مائة عام على رحيل لينين: صفحات من حياته / خليل اندراوس

423

خليل اندراوس ( فلسطين ) – السبت 27/1/2024 م …

فلاديمير ايليتش لينين، هذا الاسم قريب وعزيز على الملايين من الثوريين والكادحين في شتى أرجاء الكرة الارضية، فنضاله المتفاني من اجل سعادة الاجيال المقبلة، ما يزال حتى يومنا الراهن ايضا معين لا ينضب للطاقة الثورية للطبقة العاملة، والشعوب المناضلة ضد الهيمنة الامبريالية العالمية، ومن اجل بناء مجتمع المستقبل، مجتمع حرية الانسان والانسانية.

لقد وهب لينين نفسه بالكامل لكفاح ولحم حياته به الى الابد. كان انسانا ذا عقل راجح وارادة جبارة وقلب كبير.

ان الأفكار التي أعرب عنها لينين وخبرة نشاطه المُتعدد الجوانب تساعدنا اليوم أيضا في أيجاد إجابات عن أعقد المسائل التي تواجه البشرية في طريقها الى مستقبل أفضل.

لينين (هكذا وقع الثائر الشاب فلاديمير ايليتش أوليانوف، أحد مؤلفاته في عام 1901) ولد في عام 1870 م في سيمبيرسك، وهي مدينة صغيرة على ضفة نهر الفولغا الروسي الواسع.

كان رب الأسرة، ايليا نيقولا – يفيتش أوليانوف مفتشا للمدارس الشعبية في محافظة سيمبيرسك (وحدة اقليمية ادارية كبرى في روسيا القيصرية). وحيث كان ايليا نيقولايفيتش (والد لينين) معلما تربويا صادقا يحب مربيه ويفهمهم، فقد كان يطمح الى تسهيل الحصول على التعليم بالنسبة لهؤلاء الذين كان ذلك امرا صعبا عليهم بوجه خاص ونعني ابناء الفلاحين والفقراء من سكان المدينة.

وكان أثناء جولاته التي يتفقد فيها القرى يحث الفلاحين ويقنعهم بضرورة بناء المدارس وكان يسعى لتوفير الاموال لافتتاح هذه المدارس. وكان ينظم دورات تربوية للمدرسين الشبان لكي يعلمهم طرق التدريس على أحدث قواعد علم التربية. واطلقت تسمية “اوليانوفسكية” ” – نسبة اليه – على هذه الدورات. وخلال 17 عاما من جهده الذي لا يعرف الكلل تم في المحافظة انشاء 450 مدرسة شعبية.

كانت الاسرة الكبيرة العدد وتربية الأبناء تلتهم اجره. وكان ايليا نيقولا يفيتش، والد لينين ينفق النذر القليل على نفسه. كان صارما مع نفسه ومع الآخرين في كل ما يتعلق بالعمل. أما وقت الراحة فقد كان انسانا رائعا وجليسا مرحا ومتحدثا رائعا. وكان يمزح مع الصغار ويداعبهم ويشاركهم ألعابهم المسلية ويقرأ عليهم بصوت مسموع.

كانت زوجته (والدة لينين) ماريا الكسندروفنا امرأة متزنة صلبة مرحة بشوشه في الوقت نفسه. وهبتها الطبيعة مواهب كثيرة فدرست اللغات الاجنبية والموسيقى، وكانت واسعة الاطلاع.

كان لدى ايليا اوليانوف (والد لينين) 6 ابناء وهم اولغا وماريا والكسندر وديميتري وآنا وفلاديمير (لينين). كانت عيشتهم متواضعة جدا. ومع ذلك لم يكن الصغار يعانون من نقص في الاشياء الضرورية. وجد الوالدان للوفاء باحتياجاتهم الروحية ايضا قدر استطاعتهما. وكان الأبن فلاديمير (لينين) حيا صاخبا مرحا يحب الالعاب الصاخبة والجريء والمرح. تعلم القراءة وهو في نحو الخامسة من عمره. وانكب على الدراسة في سهولة ويسر. وكان أفضل التلاميذ باستمرار وكان يحصل على الجوائز الأولى في امتحانات النقل من سنة دراسية لأخرى.

وكان فضلا عن قدراته الرائعة يتميز بموقفه الجاد المتدبر من المعارف. ولم يكن ذلك مدعاة للغرابة او العجب.

فقد حذا الطفل فلاديمير (لينين) حذو أبيه وأمه اذ كانا في عمل نافع مستمر. وحذا ايضا حذو أخيه الأكبر الكسندر واخته الكبرى آنا. وكان فلاديمير (لينين) يقلد أخاه الأكبر جدا حتى أن ذلك كان مادة للمداعبة. فعندما كانوا يسألونه عن أي شيء يُجيب:

// أنا مثل ألكسندر (الاخ الكبير للينين).

