عن حسني مبارك “الساداتي” ـ الإداري .. وناحر النظام! / عبدالله السناوي

85

عبدالله السناوي ( مصر ) – الثلاثاء 12/10/2021 م …

لم تكن السياسة من شواغل «حسنى مبارك»، والأرجح أن «أنور السادات» فضله على قيادات عسكرية أخرى من الذين لعبوا أدوارا بارزة فى «حرب أكتوبر» أكثر مما لعب هو من أدوار، لأنه الأقل طموحا والأكثر انضباطا.

وعى «حسني مبارك» أكثر من غيره، الحقائق الرئيسية فى اختياره المفاجئ منتصف سبعينيات القرن الماضى نائبا للرئيس، والذى يعنى ــ بحقائق السلطة فى مصر ــ ترشيحه مستقبلا للرئاسة.
ساعده حذره الطبيعى فى تجنب مطبات الصدام فى كواليس الرئاسة وما حولها، أو احتمالات الخروج من دائرتها.
حرص بصورة مبالغ فيها على أن يذكر كلما أتيحت الفرصة أمامه أنه «تلميذ فى مدرسة السادات».
وفرت مثل تلك التصرفات ــ التى كانت محلا للتشكيك فى قدراته، أو أهليته للرئاسة مستقبلا ــ أسبابا إضافية للبقاء لخمس سنوات نائبا للرئيس حتى قالت الأقدار كلمتها فى حادث المنصة الدموى (1981) الذى صعد بعده لرئاسة الدولة.
لم يكن «مبارك» معنيا بالشأن السياسى الوطنى العام أثناء دراسته العسكرية عكس أغلب أبناء دفعته، الذين انضموا إلى تنظيم «الضباط الأحرار»، أو تداخلوا بصورة أو أخرى فى مسار الحوادث الكبرى التى اعترضت مصر أثناء حرب فلسطين وما بعدها من تداعيات وانقلابات وثورة «يوليو» وما بعدها من تحولات ومعارك.
فاجأت السلطة «مبارك» بحقائقها وصراعاتها دون خبرة تسنده على مواجهة تقلباتها.
باستثناء المنازعة على صلاحيات الإشراف فى رئاسة الجمهورية مع «منصور حسن» وزير الإعلام والثقافة المقرب من الرئيس «السادات»، بعدما أسند إليه منصب وزير رئاسة الجمهورية، فإن سجل «مبارك» يكاد يخلو من أي منازعات معروفة لها أي خطورة على مستقبله السياسى.
كان «منصور حسن» أكثر انفتاحا على العمل السياسى وأكثر تأهيلا لمقتضياته.
رشحه رئيس مجلس الشعب «سيد مرعى» للرئيس «السادات» كوجه شاب يمكن التعويل عليه فى ضخ دماء جديدة داخل شرايين حزب السلطة الجديد، «الحزب الوطنى الديمقراطى»، الذى تأسس على أنقاض حزب سلطة سابق، «حزب مصر العربى الاشتراكى»، وجرت هرولة من القديم إلى الجديد حيث يقف رئيس الجمهورية.
كان ذلك الصعود داعيا لقلق «مبارك».

بطبيعته وغريزته كان «مبارك» يدرك أصول اللعبة جيدا، لا يناقش الرئيس، وينفذ حرفيا ما يصدر إليه من تعليمات

