فلسفة التأويل أو الهرمنيوطيقا / د. عدنان عويّد

239

د. عدنان عويّد ( سورية ) – الخميس 8/2/2024 م …

الهرمنوطيقا لغة:

     ورد في لسان العرب,: إن التأويل لغة, من جذر “أول”. و”الأول هو الرجوع,  والشيء، يؤول أولاً ومآلاً, رجع. وآل إليه الشيء رجعه… وأول الكلام تأويلاً, وتأوله دبره وقدره وفسره”(1) .

 التأويل اصطلاحاً:

     أما معنى الهرمنيوطيقا (التأويل) اصطلاحاً: فهو إعطاء معنى لحدث أو لقول أو لنص لا يبدو فيه المعنى واضحاً. و تأويل الرؤيا أي تفسيرها كقوله تعالى: (( ربِّ قد أتيتني من الملك وعَلمتني من تأويل الأحاديث )). (يوسف – 101). وجمع تأويل هي تأويلات.

     وبالرغم من أن التأويل مع القدامى كان يرتبط بالضرورة مع النص المقدس, كالقرآن في الإسلام. أي أن التأويل يقتصر على الكتب المقدسة. أما معنى التأويل أو اشتغالاته كما يتبناه الحداثيون، فوظائفه مغايرة تماما. إذ أخذت “الهرمونطيقا” تشتغل تأويلاً على مساحات كبيرة من الدراسات الأدبيّة واللسانيات وباقي العلوم الإنسانيّة، حيث أصبحت بمثابة مبحث فلسفي لدراسة عمليات الفهم وتأويل النصوص وخصوصاً النصوص الكتابيّة التي تعنى بدراسة الإنسان ونشاطه الاجتماعي والنفسي والتاريخي. (2). أي إن المصطلح دخل في تأويل ميدان العلوم الاجتماعيّة والانسانيّة من أوسع الأبواب، ليتسع في تطبيقاته الحديثة، فيشمل كافة العلوم الإنسانيّة, كالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفولكلور. كما تأسست في الفلسفات الغربيّة قاعدة تقر بأن المفسر حرّ في التأويل، وعليه فهي – أي الفلسفات الغربيّة – تنطلق من مقولتين أساسيتين أولهما “موت الكاتب”، وثانيهما “النص منظومة رموز”. و على هذا الأساس تصبح العلاقة التأويليّة هنا ثنائية, يمثلها (قارئ ونصّ), وليست ثلاثيّة: (نص وكاتب وقارئ). (3). ومعنى ذلك أن التأويليّة إقرار بقدرة التأويل على تحويل النص أو الانتقال به من الوحدة إلى الكثرة. إذ ينطلق القرّاء من النص نفسه، ولكنهم يبلغون أو يصلون بقراءاتهم إلى معان مختلفة، وكثيراً ما تكون متناقضة. وهذا التصور مناقض تماما للمناهج التفسيريّة التي سبق للمسلمين القدماء اعتمادها على سبيل المثال لا الحصر، والتي تفترض في المفسِّر شروطا، وفي التفسير قواعد.

     إذاً وفقاً لمعطيات (الحداثة), فالتأويل يعتبر إعادة قراءة النص المعطى, في الماضي أو الحاضر, قراءة توصلنا إلى جوهر النص بما يحمل من دلالات ورموز تعبر عن القيم الإنسانيّة وغفاً لفهم القارئ له. فتأويل النص الماضي يجب أن يفتح النص على الواقع المعيوش, كونه جاء في واقع تاريخي محدد, ومن قبل كاتب أو فنان أو أديب محدد, وأن الأهداف إن كانت محددة أو عامة, لا تخرج عن طبيعة الحياة المعيوشة آنذاك. دون أن نحرم دلالات النص الماضي نفسه من التعامل مع طبيعة حياتنا المعاصرة. فعلى سبيل المثال, إن النظرة إلى المرأة في الماضي كانت تعتبرها قاصرة, أما اليوم فقد تبين أنها غير ذلك بعد أن دخلت مجالات الحياة وعلومها. وكذلك النظرة إلى فن النحت في الماضي حيث اعتبر تمثيلاً لرموز دينيّة وثنيّة عند المسلمين, أما اليوم فهو يعبر عن أبعاد اجتماعيّة وفنيّة وجماليّة. وسورة (إقرأ) تدل في الماضي على المعجزة, بينما تدل اليوم على ضرورة المعرفة والتعلم واكتساب الحريّة… الخ.

