مائة عام على رحيله: «لينين» ومسألة التحرر الوطني / أحمد نظيف

315
أحمد نظيف ( تونس ) – الخميس 1/2/2024 م …
الكاتب احمد نظيف …

لم تكن الثورة مصير لينين فحسب، بل كانت مهنته. الرجل الذي جعل من أفكار ماركس ممارسة متحققةً في الواقع، لم يكن ماركسيًا بالقدر المهول الذي توحي به خطوط التاريخ العريضة، أو حالة القداسة التي تلبّس بها بعد وفاته، وكانت إحدى الأدوات الأساسية في يد البيروقراطية السوفييتية في عهد سلفه ستالين. ماركسية لينين لم تكن بيضاء، بل سعى رغم ثقافته الأوروبية الغربية العميقة أن يجعلها روسيةً، شكلًا ومضمونًا وروحًا. وهذا أحد أوجه عبقريته، التي اقتبسها منه ماو في الصين. وهي في الوقت نفسه، كعب أخيل ماركسيات عديدة حول العالم منها في الوطن العربي، حين لم تقم بدورها التاريخي في توطين هذه النظرية الثورية، فأخذتها جاهزةً في قوالبها البيضاء ومضامينها الغربية، فأنتجت مسخًا أيديولوجيًا، منحول النظرية ومختل الممارسة. وليس أدل على ذلك من سقوطها عندما سقطت النسخة الأصلية في موطنها.

بنيته الجسدية الآسيوية الموروثة عن جدته المنغولية، ونظرته الثاقبة للغاية، ربما كانت ما ميز لينين ظاهريًا بين أقرانه. لكن جوهر شخصيته الكاريزمية كان فكره أو طريقة تفكيره، التي لم تنجح فقط في القيام بالثورة، ولكنها أسست لتقليد جديد في الماركسية، نقلها من نظرية غربية كان مجال تفكيرها وعملها المجتمع الغربي، إلى نظرية كونية تهم شعوب بقية العالم. باكرًا، كان هناك وعي لينيني بأن ماركس لم يخترع قوانين المادية التاريخية ولا الصراع الطبقي، بل أعاد صياغتها في نظرية متماسكة.

لذلك لم يكن هناك ذلك الحاجز النفسي في تجاوز ماركس، أو على نحو أدق، في عدم نسخه ولصقه في روسيا. هذا الوعي بدا أكثر وضوحًا لدى ماو تسي تونغ، نظريًا وخاصة في الممارسة الثورية. فقد شكلت اللينينية مساهمة ناجحة في تلوين الماركسية وإخراجها من قوقعتها الغربية نحو آفاق أوسع. وهنا لعب القدر الجغرافي دورًا أساسيًا في نجاح هذه المساهمة، فلو لم يكن لينين روسيًا لما نجح في ذلك. إن روسيا، ذلك الامتداد الجغرافي الواسع بين عالميْ الشرق والغرب، الموزعة بين ثقافتين غربية وشرقية، المترامية نحو شعوب وثقافات وأعراق متعددة، متصلة ومنفصلة، هي التي شكلت الفضاء المناسب لظهور هذه العبقرية الثورية.

تجاوز الماركسية «الأورومركزية»

قبل وفاته بشهور، متأثرًا بمرض السلّ الرئوي، مكث كارل ماركس ما يقرب من ثلاثة أشهر في الجزائر العاصمة، بين 20 شباط والثاني من أيار 1882. وخلال هذه الإقامة العلاجية، لم يتوقف عن كتابة الرسائل لابنتيه جيني ولورا ورفيقه فريدريك أنجلز. رغم المسحة الغربية لهذه الرسائل المتأثرة بالمرض الشديد، كانت نظرة ماركس للمستعمرة الفرنسية سجينة «الصراع الطبقي». لم ير المنظر الثوري الاشتراكي الاستعمار إلا بوصفه حالة سيطرة قوى متقدمة على شعب متخلف. فيما لم يخف نظرته الأوروبية الاستعلائية على السكان الأصليين، في ملابسهم وسمتهم وعاداتهم وحتى معتقدهم الديني.[1] 

