الصهيونية العربية بين الماضي والحاضر / موسى عباس

118

 
موسى عبّاس ( لبنان ) – الثلاثاء 12/10 م
منذ أكثر  من ربع قرن كتب المفكر العربي قسطنطين زريق:” أن الواجبات التي تلقى على عاتق المثقف التزاماتها تقع في ميداني المقاومة والقيادة المشارِكة في مقاومة المستعمر والمحتل المغتصب، والمسيطر الظالم في المجتمع العربي”.
برأيه هذا الفعل يتطلب :”مقاومة الأوهام وإيثار الذات، والخداع والضلال، والاستعلاء والغربة عن المجتمع. ويردف الدكتور زريق بأن تلك المقاومات الخارجية والداخلية، هي التي ستؤهُل المثقُف العربي للارتفاع إلى مستوى القيادة، من خلال ارتفاعه إلى أن يكون قدوة وأنموذجا.
بتاريخ التاسع عشر من شهر تشرين الثاني من العام 1977  وبعد أربع سنوات على حرب تشرين الأوّل 1973 قرّر الرئيس المصري الراحل أنور السادات زيارة الكيان الصهيوني ولقاء المسؤولين الصهاينة تحت ذريعة إقامة السلام بين الكيان الغاصب ومصر ، ومنذ ذلك التاريخ برز عدد من المثقفين العرب متطوعين أو مأجورين للدفاع عن ما قام به السادات تحت ذريعة
“أنّ ما قام به هو عمل بطولي أُريدَ به إحراج قيادة دولة الكيان الغاصب وإظهار قادتها لا يريدون.السلام”،كأنّ”السلام”المزعوم  سيعيد الأراضي الفلسطينية المغتصبة إلى أصحابها وسيعيد المشردين من ديارهم في أصقاع المعمورة بفعل المجازر  إلى بلادهم،  وها قد مضى حوالي نصف قرن على توقيع إتفاقية “كامب ديڤيد” ولم يحل السلام.
وكذلك عندما وقّعت إتفاقية أوسلو، تسابق العديد من مُنظّري الإستسلام لتمجيد الإتفاقية وأنّها ستعيد  الضفّة العربية وقطاع غزّة وستقام الدولة الفلسطينية على الأراضي التي احتلها الصهاينة في حرب حزيران 1967, مرددين أنّ ذلك سيمهّد لعودة اللاجئين في الشتات إلى مدنهم وقراهم، وبعد 28 عاماً من تلك الإتفاقية المشؤومة كانت النتيجة استشراس الإحتلال وآلاف الشهداء والجرحى والأسرى ومئات المستوطنات في كل مكان في الضفّة الغربية، وتحوّلت السلطة الفلسطينية إلى جواسيس وأداة طيِّعة لدى الشاباك والموساد ،وها هي السلطة واجهزتها تغتال الأحرار والمناضلين من أبناء الشعب الفلسطيني الذين لا يصمتون عن جرائمها كما عن مقارعة الإحتلال ،وما خطف وتعذيب واغتيال المناضل “نزار بنات ” وتسليم أبطال “نفق الحرّية” إلّا دلائل لا تقبل الشك والنقاش على حقارة أفعال وخيانات أجهزة تلك السلطة . 
وإذا كانت ادعاءات وخرافات أسطورية وأكاذيب وتزوير للحقائق التاريخية والدينية إخترعها اليهود الصهاينة والأصوليّة المسيحيّة الصهيونيّة هدفت إلى تثبيت مقولة  “شعب الله المختار”الذي منحه الله الأرض المقدّسة في فلسطين من دون سواه من الشعوب ،وبات كلّ من  ينتقد جرائم الصهاينة أو يُشكّك في الغرب في   ادّعاءات”الهولوكوست” يُتّهم بًأنّه معاد  للسّامية ويعتقل ويحاكم وقد يُسجن ،حتى ولوكان من أبرز الشخصيات العلمية أو حتى السياسية. فعلى خُطى من سبقهم من المطبلين ل”لسادات ولياسر عرفات ومحمود عبّاس”، ها هم العديد من المنبطحين المحتسبين على الثقافة والإعلام العربي والمتعارف عليهم أنّهم من كتّاب “البترودولار” يبدون حماسةً شديدة للدفاع عن حُكّام التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولم يكتفوا بالكلام المعسول وإنّما زوّروا حتى تفسيرات لآيات وردت في القرآن الكريم تتحدّث عن اليهود وعن بني”إسرائيل”، كما حرّفوا تاريخ الأحداث التي وقعت بين اليهود وبين الرسول الأكرم (ص)في”المدينة المُنوّرة”، ولم يكتفوا بذلك بل وصل بهم الأمر إلى حدّ تحريف تاريخ فلسطين لإثبات مقولة أنّ اليهود هم سكانها الأصليون وأنّ الفلسطينيين ليس لهم حق فيها.
وهكذا نجد أنّ الصهيونية العربية المتجدِدة تُبنى على أباطيل وتزوير تحت اسم الدّيانتين الإسلامية والمسيحية،وبوقاحة وسفاهة يدينون مقاومة الشعب الفلسطيني كما باقي الفعل المقاوم خارج فلسطين ويتهمونها بالعبثيّة وأنّها سبّبت الويلات والدمار للشعب الفلسطيني ولغيره من الشعوب وأنّها غير مُجدِية وعبثيّة.
