غزة التي تدهشنا / نهلة الشهال

255
نهلة الشهال*  ( لبنان ) – الجمعة 9/2/2024 م …
  • أستاذة وباحثة في علم الاجتماع السياسي، رئيسة تحرير “السفير العربي”
… كأن هذه ال364 كيلو متراً مربعاً هي العالم كله، الكرة الأرضية بكل تنوعها. وكأن غزة ليست مختنِقة ما بين جدران الاحتلال الإسرائيلي وبين قسوة الممنوعات المصرية والبحر الجميل المصادَر! كيف يا الله وسّعوا مكانهم بهذا الشكل؟ ثم كيف تعاملوا بكل سمو – ولا أجد كلمة أفضل أو أنسب منها – مع أطنان المتفجرات الملقاة عليهم مراراً وتكراراً حتى واقعة الإبادة الأخيرة الجارية؟

ليس تمجيداً، ولا تعويضاً لفظياً أو عاطفياً إزاء المأساة الفظيعة التي حلت بغزة وأهلها، وقد انقضى عليها ثلاثة اشهر كاملة من القصف الوحشي المتواصل والقتل والتجويع والتنكيل، بينما تعلن السلطات الاسرائيلية أنها ستستمر طوال أشهر قادمة في الابادة المنهجية.

وليس إعجاباً فحسب بالإتقان الذي مَيّز عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ولا بالشجاعة الفائقة للمقاتلين ونجاعتهم على امتداد الأشهر الثلاث، وتصميمهم على الصمود ومعهم صبر الناس… مع إدراك الغياب التام للتوازن بين القوى. بل لعلنا اكتشفنا هنا السر أو الخلفية التي تستند إليها تلك الخصائص هي نفسها! رأينا ما كنا لا نعرفه على الرغم من اهتمامنا الدائم بكل فلسطين. اكتشفنا غزارة في أعداد الشبان والشابات الأذكياء والفطنين والمثقفين ومُتْقِني اللغات، المبدِعين في كل المجالات (ويرجى من القارئ وضع تاء التأنيث خلف كل كلمة): المصورين الفوتوغرافيين والرسامين والشعراء والصحافيين والكتاب والمعلمين والمهندسين والأطباء والممرضين والمسعفين… إلى آخر ما يمكن تخيّله من اختصاصات ونشاطات، علاوة على الوجوه الطيبة للشغيلة والصنايعية وتلك التي تخص النساء اللواتي يتحايلن على القذائف لحماية الأولاد وطمئنتهم.

ثم اكتشفنا العناد والمثابرة والتحدي والقدرة على تجاوز الصعاب، كل الصعاب. واكتشفنا روح مبادرة عالية تقوم بما يلزم وكأنه بديهي وبلا أي ادعاء. وشعور بالواجب يجعل الأطباء مثلاً يُنجزون المعجزات، ويجعل الصحافيين يستمرون، على الرغم من استهدافهم المتعمَّد، في نقل الصورة.

في غزة (كانت هناك!) معارض فنية، ومعاهد للتدريب المهني، وأخرى للغات، وكانت فيها كليات جادة ومتخصصة تُخرِّج أكفّاء.. وهذا على الرغم من 16 سنة من حصار تام ومن ضيق المساحة الجغرافية ومن اكتظاظ البشر – وهو من بين الأعلى في العالم – ومن الفقر وكافة أشكال الحرمان. وكأن هذه ال364 كيلو متراً مربعاً هي العالم كله، الكرة الأرضية بكل تنوعها. وكأن غزة ليست مختنِقة ما بين جدران الاحتلال الإسرائيلي وبين قسوة الممنوعات المصرية والبحر الجميل المصادَر! كيف يا الله وسّعوا مكانهم بهذا الشكل؟ ثم كيف تعاملوا بكل سمو – ولا أجد كلمة أفضل أو أنسب منها – مع أطنان المتفجرات الملقاة عليهم مراراً وتكراراً حتى واقعة الإبادة الأخيرة؟

بتنا كل صباح نهرع للاطمئنان على الشابتين الصغيرتين “بلستيا” و”بيسان الحكواتية” اللتين قررتا أن تُغطّيا “الأحداث” بكل جدية وثقة. نبكي بحرقة على هبة أبو ندى صاحبة الشِّعر الرقيق والعميق الأقرب إلى الفلسفة، نُقْهر على مجد عرندس صاحب الموهبة الفوتوغرافية الذي خانه الفقر فباع كاميرته واستمر يلتقط الصور بهاتفه، ووعد نفسه بشراء سواها لكنه قُتل قبل تحقيق وعده، ثم نخاف على معتز عزايزة، وننحني أمام وائل الدحدوح الذي تحول إلى رمز.

والمهم والغريب، أنه ليس بينهم ولا بينهن من هو حالة منفردة، وهذا حقاً وضع استثنائي بكل المقاييس.
ننحني أمامهم جميعاً، أمام ذلك الاعتزاز بالنفس الذي يجعل الآباء والأمهات، الذين يعصرهم الألم، صابرين صامدين، والأطفال يضحكون ويلهون ما أن تحين لحظة هدوء ما بين دمعة حزن على أم أو أخ أو صديق وبين ارتجاف خوف وجوع وعطش.

صار هناك شعار يسبق كل الأخبار والصور المتدَاولة، يقول: “لن ننسى أبداً”! We Will Never Forget
هذا موقفٌ ووعد. قَسَمٌ يجمع معاً من يشعرون أن القطيعة قد وقعت مع أوهام السلام والتفاهم الممكن مع إسرائيل، باعتبار أنها كيان قائم فحسب على إجرام متوحش ومجنون. ووعدٌ بأن تقود هذه القطيعة بوصلة السلوك من الآن وصاعداً، مهما كانت الأثمان.

لن ننسى أبداً! وهكذا سنؤرخ بأننا في العام 2024 بعد ميلاد السيد المسيح، بتنا في “العام الأول بعد غزة”.