كان ماركس مفكرًا غربيًا منهجًا وموضوعًا وروحًا. ولعل ما يثبته هو بنفسه من كونه امتدادًا لهيغل، مع نزوع ثوري، يؤكد ذلك، حيث لم يستطع التخلص من معتقده الهيغلي حول أوروبا، بوصفها تشكل الخلاصة النهائية للتاريخ البشري. سيشكل هذا المعتقد الأسطوري، الأساسي النظري لأطروحة فوكوياما حول «نهاية التاريخ» على نحو آخر. كان هيغل يعتقد أن «التاريخ الإنساني بدأ في الشرق، لكنه سيبلغ أوجه ومنتهاه في أوروبا الغربية». في هذا الإطار حافظ ماركس على روابطه مع ماضيه الهيغلي. فقد جاءت خارطة الطريق التي وضعها لتطور الرأسمالية والحلّ الاشتراكي لهزيمتها متناسبًا مع ضرورة أن تدور هذه المعركة التغييرية للعالم على الساحة الأوروبية، مهد الرأسمالية وتطورها ومهد الطبقة العاملة الواعية بذاتها.

«كانت طريقة تفكير لينين هي جوهر شخصيته الكاريزمية، التي لم تنجح فقط في القيام بالثورة، ولكنها أسست لتقليد جديد في الماركسية نقلها من نظرية غربية كان مجال تفكيرها وعملها المجتمع الغربي، إلى نظرية كونية تهم شعوب بقية العالم».

 

بدا هذا المنزع «الأورومركزي» في تفكير ماركس أكثر وضوحًا في مقالاته التي كتبها عن الهند، أوائل خمسينيات القرن التاسع عشر لصحيفة «نيويورك ديلي تريبيون». في دراستها حول «المركزية الأوروبية عند ماركس»، تشير كولغا ليندنر، إلى أن إحدى السمات المميزة لهذه المقالات هي تصور ماركس للبنية الاجتماعية في الهند باعتبارها ثابتة. ووفقًا لتحليله، فإن الظروف المناخية في الهند استلزمت إنشاء نظام ري صناعي، والذي نتيجة لانخفاض مستوى التنمية الاجتماعية وحجم البلاد الهائل لا يمكن إنشاؤه وصيانته إلا من خلال سلطة الدولة المركزية. وقد تميزت بالوحدة بين الزراعة والمصنوعات اليدوية التي حدت من تطور الإنتاجية، ومثل هذا النظام لم يشجع على ظهور المراكز الحضرية.

يعتبر ماركس بنية المجتمعات القروية في الهند وعزلتها بمثابة «الأساس المتين للاستبداد الشرقي» و«الحياة الراكدة» في البلاد. ويستند نقد ماركس للاستعمار البريطاني على هذا المفهوم لبنية المجتمع الهندي. ضمن حالة متناقضة: يقول ماركس إن إنجلترا «يجب أن تؤدي مهمة مزدوجة في الهند: الأولى تدميرية، وهي تفكيك المجتمع الآسيوي القديم، والثانية بنائية وهي إرساء الأسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا». ومنطلقًا من فرضية مفادها أن الاستعمار قد عزز تنمية الهند، يشير ماركس إلى أن توحيد نظام السكك الحديدية الهندي، على سبيل المثال، يمكن أن يسهل تطوير نظام الري المثقل بالضرائب.[2] وهو افتراض، لم يتوقف يومًا عن إغراء قطاع واسع من الماركسيين حول العالم، وحتى في الوطن العربي، من كون الاستعمار يمكن أن يشكل لحظة لإعادة بناء المجتمعات على أسس سياسية وطبقية جديدة. وهي فكرة أعاد مثقفون يساريون عرب إنتاجها خلال غزو العراق وعُرفت بـ«عقيدة الصفر الاستعماري»، وتعتبر أن وقوع الدول التي تحكمها نظم استبدادية تحت الاحتلال، يمكن أن يرفعها من تحت الصفر إلى مرحلة الصفر، ومن ثمة يمكن البناء على ذلك نحو تشكيل نظم تعددية ديمقراطية.

