روزا لوكسمبورغ رمز للثورة والأممية / ماجد الياسري

264

 

ماجد الياسري ( العراق ) – الإثنين 19/2/2024 م …

في 15 كانون اول 1919 عثر على جثة القائدة الشيوعية الألمانية (البولندية الأصل) روزا لوكسمبورج (1871-1919) بعد اشهر من اغتيالها من قبل ميليشيا عسكرية كلفتها حكومة فايمار التي جاءت بعد تنحي القيصر بالقضاء على انتفاضة 1919 التي عرفت بثورة “سبارتكوس” وتصفية نشطائها. وتميزت لوكسمبورج بمواقفها المبدئية ودفاعها اللامتناهي عن قيم الاشتراكية والديمقراطية وحقوق الطبقة العاملة. واعتبرتها الدراسات عن حياتها وسيرتها النضالية كأشهر ثورية في تاريخ الحركات اليسارية في أوروبا. بينما وصفها فرانز ميهرنج (1846-1919)، أحد قادة الحزب الشيوعي الألماني، بانها العقل الأكثر تألقا بعد ماركس وانجلز. ويعود الفضل الى سكرتيرة روزا ورفيقتها وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي الألماني ماتيلدا جاكوب (1847-1939) في تهريب ارثها من وثائق ومخطوطات ومراسلات وضعتها في عهدة معهد هوفر الأمريكي على معرفة تفاصيل وحياة روزا وأصبحت احد المراجع الهامة في كتابة سيرتها  .

ولدت روزا عام 1871 في مدينة زاموسك جنوب شرقي بولندا المحتلة من قبل روسيا القيصرية وكانت أصغر خمسة أطفال من عائلة يهودية متنورة. وقد بدأ وعيها السياسي وهي بعمر 16 عاما عندما انضمت الى تنظيم ثوري بولندي تأسس عام 1882 باسم “بروليتاريا”، والذي قاد إضرابات عمالية وتعرض الى حملة إرهابية أدت الى اغتيال عدد من قياداته ونفي كوادره ومن بينهم روزا لوكسمبورج  التي هربت الى  سويسرا عام 1889  التي كانت احد مراكز تجمع المهاجرين البولنديين والروس. وفي زيوريخ أكملت شهادة الدكتوراة برسالتها الموسومة “التنمية الصناعية في بولندا”. وأصبحت مسؤولة العمل الفكري في الحزب الاشتراكي الثوري في بولندا الذي ناضل من اجل استقلال بولندا. وفي عمر 22 عاما مثلت الحزب في مؤتمر الأممية الاشتراكية حيث تصدت للنزعات القومية داخل الحزب ما عرضها لحملة من الهجوم والتشكيك بدوافعها من اليمين واجهتها بصلابة وعزم. وخوفا على حياتها انتقلت الى المانيا في 1898 عبر ترتيب زواج وهمي وانضمت الى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني وأصبحت احد ابرز كتاب المجلة النظرية للحزب وعدد من الصحف الاشتراكية ومن النشطاء في الدعاية و التحريض دفاعا عن مصالح الطبقة العاملة والفكر الاشتراكي.

وشكلت ثورة 1905 الروسية منعطفا هاما في أوساط اليسار الألماني والقت ظلالها على نقاشات الحلقات الماركسية حول موضوعات عدة منها قضايا التنظيم الحزبي والعلاقة بين الطبقة والحزب ودور الجماهير في الانعطافات الثورية وأهمية الاضراب كسلاح سياسي. ونشرت مقالات و كراريس كان بعضها سجالا فكريا مع القائد الشيوعي الروسي لينين (1870-1924 ) كتبته من داخل السجن وبعد إطلاق سراح “روزا الحمراء” كما نعتتها الصحافة اليمينية بكفالة عائلية انتقلت الى فنلندا حيث التقت بلينين وكتبت أحد مؤلفاتها المشهورة “الاضراب العام والحزب والنقابات” الذي نشرته باللغة العربية دار الطليعة في عام 1970.

وبعد عودتها الى المانيا في 1907 التحقت كأستاذه في المدرسة الحزبية التي يديرها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. ونتيجة لمواقفها السياسية والفكرية المتصدية للنزعات اليمينية المتهاونة مع تصاعد النزعة العسكرية لحكومة القيصر   منع نشر مقالاتها في صحافة الحزب. وعند نشوب الحرب العالمية الأولى في 1914 دخل الحزب في ازمة داخلية بسبب الانقسام الحاد في داخله بين الاتجاهين الإصلاحي اليميني والثوري. ومن ثم في تصويت جميع اعضائه في البرلمان الألماني لصالح تمويل الحرب عدا كارل ليبكنخت. كان رد فعل اليسار داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني ومنهم روزا هو تنظيم نواة ثورية داخل الحزب مع ليبكنخت وفرانز ميهرنج وكلارا زتكين (1875-1933) سميت “عصبة سبارتكوس”.

وخلق نجاح ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 التي قادها البلاشفة مدا ثوريا في أوروبا وتصاعدات نضالات الطبقة العاملة في ألمانيا من اجل نظام جمهوري ديمقراطي. وفي 4 نوفمبر 1918 انطلقت شرارة الانتفاضة في مدينة كيل وإقامة مجالس للعمال والجنود بينما شهدت برلين لاحقا تظاهرات واسعة واحتلال مؤسسات حكومية وإعلامية وشاركت فيها العصبة بقوة  ودعت الى إقامة مجالس عمالية كبديل للسلطة المحلية والاتصال بالحكومة السوفيتية ومن ثم الإعلان عن قيام اول دولة اشتراكية في المانيا .

