صفحة من تاريخ الشيخ الشهيد عمر المختار

737
جزار ليبيا وإثيوبيا يواجه
مدارات عربية – الإثنين11/9/2023 م …

كان شيخا ناهز عمره الثالثة والسبعين، لكنه لم يهدأ ولم يستكن. ظل يقاتل حتى الرمق الأخير. قاتل الفرنسين في تشاد منذ عام 1900 ثم عاد إلى ليبيا ليقود القتال ضد الإيطاليين لـ 20 عاما.

قبل 92 عاما في 11 سبتمبر عام 1931، وقع عمر المختار في قبضة الإيطاليين. سقط عن ظهر جواده بأحد الوديان قرب مدينة البيضاء في شرق البلاد إثر اشتباك مع قوات من الإرتريين والمجندين المحليين كانت تتعقبه. وقع في الأسر فوضعت الأصفاد في يديه وقدميه وتنفس الإيطاليون الصعداء.

لسنوات طويلة قاومهم في برقة بعد أن حشد الأهالي ضدهم. ألحق في البداية بالقوات الإيطالية المدججة بأحدث الأسلحة من مدفعية ودبابات وطائرات الهزيمة تلو الأخرى، وعاني ورجاله أيضا من عدة هزائم بعد ان استعان المستعمرون الإيطاليون بمجندين محليين في ملاحقتهم لعمر المختار ورجاله، ولكنه لم يتوقف وبقي صامدا إلى أن أصيب جواده وسقط عن ظهره ووقع في الأسر فسارع الجنرال غراتسياني “جزار ليبيا” وإثيوبيا في وقت لاحق، إلى لقائه في محاولة للشماتة منه وإذلاله.

جزار ليبيا وإثيوبيا يواجه

الجنرال رودولفو غراتسياني كان قاد ما يعرف بعملية الاسترداد في غرب ليبيا منذ عام 1921 بعد أن ألحق المقامون الليبيون هزائم متتالية كبيرة بالجيش الإيطالي ودفعوا به إلى الساحل، ثم عين في عام 1930 قائدا عسكريا لسائر ليبيا وأوكلت إليه مهمة القضاء على المقاومة العنيفة التي قادها عمر المختار في الجبل الأخضر منذ عام 1923.

على الرغم من تفوق القوات الإيطالية الساحق في العدة والعتاد، لم يتمكن الإيطاليون من إخماد المقاومة، فلجأ الجنرال غراتسياني على استعمال أساليب وحشية تمثلت في حشر أهالي المنطقة وقبائلها في معسكرات اعتقال محاطة بالأسلاك الشائكة كان أكبرها في منطقة “سلوق” جنوب مدينة بنغازي، كما قام بردم الآبار وإحراق محاصيل المزارعين، ونصب سياج على طول الحدود مع مصر لمنع وصول أي دعم من هناك.

جزار ليبيا وإثيوبيا يواجه

علاوة على كل ذلك، جند مرتزقة من الأهالي، واستعان بقوات من المجندين الإريتريين (استعاد الإيطاليون في إريتريا وإثيوبيا بمجندين من ليبيا، واستعانوا بالإثيوبيين وإرتريين في عملياتهم في ليبيا).

استعمل عمر المختار أساليب حرب العصابات ضد القوات الإيطالية، إلا أن الإجراءات الانتقامية التي اتخذها الجنرال غراتسياني حدت من قدرته على الحركة والعمل، وأصابت الأهالي بالشلل والمجاعة في معسكرات الاعتقال الجماعية.

جزار ليبيا وإثيوبيا يواجه

غراتسياني الذي كان الحاكم الفعلي لبرقة بين عامي 1830 – 1934، كتب في مذكراته أن المقاومين خلال 20 شهرا مدة توليه منصب نائب الحاكم في المنطقة، نفذوا 250 عملية ضد الإيطاليين، ولسحق المقاومة البطولية حجز أهالي المنطقة خلف الأسلاك الشائكة كي يتضوروا جوعا ويموتوا ببطء.

الجنرال غراتسياني سارع إلى مقابلة عمر المختار بعد 3 أيام من وقوعه في الأسر. التقاه في قصر “ديل جوفيرنو” في بنغازي وتحدث إليه بواسطة مترجم محلي.

وصف غراتسياني عمر المختار في كتابه “برقة الهادئة” الصادر في ميلانو عام 1932 بأنه “رجل عجوز متواضع وبسيط مع أقدام مشوهة بداء النقرس”.

جزار ليبيا وإثيوبيا يواجه

حوار غريتسياني مع عمر المختار:

غراتسياني: ماتت آلاف الآلاف من الليبيين بسببك. هل الأمر يستحق ذلك؟

المختار: لقد ماتوا لخدمة قضية عادلة. هم في الجنة.

غراتسياني: إنه تعصب ديني.

المختار: لا ، إنه الإيمان.

غراتسياني: لماذا قاتلت الحكومة الإيطالية بشدة؟

المختار: من أجل ديني.

غراتسياني: كان لديك عدد قليل من الرجال وعدد قليل جدا من العتاد. هل كنت تأمل أن تطردنا من برقة؟

المختار: لا ، كان ذلك مستحيلا.

غراتسياني: إذن إلى ماذا كنت تسعى؟

السجين: لا لشيء. كنت أقاتل هذا كل ما في الأمر، والباقي في يد القدر.

غرازياني: لكن القرآن لا يجيز الجهاد إلا إذا كان هناك أمل في النصر، وهذا لتجنب المعاناة غير الضرورية للسكان. هذا ما يقوله القرآن، أليس كذلك؟

المختار : نعم.

غراتسياني: أكرر. لماذا إذن كنت تقاتل؟

المختار : من أجل ديني.

غراتسياني: حسنا استمع. أمام قواتي، من نالوت إلى جبل برقة، فر جميع قادة المتمردين أو وقعوا في قبضتي. لكن لم يصل أحد منهم حيا. فلماذا انتهى بك الأمر هنا؟  انت كنت لا تقهر، ولا يمكن الإمساك بك، ومحمي من الرب؟ ماذا لو كنت أنا أرادة الرب الحقيقية؟

السجين: الله عظيم ومقاصده لا تطال.

غراتسياني: لدي ما يجعلني افترض أنك كنت رجلا قويا طوال حياتك. أتمنى أن تكون كذلك لاحقا وفي كل الأحوال.

 

بعد خمسة أيام من وقوعه في الأسر، وعقب مرور يومين من لقاء الجنرال غراتسياني به نفذ الإيطاليون حكم الإعدام شنقا في زعيم المقاومة الليبية الأسطوري عمر المختار. أعدم المختار بعد محاكمة عسكرية صورية سريعة، سارع خلالها كبار الضباط الإيطاليون إلى التقاط صور مع “البطل”.

في معسكر للجيش الإيطالي بالقرب من معسكر اعتقال “سلوق” جنوب بنغازي وأمام حشد من الأهالي، نفذ حكم الإعدام في عمر المختار، ليصبح رمزا خالدا للبطولة، وتطارد اللعنات جلاديه إلى الأبد.