في المقابل كان لينين، الماركسي المتحمس، واعيًا بأن الحتمية الماركسية حول ضرورة قيام الثورة الاشتراكية ضمن إطار رأسمالي متطور يفترض تمايزًا واضحًا ومتقدمًا لطبقتين أساسيتين هما البرجوازية والبروليتاريا، ليست قدرًا. مع إدراكه الواضح لطليعية العمال، إلا أنه لم يكن قادرًا على تجاهل طبيعة المجتمع الروسي الإقطاعية ووجود قطاع عريض من الفلاحين المستغلين. شكّلَ التشابه النسبي بين الهند وروسيا أول معضلة لينينية لنظرية نمط الإنتاج الآسيوي الماركسية. منذ وصوله إلى سان بطرسبرغ عام 1894 وحتى عام 1914، كان العمل الأساسي في حياة لينين هو ترجمة الماركسية إلى اللغة الروسية، أو بالأحرى، إعادة كتابة الماركسية روسيًا.

كانت معركة لينين اليومية في ذلك الوقت المبكر، بحسب الباحث ماثيو رينو، تهدف إلى جعل الماركسية روسية، وتأميمها من خلال ترسيخها في تاريخ الحركة الثورية المحلية. هذه الأصالة الثورية الروسية، ستظهر بوضوح أكبر في كتاب لينين «ما العمل» عام 1902. عندما سلط الضوء على «الأصالة القصوى» للوضع الروسي، واضعا البروليتاريا أمام تحدٍ غير مسبوق: «إن إنجاز هذه المهمة، أي تدمير أقوى حصن، ليس فقط للرجعية الأوروبية، بل أيضًا للرجعية الآسيوية، من شأنه أن يجعل البروليتاريا الروسية طليعة البروليتاريا الثورية العالمية». ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة سياسة تستجيب لكلٍّ من «المهام العامة للاشتراكية والظروف الروسية الراهنة»: فالمهام العالمية، من ناحية، تتطلب «استيعاب تجارب البلدان الأخرى» دون «الحد من أنفسنا» ولكن مع «إجراء تحليل نقدي لهذه التجربة»، وبالتالي الامتناع عن أي «تقليد أعمى» للغرب. ومن ناحية أخرى، فإن المهام الوطنية «لم يسبق لها مثيل في أي حزب اشتراكي في العالم»، لأنها مسألة «تحرير شعب بأكمله من نير الاستبداد».[3]

أما المسألة الثانية، في مسار القطيعة «اللينينية» مع المركزية الأوروبية الماركسية، وهي وعي لينين منذ اللحظات الأولى لنجاح الثورة البلشفية أنها أصبحت وسط بحر من الأخطار الإقليمية، وأن الحلّ يكمن في الهجوم بتصديرها بدلًا من البقاء داخل روسيا والدفاع عنها. كان لينين واعيًا بأن تصدير الثورة الروسية إلى الشرق شرق روسيا القيصرية- لا يمكن اختزاله في مجرد نقل مطابق لها. ولذا كان العمل الصبور لتكييف «النظرية العامة للشيوعية وممارستها» مع ظروف محددة غير موجودة في أوروبا أمرًا ضروريًا، وإن هذه المهمة الحتمية المتمثلة في إعادة توطين الشيوعية، والتعبير عن العالمية والخصوصية بدلًا من معارضتهما، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الشيوعيين في الشرق أنفسهم، باعتبارهم القادرين على تحرير أنفسهم، وهنا ستظهر بقوة طروحات لينين حول المسألة الوطنية.

التحرّر الوطني: المساهمة «اللينينية»

قدمت «اللينينية» مساهمتين أساسيتين في المسألة الوطنية، أو التحرر الوطني: الأولى وهي «حق تقرير المصير» والثانية هي طرح لينين حول «الإمبريالية».

في المنفى كتب لينين كراسًا بعنوان حق الأمم في تقرير مصيرها يقول: «إننا نقاوم امتيازات الأمة المتسلطة الظالمة وأعمالها العنيفة من جهة، ولا نتسامح مطلقًا مع سعي الأمة المضطهَدة وراء الامتيازات (..) كل نزعة قومية برجوازية في أمة مظلومة تتضمن مضمونًا ديموقراطيًا عامًا ينتصب ضد الاضطهاد. وهذا المضمون هو الذي نؤيده تأييدًا تامًا، مميزين في الوقت نفسه، بدقة بالغة، كل ميل إلى الاستئثار القومي (..) فهل يستطيع شعب أن يكون حرًا إذا كان يضطهد شعوبًا أخرى؟ كلًا».