اذا كان من الممكن أن نفهم ونتفهّم  تلك الأقلام السوداء والشاشات المأجورة الناطقة بالعهر من داخل جغرافيا  ممالك وإمارات التطبيع تحت حُجّة الإكراه ، لكن لا يمكن التبرير للعربي الذي يتحدّث ويكتب منظّراً للتطبيع مع الصهاينة من العواصم الغربية سوى أنّهم باعوا دينهم وكرامتهم وضمائرهم مقابل حفنة من الدولارات ، وهم تفوّقوا في خيانتهم للقضيّة الفلسطينية على (أبي رِغال) الذي قاد “أبرهة الحبشي” وجيشه لهدم الكعبة في مكّة المكرّمة”، وعلى”يهوذا ” الذي باع نبيّ الله عيسى(ع) لليهود مقابل “ثلاثون من الفضّة”.
إنّ الماسونية العالمية وعبر مؤسساتها سعت منذ أكثر من قرن ولا زالت تسعى حتى الآن لإيجاد وتطوير مفاهيم معيّنة لدى شخصيّات عربيّة معروفة علميّاً وثقافيّاً وإعلاميّاً تدعو لنشر ثقافة السلام بين شعوب المنطقة حسب زعمها ولكن واقعا هي ثقافة العبيد والإستعباد والإستسلام للمشاريع الصهيونية  التوسعية والتفتيتية .
أثناء “ثورة فلسطين الكبرى”   1935-1939 التي ألحقت بالعصابات الصهيونية خسائر كبيرة أرسل بعض الزعماء العرب وبطلب من الحكومة البريطانيّة آنذاك رسالة إلى الثوار جاء فيها:
“ندعوكم إلى الإخلاد إلى السكينة حقناً للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل”. (كتاب محاضرات في تاريخ قضيّة فلسطين ص186).
في السادس من نيسان١٩٧٧، تحدّث المفكر العربي المرحوم الدكتور “عصمت سيف الدولة “اثناء محاضرة حول ” الصهيونية في العقل العربي”.  قائلا “إن الصهيونية وحلفاءها بعد أن انهزموا عسكريا في جبهة القتال ، فتحوا من جباهنا ثغرات، وغزوا عقولنا”.
وتابع قائلا “وبدلاً من احتلال أرضنا جزءا جزءا، بدأوا في احتلال رؤوسنا فكرة فكرة، وبدلاً من الاستيلاء على الوطن، يحاولون الاستيلاء على البشر، ليكون الوطن لهم بعد ذلك دون الحاجة إلى القهر”.
إنّ الشعار الذي رفعه “أنور السادات” (مصر أوّلاً )كان بداية القضاء الفعلي بسبب الفعل الذي قام به على أي تفكير وحدوي ، وعلى العكس من ذلك انتقل ذلك الشعار إلى مختلف انحاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج  وتفوّقت القطرية على القوميّة واندحرت شعارات  البعث “أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”و”فلسطين طريق الوحدة والوحدة طريق فلسطين” التي شكّلت في مرحلة من المراحل  حُلُماً وحدويّاً لدى الشعب العربي.
وبفعل المخططات الأمريكية والصهيونية 
مستعينين بالعرب المتصهينين تفجّرت  الفتن واندلعت الخلافات وكثرت الأزمات بين الدول العربية وفي داخل كل دولة،
وحدث ما سُمِيَ بثورات “الربيع العربي” التي استغلتها الغرف السوداء في الغرب وفي الكيان الصهيوني  وحرفوها  عن مسارها الذي كانت تنشُده الشعوب ،وبدلاً من التغيير نحو الأفضل حدث العكس، فشهدنا انفتاحاً غير مسبوق على الكيان الصهيوني من قبل حكومات تولّت السلطات في تونس ومصر ومزيداً من الحروب ضد المقاومة الفلسطينية في غزّة وتغلغلاً للإستيطان بآلاف البؤر الإستيطانية في الضفّة الغربية وتدميراً لمقوّمات دول ونهب خيراتها والعمل على تقسيمها كما حدث في سوريا والعراق، وحرباً ضروساً ضد أحرار اليمن وتحريضاً وحصاراً على المقاومة اللبنانية وعلى الشعب اللبناني،  وحكّام العرب يتسابقون نحو التطبيع والتنسيق الأمني واستقبال زعماء الإجرام في الكيان الصهيوني وعلى فتح معابد يهودية وعلى الترحيب بإنشاء  القواعد العسكرية في بلادهم كما حدث في بعض دول الخليج.
     مهما بلغ وعلا صراخ المُطبعين من الحكّام وأذنابهم سياسيين كانوا أو إعلاميين أو لأيّ طبقةٍ انتموا فلن يغيّروا من واقع أنّ الصراع العربي- الصهيوني فهو صراع وجود ولا يُمكن في النهاية إلّا  أن ينتصر الحق ويُهْزَمَ الباطل 
وستتحرر فلسطين هذا وعد الله والله لا يُخلِفْ الميعاد.