     هذا وأن درجة التأويل وعمقه, ترتبط بالمؤول ذاته ودرجة ثقافته ومصالحه ومدى ارتباطه بالنص المؤول والظروف المحيطة به.

أنواع التأويل:

هناك أنواع ومستويات عديدة للتأويل يمكننا الوقوف عند أهمها في هذه الدراسة وهي:

     1- التأويل الغيبي أو اللاهوتي: وهذا التأويل يقوم بإقصاء التفكير العقلاني النقدي, ويشتغل على الايمان والوجدانيات. أي هو علم دراسة الإلهيات دراسة  أسطورية غيبية, وفي أعلى تجلياتها تأخذ بعداً منطقيّاً صوريّاً.

     وينقسم علم اللاهوت ذاته إلى فروع كثيرة، كاللاهوت العقائدي، والأدبي، والتاريخي، والفلسفي، والطبيعي وغيرها. والتأويل اللاهوتي موضوع البحث, هو جزء تخصصي من العلم المتعلق في صوغ أو ترتيب الإيمان والمعتقدات الدينيّة بشكل منظم ومنطقي ومتماسك. ويتوجه بشكل أساس إلى النصوص المقدسة التأسيسية للدين. ويركز التأويل اللاهوتي على مواضيع شتى منها استكشاف الله وصفاته، والوحي، والخلق، والعناية الإلهيّة، والأنثروبولوجيا، وعلم الكائنات الروحية، وعلم الخلاص، والروحانيات، والتصوف، والأسرار المقدسة، وعلم الأخرويات، واللاهوت الأدبي، والآخرة، والفهم الفلسفي وعلاقته بالدين, وغير ذلك من قضايا تتعلق بموقف الدين من الحياة والإنسان . (4). وبتعبير آخر يقصد بالتأويل اللاهوتي، اعتبار كل قراءة التراث التفسيري والتأويلي الذي خلفه المسلمون وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، أو دونوه قديماً عن فهمهم لكتبهم المقدسة، أمراً مقدساً يرسخ الإيمان ويثبته في نفوس المؤمنين. وتتميز هذه القراءة بخاصيتين أساسيتين هما:

      الأولى: اعتبار كل أنماط القراءات والتفسيرات والتأويلات القديمة للقرآن مثالاً, مسجونة داخل السياج الدوغمائي /الجمودي/ المغلق.

      والثانية: ظلت كبريات التفاسير الكبرى تمارس دورها كنصوص تفسيريّة مستقيمة وصحيحة. فتفسير ضخم مثل “تفسير الطبري” أو “تفسير الجلالين” أو ابن كثير, على سبيل المثال لا الحصر, لم تدرس الدراسة العلميّة اللائقة بها، وظل التعامل معها بضرب من التقديس حتى تاريخه. وتستند هذه القراءة الإيمانيّة، إلى مبادئ أو مسلمات لاهوتيّة يصعب مناقشتها من قبل معظم المسلمين في وقتنا الحاضر, أو وضعها موضع التشكيك أو النقد أو المراجعة.

2- التأويل العلمي: هو يقوم على النظر العقلي في النص.

     لقد أُنيطت مهام جديدة للهرمنيوطيقا في مجال التأويل, فلم تعد نقتصر على القراءة والتفسير للنص المقدس كما بينا في موقع سابق، وإنما أخذت هذه المهام تتجه نحو عمليّة الفهم والإدراك العقلي للنص المعطى أو موضوع التأويل، وهي محاولة للتخلص من السلطة الدينيّة في تفسير النص المقدس إلى السلطة العلميّة القائمة على العقل إن كان للنص المقدس أو غيره.