حسب رواية استمعت إليها من «منصور حسن» فى منزله المطل على نيل جزيرة «الزمالك»، حين كان متاحا أن نلتقى من وقت لآخر للحديث فى الشأن العام واستجلاء ما كان يحدث من نزاعات على السلطة فى عهد «السادات»، فإنه حاول أن يخفف من أحمال القلق وفوائض التوتر.
عندما تعرض «مبارك» لإصابة فى إحدى ساقيه استدعت بقاءه فى منزله ترددت فى جنبات الرئاسة أنه مرض سياسى، زاره «منصور حسن» مؤكدا له أنه لا يسعى للاستيلاء على صلاحياته فى رئاسة الجمهورية.
بطبيعته وغريزته كان «مبارك» يدرك أصول اللعبة جيدا، لا يناقش الرئيس، وينفذ حرفيا ما يصدر إليه من تعليمات.
ساعدته صفاته وطبائعه فى تجاوز مطبات «انتفاضة الخبز» (1977) و«كامب ديفيد» (1978) و«اعتقالات سبتمبر» (1981)، فهو فى صف الرئيس دائما، قد تكون له وجهات نظر أخرى لكنه لم يفصح عنها على أى صورة.
توارى السياسى فيه ــ دائما ــ لصالح «الإدارى».
صاحبته الصورة نفسها إلى مقعد الرجل الأول وحكمت تصرفاته على مدى ثلاثة عقود متأثرا بخبرته العملية التى أكدت ان صفة «الإدارى» مكنته من البقاء فى السلطة العليا، بينما خرج منها منافسه القوى «منصور حسن»، الأقرب إلى «السادات»، حين بدا أنه مختلف مع بعض قراراته وتوجهاته فى ملفات حساسة أدت إلى حادث «المنصة» الدامية فى أكتوبر/تشرين الأول (1981).
صفة «الحذر» لازمت قصة صعوده واستقرت فى طريقة إدارته للشئون العامة.
الحذر من صفات رجال الأمن المدربين، فالخطر قد يأتى من مأمنه، لكنه ـ فى مجال مدح خصاله ـ «غير مؤذٍ»، كما كان يقول بعض وزرائه المقربين.
كان مستعدا لغض الطرف، وحتى التسامح، مع أعتى خصومه إذا لم يكن اختلافه السياسى يمثل تهديدا مباشرا لأمن نظامه، غير أنه لم يكن يتردد فى ممارسة أشد أنواع القسوة إذا كان هناك مثل هذا التهديد.
التردد الذى تجده فى حقول السياسة وملفاتها، لم تكن تجد مثيله، أو رديفه فى مسائل الأمن.
كانت الصفات الشخصية، التى ساعدت «مبارك» على الصعود والبقاء فى الحكم، جوهر معضلته الكبرى حيث أفضى غلبة التفكير الأمنى إلى تغييب السياسة و«جمود» النظام السياسى وتآكل شرعيته، كأنه نحر متواصل تحت قوائمه.
لم يكن يميل إلى «فكرة التغيير» إذا ما توافرت أسبابها ودواعيها، ويأخذ على «السادات» منهجه فى «الصدمات السياسية».
قرر أن يكون «ساداتيا» بلا أساليبه، وبلا أدنى استعداد سياسى، أو شبه سياسى، لمراجعة سياساته من عند الجذور والتعرف على الأسباب الجوهرية خارج نطاق الأمن، وهي سياسات أفضت إلى حادثة المنصة.

استولت عليه فكرة أن الصدام يؤدى إلى الحرب، وأن مصر ليس بوسعها أن تتحدى الولايات المتحدة. كانت تلك الفكرة من موروثات العصر الذى سبقه

لم يكن معجبا بالرجل الذى عينه نائبا للرئيس، لكنه التزم بصميم توجهاته الاستراتيجية والاجتماعية التى أرساها.
كان «السادات» مناورا سياسيا فيما كان هو إداريا أبقى على ما يعتقد أنه مستقر مادام يحفظ أمن النظام.
اصطدمت فكرة التغيير ــ عنده ــ بـ«ركائز الحماية الاجتماعية»، التى تعبر عنها طبقات جديدة نشأت وانتعشت وتوسعت مع «الانفتاح الاقتصادىس، وكما اصطدمت ــ أيضا ــ بـ«ركائز الحماية الاستراتيجية»، التى تجسدها علاقات خاصة توصف بأنها غير قابلة للمراجعة مع الولايات المتحدة.
مضى فى دعم عناصر الحماية الاجتماعية والاستراتيجية بأكثر مما مضى سلفه، والتحالف مع الولايات المتحدة مضى بعيدا إلى نهاية الملعب الإقليمى، متجنبا أى توترات، مهما كانت الأسباب والدواعى والأزمات والحروب!
لم يكن مستعدا لأى صدام محسوب، أو أية مراجعة للسياسات المتبعة وفق المصالح العليا للبلاد حتى لا تكون العلاقات الأمريكية تسليما بما يفرض عليه.
استولت عليه فكرة أن الصدام يؤدى إلى الحرب، وأن مصر ليس بوسعها أن تتحدى الولايات المتحدة. كانت تلك الفكرة من موروثات العصر الذى سبقه.
غيبت فكرة الرئيس «الإدارى» السياسة والإدارة معا، فلا إدارة بلا أفق سياسى يحكمها ولا أمن إذا لم تتوطد قواعد الشرعية بالرضا العام.
التلازم بين صفتى «الإدارى» و«الأمنى» أكدت عنده مبكرا وطوال سنوات حكمه عدم التهاون فى مسألة المنازعة على السلطة، وأنه يتعين على معاونيه تنفيذ التعليمات كأنهم «سكرتارية» فى مكتبه، لا شركاء فى السلطة يتمتعون بصلاحيات دستورية.
كان ذلك من عوامل النحر فى النظام السياسى الذى ترأسه