تونس : قيس سعيد و القضاء ، تفاهمات خفية / أحمد الحباسى

331

 أحمد الحباسى* – الأحد 03/12/2023 م …
* كاتب و ناشط سياسي
 …

منذ فترة لم يعد الرئيس يتكلم عن القضاء و هذا الصمت لم يعد مفاجأة بالنسبة لكثير من المتابعين بل هناك من يجزم أن الرئيس بعد أن حقق أهدافه في سجن كل معارضيه بتحريض الجسم القضائي عليهم بسبب أو بدونه و في تجاوز صارخ للدستور و لمبدأ التفريق بين السلطات و لروح و أهداف ما يسمى ” بالثورة ” قد أبرم صلحا مع هذا الجسم يقضى ضمنيا بأن لا يواصل حملاته المشبوهة ضد القضاة فاسدين أو صالحين و أن لا يقوم بنقل بعضهم إلى أماكن وظيفية يمكن اعتبارها من باب العقوبات التأديبية الخفية و أن لا يفتح ملفات حارقة بإمكانها أن تقضى على مستقبل الكثير منهم ، في المقابل يتعهد أعضاء الجسم القضائي بفتح الأبحاث و التحقيقات اللازمة لإيقاف و إبقاء كافة من يرى الرئيس أنهم يشكلون خطرا على مستقبله السياسي قيد المحاكمة و بالذات ترشحه للانتخابات الرئاسية 2024 و لما لا تحوير الدستور تماما كما فعل الرئيس الراحل زين العابدين بن على بعد قبضه على السلطة سنة 1987 .
لقد صدق البعض رئيس الدولة حين صرح بأنه يعزو عيوب القضاء إلى تسلل السياسة إلى قصور العدالة كما صدّق هؤلاء الرئيس حين أظهر ذلك الموقف العدائي العلني الصريح يوم 25 جويلية 2021 المتزايد الحدة بمرور الوقت تجاه الجسم القضائي الذي أنهكه حكم حركة النهضة طيلة عشرية كاملة و كانت كل تصريحات سيادته ناقدة على وجه التحديد بطء العدالة و ما سماه في إحدى خطبه بدفن ملفات معينة معتبرا أن المجلس الأعلى للقضاء هو أحد الأطراف الأساسية و الفاعلة التي تسعى جاهدة لتفجير الدولة من الداخل . لقد صدّق البعض رئيس الدولة حين أثار مسألة ” نوم ” المئات من القضايا الحساسة في أدراج مكاتب السادة القضاة و رأوا في ذلك دفعة مهمة سيكون لها انعكاس ايجابي على مفهوم العدالة الناجزة المطلوبة و التي تقوم عليها دعامات الدولة الديمقراطية و لكن و مع الوقت تبيّن بما لا يدع مجالا للشك و الريبة أن الرئيس قد اكتفى بالكلام دون الفعل و أن هذا الموقف المرتبك و الغامض هو تعبير مفضوح على وجود حالة من التلعثم السياسي الذي ميّز السنوات الأولى لحكم الرجل و جعل الأسئلة الحائرة تتضاعف بمرور الوقت .
لا يختلف اثنان اليوم على التأكيد بأن الرئيس قيس سعيد قد جعل من مؤسسات الدولة مجرد أطلال و من الوزراء مجرد متفرجين صاغرين و من وزارة الداخلية مجرد أداة قوية ضد بعض الذين يحاولون الوقوف ضد مشروعه في الاستحواذ الكامل على كل السلطات و ما حصل لرئيسة الحزب الدستوري الحرّ السيدة عبير موسى أكبر و أوضح مثال على استعمال الرئيس للأداة البوليسية و القضائية للتخلص من كل من يحاول أو يظن نفسه مؤهلا لمنافسته بقوة في الانتخابات الرئاسية المقبلة . لم يعد بالإمكان اليوم الحديث عن وجود سلطات تنفيذية أو تشريعية أو قضائية بل على من سمّاه بعض المحللين مجرد ” وظائف ” و إذا سلطنا النظر بدقة في مضمون المرسوم عدد 35 لسنة 2022 فسيمكننا التنبّه أنه قد منح للرئيس امتيازا غير مسبوق منذ الاستقلال يعطيه القدرة على إعفاء القضاة بمجرد أمر رئاسي و عليه يمكن القول أن القاضي الذي تيقّن بعد سنّ هذا المرسوم أن مصيره بيد الرئيس سيكون قابلا بالضرورة و بالمنطق للضغوط و لما يأتي من تعليمات و أوامر .
لعل السيد الرئيس قد تذكر تلك المقولة الشهيرة ” من ليس معي فهو ضدي ” التي صرح به الرئيس جورج بوش الابن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 و صاغها في شكل جديد لتصبح ” من يبرأ الفاسدين ( حسب وجهة نظره طبعا ) فهو شريك لهم ” بل لم يكتف بذلك فطبق المثل الشائع ” اضرب القطوسة تتربى العروسة ” مصدرا أمره العلي بإعفاء ما لا يقل عن 57 قاض من مهامهم دون محاكمة أو تنبيه و مسلطا على بعضهم حملة إعلامية و إشاعات تمس بشرفهم المهني دون الانتباه إلى ما سيلحق عائلاتهم من ضرر معنوي سيجعلهم عرضة للنميمة و هتك العرض و مزيد إشاعة مناخ من عدم الاطمئنان للمؤسسة القضائية برمتها . بطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن ضرب القضاء دون الأخذ بعين الاعتبار ما يتعرض له العديد من الإعلاميين من محاولات ترهيب و محاكمات لان ذلك ليس خارجا عن سياق واحد و هو تسليط الضغوط على هذا القطاع حتى يتجنب التعرض إلى ما يحدث من محاولات السيد الرئيس الاستفراد بالسلطة و الضغط على القضاء و تطويعه .
ربما ظن السيد الرئيس أنه بتنفيذ انقلاب كامل و مفضوح على الدستور السابق و على مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء السابق و على مجلس نواب الشعب السابق و على الهيئة العليا للانتخابات السابقة و على قانون الأحزاب السابق و على غيرهم من المؤسسات قد يضعه في طريق مفتوح نحو الحصول على فترة رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية القادمة و ربما سيسعى الرجل في غمرة الغرور إلى تحوير نفس الدستور المشكوك في أمره من طرف العميدين أمين محفوظ و الصادق بلعيد و الذي وضعه بنفسه ليجعله قادرا على الطموح إلى ولاية رئاسية ثالثة و رابعة و مدى الحياة إن أمكن و لكن الثابت أن فشله الغير مسبوق في التخطيط لخطة اقتصادية طموحة و قابلة للتطبيق بإمكانها انتشال الوضع الاقتصادي من الكارثة و غلاء المعيشة و تعاظم مشكلة البطالة و إفلاس المؤسسات المشغلة إضافة إلى تكميم أفواه الغيورين على هذا الوطن سيؤدى إلى غليان شعبي بإمكانه الإطاحة بكل أحلام الرئيس و إسقاط كل منصات صواريخه الكرتونية .