طوفان وزلزال وإخوان.. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

292

مدارات عربية – الأحد 17/9/2023 م …

زلزال مدمر، فيضانات طوفانية، وقبلها حرائق واسعة في دول عربية عدة، من المغرب إلى ليبيا، ومن الجزائر إلى تونس، ومن العراق، وسوريا، إلى لبنان، لم تشهد الدول العربية، سلسلة نكبات وكوارث كما التي شهدتها في هذه السنة.

هز الزلزال المغرب، فأدمى قلوب العرب من المحيط إلى الخليج، وأغرقت الأمطار الطوفانية في ليبيا، في سيل من الحزن والألم، وامتدت موجة التعاطف والأسى مثل تسونامي عابر للقارات والدول والديانات والثقافات إلا في منطقتنا العربية، التي تكالبت عليها هذه المصائب.
وكأن العرب لا يكتفون أبداً، بمثل هذه الكوارث، ولا يترفعون عن تجرع كأس المرارة، وكأنه كُتب عليهم أن تنهشهم المصائب الطبيعية والآفات البشرية، ففي الوقت الذي لم تجف فيه دموع الليبيين خاصة الأطفال والثكالى، قبل جفاف الأرض، قال القيادي في تنظيم الإخوان الليبي وعضو البرلمان السابق، من حزب العدالة والبناء، الواجهة السياسية للإخوان في العاصمة طرابلس، محمد مرغم، وبلغة وأسلوب لا يخلو من شماتة وتشفٍ، إن عاصفة “دانيال” التي ضربت ليبيا، وخلف آلاف القتلى وشردت ما لا يحصى ولا يُعد، عقاب إلهي، لحكومة المنطقة الشرقية في البلاد، بسبب سماحها بالتعامل بالفوائد المصرفية.
ولأن المجال هنا، ليس لمناقشة مسألة خلافية مزمنة بين الفقهاء، ورجال الدين المسلمين أنفسهم قبل أن تكون مسألة خاضعة للاجتهاد العلمي والديني، فإن ما يهم هنا ليس الحسم في مثل هذه المسائل، ولكن توقيت مناقشتها أو إثارتها، خاصةً أنها ليس الأولى من نوعها لا في ليبيا، ولا في غيرها.
ففي ليبيا أيضاً قال قائد إحدى الميليشيات في العاصمة طرابلس، والإخواني الآخر، ناصرعمار الذي يقود ميليشيا قوة الإسناد ضمن “بركان الغضب” الميليشيات التي تُهيمن على الغرب الليبي، إن العاصفة “دانيال” عقاب إلهي للمنطقة الشرقية، في ليبيا، بسبب الإقرار بالعمل بالفوائد في النظام المصرفي.
إن هذا الخطاب الذي يُعد سمة أساسية في الخطاب الإخواني بشكل خاص، وقاعدة كل خطاب تكفيري متشدد، ليس مستغرباً في أدبيات تنظيم الإخوان المسلمين في عالمنا العربي منذ حوالي قرن كامل، خطاب متسلق، انتهازي، شعبوي، يمثل نموذجاً مؤسفاً لما أصبح عليه الخطاب السياسي أحياناً من إسفاف وتدهور.
والواقع أن هذا الخطاب ليس حكراً على الإخوان وحدهم، بل هو قاسم مشترك بين من يدعي الإسلام أو الدفاع عنه، وآخر الأمثلة على ذلك ما أطلقه العراقي مقتدى الصدر، الذي ادعى أن “دانيال” عقاب إلهي لليبيا على اختفاء موسى الصدر هناك، وأن زلزال المغرب، عقاب إلهي بسبب انتشار الفساد، وأوضح عبر “إكس” بعد الزلزال أن ” البلاء قد عم على أهل الأرض، وهو ما يعني أن سخط الله على أهل الأرض ما زال مستمراً”.
إن الصدر في العراق، ومرغم أو عمار، في ليبيا، للأسف أصوات شائعة في العالم العربي، خاصةً في أوقات النكبات والأزمات، أصوات تُبشر بثقافة الشماتة والتشفي، والتجارة بالآلام والجراح، في منطقة لم يهدأ أنين سكانها منذ عقود، وبدل نشر ثقافة العمل والعلم، لرفع تحديات جسيمة كثيرة، وبدل الدعوة إلى التضامن والتآزر، والمحبة والأخوة الإنسانية، تنطلق مثل هذه الأصوات لتبشر بغد أكثر ظلمة، وبمستقبل أشد قتامة.
وإذا تسنى لمثل هؤلاء التسلل إلى المشهد العام، لإسكات مثل هذا الفحيح، فإن ذلك ليس خطأهم، بل خطأ مجتمعات تقبل مثل هذه النماذج، وتتيح لها الرواج والانتشار، في ظل انكفاء الخطاب الديني المستنير والإنساني، وفي ظل جُبن أصحاب الرأي وحملة القلم أحياناً عن التصدي لهم ولجم انحرافهم الفكري والديني أيضاً، فالزلزال أو الطوفان، ليس عقاباً وليس انتقاماً من الله عز وجل، ولا يُمكن لمجتمعات مثل مجتمعاتنا تحلم منذ عقود باللحاق بركب الأمم المتطورة، لحل مشاكلها وأزماتها، أن تنتكس فكرياً وأخلاقياً، إلى المستوى الذي يعكسه مثل هذا الخطاب، الذي لا يختلف في بنيته عن الخطاب “الديني” الذي ساد في العصور الغابرة، والذي كانت تعكسه الأساطير البابلية، أو الفرعونية، أو الإغريقية والرومانية القديمة، عن صراعات الآلهة، وانتقام بعضها من بعض أو من البشر، في نكوص معرفي وروحي قبل أن يكون ارتداداً اجتماعياً، أو تدهوراً سياسياً وأخلاقياً، إلى مستويات مجهولة من الدونية، أثارت السخرية والاستهزاء من دعاتها، قبل، ومع، وبعد أبي الطيب المتنبي، الذي اختصر المسألة في بيته الشهير:
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم.. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”.