     إن التفاسير والتأويلات السابقة المتعددة في التاريخ الإسلامي على سبيل المثال, قد أدت إلى فهم متعدد للنص المقدس موضوع بحثها, إن كان على مستوى المذهب الواحد أو المذاهب المتعددة، لذا أصبح من الضروري في تاريخنا الحديث والمعاصر إيجاد مبادئ أو قوانين للتفسير والتأويل، كي يكون التفسير والتأويل معقولين ومنطقين وصحيحين. ومن هنا لعبت الهرمنيوطيقا في وظيفتها الحداثويّة دوراً مهماً كوسيلة أساسيّة في إعادة فهم النصوص الدينيّة، وتوضيح ما فيها من غموض. حيث سارت في مسارين أساسيين هنا، ففي المسار الأول, خرجت الهرمنيوطيقا من إطارها الديني وقراءة وفهم النصوص الدينيّة لتهتم بالنصوص الدنيويّة أيضاً, مثل النصوص القانونيّة والتاريخيّة، والاجتماعية والفنيّة والأدبيّة وغيرها. أما التغيير في المسار الثاني, فتمثل بأن الهرمنيوطيقا أصبح لها مبادئ واستقلاليّة، وبذلك صارت فلسفة قائمة بذاتها. (5).

     3- التأويل الأبستمولوجي: ويتعلق بنمط التفكير الحر في آليّة التأويل ووسائله, والمبادئ العامة للبحث ونتائجه, وكذلك في الدراسات النقديّة لمختلف المواضيع المسلط عليها التأويل. وهذا ما حدده الباحثون في مجال التأويل من المنطلق الأبستمولوجي. حيث حددوا منطلقاُ لهذا التأويل سموه  بـ “النموذج الموجه”, وهو قانون أو قاعدة تقيس عليها الجماعة العلميّة نتائج بحوثها أو تأويلها للنصوص عن طريق ما يسمى (العلم المطابق). ويعمل العلم الذي يهدف إلى تعميق المعرفة بالظواهر والنظريات التي يؤطرها هذا “النموذج الموجه” مسبقاً على تعزيزها وتأكيدها بغية إثبات صحة “النموذج الموجه” نفسه. هذا الأخير الذي يلهم العلماء، ويجعلهم ينظرون إلى العالم بواسطته. وهنا  لا توجد علاقة مباشرة بين العالِم والعالَم, بل هناك وسيط بينهما، يتمثل أساسا في قوانين وقواعد “النموذج الموجه”. وبهذا المعنى يعتبر “رؤية للعالم” أو”تأويلاً” للظواهر الطبيعيّة والاجتماعيّة موضوع البحث. وإن الانتماء إلى “نماذج موجهة” مختلفة, يعني بالضرورة الانتماء إلى عوالم ومصالح مختلفة. والانتقال من “نموذج موجه” إلى آخر يوازيه الانتقال من عالم إلى عالم آخر مختلف. ويبقى دور الباحث هو الاشتغال تحت مظلة هذا  “النموذج الموجه” أو ذاك, والعمل على حل ألغازه التي يؤطرها، والانخراط فيه, قصد فهم أفضل لطبيعة الممارسة العلميّة. إذ على الرغم من وجود قواعد وأسس يلتزم بها في زمن معين جميع أصحاب التخصص العلمي، في الوقت الذي نستطيع القول فيه إن تلك القواعد والأسس, قد تحدد بذاتها كل الخصائص المشتركة في الممارسة العلميّة لأولئك الاختصاصيين.

     إن القواعد والأسس التي تشتغل عليها “النماذج الموجهة” ، يمكنها أن توجه البحث والباحث أيضاً حتى في حالة عدم وجود قواعد او أسس التأويل, وذلك عندما تُسَلِمْ الجماعة العلميّة أو تعتقد بصحة الحلول والمشاكلات الخاصة التي تم انجازها دون جدال. والحقيقة أن وجود “نموذج موجه” ما, لا يعني بالضرورة وجود مجموعة كاملة من القواعد المطلقة الصحة, فإن القسط الأكبر من نجاح رجل العلم يتوقف على (معرفة ضمنيّة), أي على معرفة مكتسبة من خلال الممارسة العلميّة، التي لا يمكن التعبير عنها صراحة. (6).