كان فلاديمير (لينين) يقتسم معارفه مع رفاقه عن طيب خاطر. وكان يشرح لهم المسائل الصعبة والترجمة من اللغات القديمة. وفي السنتين الدراسيتين الاخيرتين بالمدرسة الثانوية كان يستذكر الدروس لأحد معلمي المدرسة الابتدائية بالقرية توفرت لديه الرغبة للالتحاق بالجامعة وتحقيق حلمه. وكان الالتحاق بالجامعة يقتضي الحصول على شهادة اتمام الدراسة الثانوية. وقد حصل عليه بالفعل بفضل مساعدة فلاديمير له.

وهنا أود أن أذكر بأنه عندما تخرج ساشا (ألكسندر) الاخ الاكبر لفولوديا (لينين) والتحق بجامعة بطرسبورغ وقبيل سفره الى بطرسبورغ توجه الاخوان الى “فينيس”. وهذه التسمية كانت تطلق في سيمبيرسك على ضفة الفولغا العالية الشديدة الانحدار. وكان الأخوان مغرمين بهذا المكان منذ الطفولة.

فهنا تحنو عليهما سماء شاسعة وتتفتح امامهما آفاق شاسعة ايضا.

-ما أكثر ما يُعجبك في الانسان؟ – سأل فلوديا (لينين).

– العمل. المعرفة. النزاهة.

– أجاب ساشا (الكسندر أخ لينين الكبير)، وتفكر قليلا ثم أضاف : اعتقد أن بابا يتحلى بهذه السجايا.

وظلت كلمات ساشا هذه عن ابيهما عالقة بذهن فولوديا طوال الوقت.

في عام 1886 حدثت مصيبة فظيعة للأسرة. اذ توفي ايليا نيقولايفيتش والد لينين فجأة.

وحلت مصيبة اخرى بآل اوليانوف بعد ذلك بعام واحد. فقد تم القاء القبض على ابن الاسرة الاكبر وشقيق فلاديمير لينين الحبيب ألكسندر اثناء مشاركته في محاولة لاغتيال القيصر. ففي مارس آذار عام 1887 م كان ما حدث في بطرسبورغ كالرعد في نهار صحو بالنسبة لفولوديا (لينين)ووالدته وحتى بالنسبة بالنسبة للاخت لانيا التي كانت ترى ساشا على الدوام في بطرسبورغ وتعيش معه في وئام، حيث قامت مجموعة من الطلبة بمحاولة لاغتيال القيصر الكسندر الثالث. باءت المحاولة بالفشل. أعتقل جميع الطلبة القائمين بها. ومن بينهم الكسندر (ساشا) اوليانوف اخ فلاديمير (لينين).

ولقد حكم على الطلبة الخمسة الذين حاولوا اغتيال القيصر الكسندر الثالث بالاعدام. والكسندر (ساشا) اخ لينين واحد منهم. بعد هذا الحادث ادار لهم (أي لعائلة لينين) ظهر المجن جميع معارفهم تقريبا في سيمبير سك.

وعندما كانت ماريا الكسندروفنا (والدة لينين) تسير في الشارع كان المارة يستعجلون في عبوره الى الجهة الثانية كيلا يضطروا الى تحية والدة ابن أعدم لتوه. كانت ماما الفارعة الطول تسير في المدينة مرفوعة الرأس. لم تنتحب ولم تتكلم عن ساشا ابنها الذي أعدم. “ماما أنوفه رابطة الجأش” قال فولوديا (لينين) بكل احترام عن أمه.

وعندما تخرج لينين من الثانوية، كان المعلمون يتجادلون متشككين: هل يجوز منح ميدالية النجاح الذهبية لشقيق المحكوم بالإعدام؟ الا ان فولوديا (لينين) ادى امتحانات التخرج على نحو رائع جعلهم يمنحونه الميدالية الذهبية مع ذلك.

بعد اعدام الكسندر قررت العائلة (عائلة لينين) مغادرة مدينة سيمبيرسك الى مدينة قازان. (كاتب هذه السطور شارك في أحد المؤتمرات في مدينة قازان على جبال الأورال وهي مدينة جميلة جدا انصح كل من يزور روسيا ان يزور قازان) وهنا بودي أن أذكر بأن لينين كان يحب أخاه الاكبر ألكسندر أكبر الحب. وقد تأثر به جدا وكان الكسندر يتعلم في جامعة بطرسبورغ وكانت كل الدلائل تنبئ بانه سيصبح عالما من فحول العلماء غير انه قد اختار النضال الثوري ضد الحكم القيصري المطلق وفي سبيل حياة افضل للشعب هدفا رئيسيا لحياته وكان الكسندر اوليانوف (اخ لينين الكبير) من حيث نظراته في الطريق من الشعبية.

(ارادة الشعب، جمعية شعبية سرية تنظمت في روسيا سنة 1879 م بغية النضال الثوري ضد الحكم القيصري المطلق) الى الماركسية ولاول مرة علم فولوديا بوجود الادب الماركسي من اخيه الاكبر الكسندر.