل تهميش القضية الفلسطينية، وتنفيذ استراتيجيا الضم الزاحف والتهويد، وتصعيد وتيرة الاستعمار الاستيطاني وتقويض إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة.

أمّا على الصعيد الفلسطيني، فإن هذه الحكومة الفاشية لن تكتفي بما هو قائم، بل ستعمل على إضعاف ما تبقّى من السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى جهاز بيروقراطي هامشي خدماتي. ومن المرجح أن تسعى الحكومة الحالية لتصعيد وتيرة الاستيطان والتهويد والمصادرة وتعزيز الضم الزاحف، وتكريس نظام الاستعمار والأبارتهايد الاستيطاني، وتقويض الوضع القائم في القدس والأقصى، وتضييق الخناق على الفلسطينيين في المستعمَرة. ومن المتوقع أن تقوم الحكومة الفاشية بسلسلة إجراءات، منها سنّ مجموعة من التشريعات والقوانين لتهيئة الأرضية من أجل تنفيذ واستكمال مسلسل التطهير العرقي والتهجير. ولا شك في أن هذا السيناريو ربما يكون ممكناً وإن كان ليس من السهولة الإقدام عليه، أو النجاح في إنجازه. وستحاول هذه الحكومة “حسم الصراع” مع الفلسطينيين، بما في ذلك سيناريو تقويض السلطة، والعودة إلى الإدارة العسكرية الاستعمارية المباشرة للضفة الغربية.

والسؤال الآن، في ضوء هذه الاستراتيجيا الصهيونية الواضحة، هو: ما العمل، وما الذي يمكن أن يقوم به الفلسطينيون؟

سأحاول الإجابة عن هذا السؤال ما أمكن، منطلقاً من حقيقة أن النظام العربي يمر في أسوأ حالاته منذ عقود، ويعيش أزمة عميقة، ودوله قرارها غير مستقل وتسير بشكل غير مسبوق في ركب التبعية، ويهرول بلا كوابح نحو التطبيع مع المستعمِر الصهيوني، على حساب القضية الفلسطينية. أمّا النظام السياسي الفلسطيني فمنقسم وعاجز ومأزوم، ويشهد حالة تآكل، بينما السلطة الفلسطينية هي سلطة من دون سلطة، واستعمار بلا كلفة، فضلاً عن أن حالة الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسساتي ألحقت ضرراً بالغاً بالنظام الفلسطيني.

ومع ذلك، أعتقد، جازماً، أنه يتوجب علينا أن ننطلق من حقيقة أُخرى في المشهد الفلسطيني والعربي. فعلى الرغم من مرور مئة عام على الصراع ومواجهة الغزو الاستعماري الصهيوني الإحلالي، ومن التطهير العرقي والنكبة والمجازر والعدوان المستمر، فإن الشعب الفلسطيني سجّل أسطورة في الصمود والبقاء والمقاومة، إذ يعيش ما بين النهر والبحر نحو سبعة ملايين من الفلسطينيين في مقابل سبعة ملايين من اليهود. وهؤلاء الفلسطينيون ليسوا كمّاً ديموغرافياً أو رقماً إحصائياً، بل هم فاعل حضاري وسياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي ونضالي وتحرري مقاوم. أمّا النصف الآخر من الفلسطينيين الموجودين في الشتات والمنافي والاغتراب، فإن فلسطين تسكن وجدانهم وقلوبهم وعقولهم، وهم فاعل أساسي في معادلة الصمود، ويؤدون دوراً مهماً على المستويات كافة. كما أن مقاومة الجيل الجديد، ونجاح الفلسطينيين في شتى المجالات في فلسطين وخارجها، يشكلان مصدر إلهام وحافزاً على مواصلة مسيرة التحرر الوطني.

انطلاقاً من هذا الواقع، فإن الخطوة الأولى العاجلة والمطلوبة فلسطينياً هي عقد مؤتمر وطني للحوار الشامل بمشاركة جميع ممثلي القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والأكاديمية، وبتمثيل القطاعات والشرائح والأجيال كلها، وممثلي المرأة والطلبة والشبيبة والأسرى المحررين وقادة الرأي العام في الداخل والخارج، وذلك بهدف بلورة استراتيجيا فلسطينية جديدة تقود إلى إنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة والوحدة الوطنية، وإعادة بناء وتطوير منظمة التحرير، وإعادة النظر في وظائف السلطة الفلسطينية، وخصوصاً الأمنية منها، وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، والاتفاق على جدول زمني لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وعضوية المجلس الوطني، وتوليد نخبة سياسية قيادية نضالية فلسطينية جديدة عبر صناديق الاقتراع، والاستناد إلى “وثيقة الأسرى للوفاق الوطني” بصفتها وثيقة الإجماع الوطني الشعبي والسياسي الفلسطيني الوحيدة، والتمسك بمبدأ الوحدة الوطنية والمقاومة الشاملة كطريق للنصر والحرية، إلى جانب استنهاض وتأطير طاقات شعبنا في كل مكان، والاستفادة من الانقسام الداخلي في دولة المستعمِر، وتوظيفه للعمل على عزل هذه الحكومة ومحاصرتها إقليمياً ودولياً، واشتراط إلزامها بحقّ الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، وحق اللاجئين في العودة، والاعتراف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف، ووقف الاستيطان والحصار والعدوان والتهويد، والعمل على حشد موقف عربي وإقليمي ودولي لتأييد هذا البرنامج، إلى جانب تفعيل المقاومة الشاملة.