المستوى الفلسفي في التأويل:

      نجد هنا مهمة التأويل السابقة ما يبررها انطلاقاً من نظرة خاصة للوجود, أو للشعور أو العقل. ويدعونا التأويل الفلسفيّ هنا إلى الانسياق خلف النصّ – بعيدًا عن المنهج المسبق – حتّى يخبرنا هو عن نفسه – أي النص – بمعزل عن سوء فهم المؤول ومصالحه، فنتخلّص من الفهم المسبق ونستبدله بالإصغاء إلى صوت الآخر.

      لقد (بين “هانس جورج جادامار” في كتاب المنهج والحقيقة, أن الأصل الثيولوجي, (7), أي الديني, للتأويل, لا يبتعد كثيرًا عن التراث الفلسفي، إذ إن المقصود منه, هو فهم وتمثيل النصوص الفلسفيّة وإعادة بنائها وتفكيكها، والغرض هو بناء عنصر الفرادة للمؤول، لكن التأويل يتجاوز حدود النص إلى ما بعد المكتوب فيه، ربما يكون المنطوق، أو السلوك، أو منظومة القيم، أو السياسة، أو حتى العلم، فالمهم في ذلك, هو أن التأويل في جوهره فهم وتفكيك.). (8).

التأويل الأنتربولوجيي:

     قلنا في موقع سابق بأن مصطلح التأويل (الهرمنوطيقا), دخل ميدان العلوم الاجتماعيّة والانسانيّة من أوسع الأبواب مع الحداثة، ليتسع في تطبيقاته الحديثة، فيشمل كافة العلوم الإنسانيّة كالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفولكلور..وغيرها. وقد أثمرت المواجهة بين التأويل والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة على الصعيد الأبستمولوجي في صدارة فكرة “الثقافة” تحت مظلة ما بعد الحداثة, التي تشهد حدوث تحولات نوعيّة في طبيعة العلاقات الإنسانيّة وتصورات المجتمع والفرد. وقد ظهرت الأنثروبولوجيا التأويليّة، في هذا السياق، من خلال أبرز ممثليها “كليفورد غيرتز” الذي يدين بالكثير للظاهراتية، فقد ركز التأويل الظاهراتي على البعد الجماعي للثقافة، وعلى «عالم المعاني الذي يشترك فيه الفرد مع الآخرين من خلال إنتاج الرمز واللغة والإشارات، ومن ثمة انصب اهتمامه على اللغة، على اعتبار أن النصوص هي ما يقدم البراهين الموضوعيّة عند التحليل. ويطرح غيرتز في كتابه “تأويل الثقافات” فهما خاصا للثقافة التي يجعلها موضوع تأويل، موضحا أن هدف علم الأنثروبولوجيا هو توسيع فضاء الخطاب الإنساني بما يتناسب والمفهوم السيميائي, أي الدلالي. (9).

كاتب وباحث من سوريّة.

[email protected]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- قاموس لسان العرب.

2- (موقع الحوار المتمدن – الهرمنوطيقا – فلسفة التاويل – عبد الله بير).

3- (موقع أكتب – تأويل النّص القرآني: طه عبد الرحمان ناقدا لمحمد أركون – توفيق قاسمي –- https://oktob.io/posts/16281

4- الوكيبيديا – بتصرف.

5- (موقع الحوار المتمدن -الهيرمنوطيقا – فلسفة التأويل – عبد الله بير – مرجع سابق. بتصرف.

6- (التأويل الأبستمولوجي اللاوضعاني – بحث عام قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية – حسن الحريري – موقع مؤمنون بلا حدود.). بتصرف.

7- (أي الدراسة المنهجية للطبيعة الإلهية، وعلى نطاقٍ أوسع، للعقيدة الدينية.).

8- فلسفة التاويل – موقع ساسة بوست – سهيل العرفاوي.

9- (مجلة التأويل و تحليل الخطاب – المنعطف التأويلي” في العلوم الإنسانية؛ الأنثروبولوجيا الثقافية نموذجا – الكاتب.

دريس  سامية –  بتصرف موقع – https://www.asjp.cerist.dz/en/article/203601