كما كان يعتقد أن الدول المستعمرة ليست مجرد ضحايا، بل هي جهات فاعلة مركزية في الصراع الطبقي على نطاق عالمي.[4] وبعيدًا عن كونها جبهة ثانوية يجب أن تنتظر بصبر الثورة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، فإن حركة التحرر في المستعمرات «تهدد رأس المال في مجالات استغلاله الأكثر قيمة». هنا يلتفت لينين إلى مفهوم «بقية العالم» مذكرًا بأن «70% من سكان العالم ينتمون إلى شعوب مضطهدة تجد نفسها إمّا تحت نظام التبعية الاستعمارية المباشرة، أو تشكل دولًا شبه مستعمرة».[5] ويعتقد أن هذا هو المكان الذي سيكون فيه الصراع الحاسم. علاوة على ذلك، يزيد من التأكيد على أن المستعمرات وأشباه المستعمرات ليست محكوم عليها مسبقًا بالمرور عبر مرحلة الرأسمالية، لأنها تستطيع تحت زخم الجماهير البروليتارية والريفية بناء قوة اشتراكية. ستتشكل رؤية لينين لحق تقرير المصير على نحو عملي بعد انتصار الثورة في التقرير الذي كتبه للمؤتمر الثاني للمنظمات الشيوعية الإسلامية لشعوب المشرق، والذي ضم ما يزيد قليلًا عن ثمانين مندوبًا أتوا من تتارستان، وباشكيريا، وتركستان، وبخارى، وقيرغيزستان، وأذربيجان وشمال القوقاز وغيرها. وهنا ظهر الشعار اللينيني «يا عمّال العالم وشعوبه المضطهَدة، اتّحدوا»، الذي صاغه غريغوري زينوفييف، ووافق عليه لينين، والذي يعبر عن تجاوز للشعار الماركسي وامتدادًا له في الوقت نفسه.

المساهمة الثانية، والتي شكلت تطورًا نوعيًا في تحليل الرأسمالية وعلاقتها بالاستعمار هي «الإمبريالية». في منفاه السويسري، كتب لينين عام 1916 كتابه «الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية». والذي كان موجهًا بشكل نقدي للأممية الثانية وموقفها من الحرب العالمية الأولى. في مآزق لينين[6] يذهب الكاتب اليساري طارق عليّ إلى أن أول مأزق واجهه لينين كان الحرب العالمية الأولى، عندما وجد نفسه في المعسكر المقابل لمرشده الإيديولوجي الألماني كارل كاوتسكي. لقد كان استسلام كاوتسكي للحرب حدثًا فارقًا في حياة لينين، ليذهب بعيدًا في نقده معتبرًا الحزب الاشتراكي الألماني من خلال حماسته للحرب الإمبريالية مجرد «جثة عفنة». في كتابه الذي ظهر سنواتٍ قليلةٍ بعد اندلاع الحرب يبرهن لينين على أنها حرب إمبريالية، أي حرب غزو ونهب من أجل تقاسم العالم، ومن أجل اقتسام وإعادة اقتسام المستعمرات و«مناطق نفوذ» رأس المال. تقدم هذه المساهمة اللينينية أداةً غير مسبوقة لتحليل النزوع الاستعماري الأوروبي بعيدًا عن التحليلات المثالية ومقولات نقل الحضارة وهو تحليل مادي يقوم على دراسة تطوّر الرأسمالية المحلية الأوروبية وطبيعتها التوسعية في بحث عن أسواق جديدة ومصادر مواد أولية ومواقع نفوذ وقوى عمل مطيعة. ولعل هذا الإدراك العميق للجذور الاقتصادية للظاهرة الاستعمارية قد وسع من المهام العملية التي تواجه الحركة الشيوعية، فلم يعد دورها مقتصرًا على إنجاز المهام الديمقراطية والاشتراكية بل أصبحت المهمة الوطنية في التحرر شرط أساسيًا لإنجاز بقية المهام.