وفي تلك الفترة اطلقت التظاهرات سراح روزا التي كانت سجينة وشرعت فورا بقيادة الاضراب. وكتبت احد إعمالها الهامة الذي عرف باسم كراس “جونيوس” والذي اصبح البرنامج الرسمي بعد تحول العصبة الى الحزب الشيوعي الألماني في المؤتمر التاسيسي الذي انعقد في 30 كانون الأول 1918.

وكان رد فعل يمين الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي شكل حكومة فايمار بعد تنحي القيصر هو استخدام ميليشيات عسكرية متطرفة لتصفية واعتقال  الناشطين ومنهم  لوكسمبورج وليبكنخت في 15 كانون ثاني 1919، حيث قتلت بالرصاص والقيت جثتها في قناة لاندوبهر ببرلين حتى عثر عليها بعد عدة اشهر.

لفد تركت روزا تراثا نضاليا وفكريا حيث كتبت العشرات من المقالات والكراسات والكتب التي أصبحت جزءا من التراث الماركسي واليساري والتي تنظر الى النضال الثوري ليس خيارا تكتيكيا لتحقيق أهداف إصلاحية بل كعمل هادف مبرمج ومنظم من اجل انتصار الاشتراكية باعتبارها ضرورة تاريخية. ومن مأثرها هو نضالها لربط العمل الفكري بحاجات النضال السياسة من اجل السلطة في ظل الازمة العامة للنظام الرأسمالي وخوضها سجالات فكرية مع اليمين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني حول جدل الإصلاح والثورة وعن العمل السري والعلني ودور التنظيم في النضال السياسي. فالثورة لديها هي ليست مجرد سلسة من الإصلاحات، بل صيرورة سياسية متحركة لخلق علاقات إنتاجية جديدة أرقي مما سبقها. كما اكدت على أهمية دراسة وتقييم توازن القوى في رسم التكتيكات خلال الاعداد الثورة وهو نقطة الخلاف مع اليمين الذي تخلى عن الهدف الاشتراكي مقابل تقليل الانتهاكات ضد البروليتاريا. وربطت روزا أيضا النضال من اجل الإصلاح عبر الاليات البرلمانية مع مهمة تهيئة واعداد الطبقة العاملة فكريا وعمليا للاستيلاء على السلطة السياسية.

وكرست روزا أيضا جهدا فكريا خلال عملها التدريسي في المدرسة الحزبية على دراسة الاقتصاد السياسي لرأس المال الذي يكمن جوهره في استغلال العمل لاستخراج وتراكم فائض القيمة من خلال مناقشة كتاب (رأس المال) لماركس. ومن بين استنتاجاتها توضيح العلاقة بين التوسع الامبريالي عبر الغزو او التجارة في العالم غير الرأسمالي من اجل خلق منافذ استثمارية للنتاج السلعي يضمن مستويات اعلى من فائض القيمة كبديل عن الأنشطة الاقتصادية ما قبل الرأسمالية  في ظلال صراع شديد للهيمنة عليها. وقد قاد اهتمامها بالدور الاستعماري للنظام الألماني الى التأكيد على موضوعات مثل حقوق السكان الأصليين والعبودية والثقافة المجتمعية من أدب وفن في المجتمعات ما قبل الرأسمالية. وأدانت سياسة الغزو الامبريالي ضد شعوب الهند والمغرب والجزائر والبلدان الافريقية الأخرى وبالضد من اليمين الذي التزم الصمت إزاء سياسات القيصر الاستعمارية حفاظا على مصالحهم و حظوظهم الانتخابية.

ومن خلال كتاباتها تجلت لديها نزعة الاستقلال الفكري والقدرة النقدية وعدم تقبل الأفكار السائدة آنذاك في الأوساط الماركسية. ودخلت في سجالات فكرية عديدة كانت أحد تجليات حيوية الماركسية كنظرية متجددة، والجدل كمقاربه لتحليل الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكانت هذه القدرات الفكرية وربط العمل النظري بالممارسة النضالية والاستقلالية في الرأي واستماتتها في الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والاشتراكية هو ما تميزت به كقائدة شيوعية.

وشملت اهتماماتها قضايا أخرى مثل الحزب والتكتيك والاستراتيج ودور الإضرابات واهمية العفوية. وكانت ترى ان الثورة “لن تسقط من السماء” بل تحتاج الى نشاط سياسي وفكري واعلامي تحريضي ودعائي منسجم مع مستوى التطور التاريخي للمجتمع وتوازن القوى فيه.

وفي الوقت الذي اعتبر بعض الاشتراكيين ان الثورة الروسية جاءت في ظروف غير ناضجة طالبت لوكسمبورج بدعمها في مقالة كتبتها من داخل السجن ونشرت لأول مرة  في 1922 أكدت فيها ان المهمة الانية هي في اتخاذ إجراءات حاسمة ونشطة من اجل التحول الاشتراكي الذي يضمن دعم الجماهير الشعبية لها، وعلى أساس ديمقراطية ديكتاتورية الطبقة العاملة وليس هيمنة  نخبة ثورية مؤكدة على التواصل مع الجماهير والتصدي للبيروقراطية عبر مبادرات البروليتاريا وبناء الحزب من اسفل الى أعلى .

ودافعت روزا بشدة عن حقوق المرأة ودورها في النضال من اجل الديمقراطية والاشتراكية وانهاء الاضطهاد المزدوج في الاسرة والمجتمع ومن اجل حق التصويت وحذرت من النزعات الجندرية التي تختزل اضطهاد المرأة الى عداء الرجل.