نحو «ماركسية شرقية»

في مكان ما يشير هيغل في حدسه حول الرجال العظماء، إلى أنهم بمجرد إنجاز دورهم المنوط لهم من العناية الإلهية، «يسقطون مثل فوارغ خراطيش الرصاص». تبدو هذه الصورة الهيغيلة مطابقة لمصير إرث لينين بعد رحيله. حوّلت الستالينية لينين إلى مجرد رموز: جثة محنطة وتماثيل وشوارع. لكن أفكاره، لاسيما المتعلقة بالمسألة الوطنية وبعالمية الماركسية دون حصرها في بعدها الغربي، لم تكن محلّ احتفاء. تفكك كل ما شيده الرجل في شرق روسيا لفائدة الشعوب غير الروسية، فيما وضعت المركزية الروسية الستالينية يدها على كامل الاتحاد السوفياتي، بدواعي أمنية وعسكرية. كما قطعت السلطة الجديدة مع نهج الثورة الدائمة وتصدير الاشتراكية، وحصرته في بناء شبكة واسعة من الأحزاب الشيوعية الموالية حول العالم، تعتمد على نسخ ولصق التجربة السوفياتية دون الاستفادة من تجربة لينين في توطين الماركسية. لكن فوارغ الرصاص حين سقطت، كان الرصاص قد دوى صوته بعيدًا. في الصين ستجد أفكار لينين حيزها المناسب لتتطور ضمن تجربة ماوية استفادت من دروس توطين الماركسية وإعادة صياغتها وفقًا للسياق التاريخي والواقعي المحلي.

«كان لينين، الماركسي المتحمس، واعيًا بأن الحتمية الماركسية حول ضرورة قيام الثورة الاشتراكية ضمن إطار رأسمالي متطور يفترض تمايزًا واضحًا ومتقدمًا لطبقتين أساسيتين هما البرجوازية والبروليتاريا ليست قدرًا».

 

في كتابه «الماركسية الغربية: كيف ولدت، وكيف ماتت، وكيف يمكن أن تولد من جديد» يعيد الفيلسوف الإيطالي، دومينيكو لوسوردو، التفكير في الماركسية من خلال التفكير التاريخي والنقدي في تراثها في الثقافة الفلسفية الغربية. بالنسبة للوسوردو، يبدو أن تاريخ الماركسية يتقاطع مع انقسام كبير، أو كما يمكن القول من خلال التناقض بين نموذجين نظريين أديا إلى ولادة ثقافتين اقتصاديتين وسياسيتين متعارضتين وشكلين من الممارسة التحررية بعيدتين بشكل متساو عن بعضهما. إن النسخة الماركسية التي يعتبرها لوسوردو الأكثر فعالية، لا سيما فيما يتعلق بالتأثيرات التاريخية الدائمة، هي تلك التي يعرّفها بـ«الشرقية». 

كان لينين أول من أدرك أن الماركسية يجب أن تصبح السلاح الأيديولوجي للثورة العالمية المناهضة للاستعمار، وذلك لدفع الشعوب الخاضعة للإمبريالية الغربية إلى النضال من أجل تحررها وبناء الاشتراكية في بلدانها. كل الثورات التي تلت ثورة أكتوبر من الصين (ماو تسي تونغ) إلى فيتنام (هو تشي منه)، ومن كوبا (فيدل كاسترو) إلى الثورات العربية مثل ثورات عبد الناصر في مصر والحركات المناهضة للاستعمار في العالم الثالث- تشير إلى الأهمية الأساسية للمسألة الاستعمارية في التاريخ السياسي والثقافي للقرن العشرين. إن الماركسية الشرقية، بالنسبة للوسوردو، مستوحاة بعمق من الواقعية السياسية التي تجد جذورها، حتى قبل الديالكتيك المادي لماركس، وبالتالي فإن الأمر يتعلق بعدم إغفال التناقضات والصراعات الخاصة بالزمن التاريخي، في حين يتم محوها بشكل منهجي بواسطة «الأنظمة الفلسفية» السائدة للحضارة الغربية، والتي تحجب الطابع المركزي للمشكلة الاستعمارية.[7]

يبدو هذا التقسيم للماركسية بين شرقية وغربية، شديد الراهنية اليوم، فيما يجري في فلسطين. حيث يتفرق الماركسيون، واليسار على نطاق أوسع، في العالم بين معسكرين. معسكر يعي جيدًا المسألة الاستعمارية الصهيونية، وتاليًا نضالات الشعب الفلسطيني، بكل الأشكال، ويتضامن معها. ومعسكر ذو مواقف هشة، تتسم دائمًا بالتردد على نعم ولكن، ويتجاهل المسألة الاستعمارية بالقفز نحو تحليلات طبقية أو نسوية أو ثقافوية. لذلك اشتغلت الماركسية الغربية على مدى عقود على طمس لينين ذي الوجه الشرقي.