الروائي العربي السوري حيدر حيدر.. “الفهد” يغادر “الزمن الموحش”

465

*عاش حياة صاخبة ومؤثّرة نصفها ترحال ونصفها اعتزال.. من هو الأديب السوري الراحل حيدر حيدر؟

“هل جرّب أحدنا يوماً إمساك الذرات السابحة في مسار ضوء شمس يخترق نافذة غرفةٍ رطبة في الشتاء؟ في طفولتي أذكر أنني جربتُ ما هو أكثر استحالة: أن أعدو بلهفةٍ غريبة لأعبر تحت قوس قزح في يومٍ شتائي سطعت شمسه.

كانت جدتي تقول: من يمسكُ قوسَ قزح ينجُ من الموت.

بيقينٍ مطلق كانت تقول ذلك، وباليقين نفسه كانت تدركُ أنَّ أحداً لن ينجو”.

**

لم ينجُ  حيدر حيدر (1936 – 2022)، كاتب ما سبق، من الموت، إذ غادر هذا العالم بعد 87 سنة من حياة صاخبة ومؤثّرة نصفها ترحال ونصفها اعتزال. ترك حيدر، غير كتبه الكثيرة المتنوعة بين قصص وروايات ومقالات وشهادات، وصية أخيرة:

“على جدار مكتبتي لوحة صغيرة كُتب عليها:

(متواضعٌ كالرّمل

صاخبٌ كالبحر

عالٍ كالسّماء

حرٌّ كالرّيح)

هذا هو حيدر حيدر باختصار.  وقد أوصيتُ أن تكون هذه اللوحة شاهدة على قبري”.

حكايا النورس المهاجر

نستند في ما سيأتي على السيرة التي أعدّها محمد عزوز لحيدر حيدر، جامعاً إياها من عدة مواقع وصحف ومجلات، وعلى سيرته الموجودة في موسوعة “رواية اسمها سوريا”:

ولد حيدر عام 1936 في قرية حصين البحر في طرطوس. تلقّى هناك دراسته الابتدائية ثم انتسب بعد إتمامه الدراسة الإعدادية عام 1951 إلى معهد المعلمين التربوي في حلب حتى تخرّج عام 1954.

خلال سنته الدراسية الثانية في المعهد بدأ محاولته القصصية الأولى، ونُشرت في مجلة محلية في حلب، قصته التي كان اسمها “نورا”. انخرط بعدها في مجال التدريس لعقدٍ من الزمن، من ثم انتقل إلى دمشق، وشرع ينشر قصصه في الدوريات. بعد ذلك جمع ما نشره من قصص في مجلة “الآداب” اللبنانية، ونشرها في مجموعة “حكايا النورس المهاجر” عام 1968.

في ستينيات القرن الماضي، كما يقول حيدر، كان ممتلئاً ومأخوذاً “بفكرة الأمل، وضرورة تغيير العالم نحو الأجمل والأفضل والأكثر عدالة على المستوى الاجتماعي، بتطرّف ثوري اتسمت حواراتي مصطدماً بغضب مع المثقفين حول الحلول الوسطى. كانوا يسمونني الثوري الرومانسي الحالم”. ولكنه بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، كما يقول في يومياته: “الآن يبدو أنني أحيا في المنطقة الحرجة على قوس منعطف جديد وحدود انفجار قادم، وداعاً لحياتي القديمة، وداعاً للوطن!”.

هجرة السنونو

ساهم حيدر في تأسيس “اتحاد الكتاب العرب” في دمشق عام 1968 وكان عضواً في مكتبه التنفيذي. كما نشر مجموعته “الومض”. وفي السنة نفسها سافر إلى الجزائر مشاركاً في “ثورة التعريب” أو “الثورة الثقافية” كما يصفها الجزائريون، ودرّس في مدينة عنّابة، من دون أن ينقطع عن الكتابة والنشر في الدوريّات العربية.

عن سنواته في الجزائر يقول: “كانت سنوات المكابدة والغربة الداخلية، تلك التجربة عاصفة كفجر الحب، مرة كطعم الحنظل… ملأتني بعوالم ساحرة وشيطانية مفعمة بالغرابة والدهشة، شبيه باكتشاف قارة مجهولة”. (بعد أكثر من 12 سنة كتب حيدر روايته “وليمة لأعشاب البحر” وفيها شيء عن تجربته هناك).

كتب حيدر روايته “الزمن الموحش” عن أعوامه السبعة في دمشق، ومناخها الثقافي والسياسي، وتعتبر واحدة من “أهم وثائق الندم والحسرة والخذلان”. أبطالها معاصرون جداً، يعيشون التجربة المزعومة للثورة، والحياة السرية للمتعة.

بعدها عاد من الجزائر لكنه ما لبث أن غادر دمشق إلى لبنان، معتزلاً التدريس، ليعمل مراجعاً في دور النشر.

أصدر حيدر عام 1975 مجموعته القصصية “الفيضان” عن “اتحاد الكتاب الفلسطينيين”، التي أعيد نشرها مع مجموعته “تموّجات” عام 1982.

ما إن نشبت الحرب اللبنانية، حتى انضم حيدر إلى المقاومة الفلسطينية في إطار الإعلام الفلسطيني الموحّد و”اتحاد الكتّاب الفلسطينيين” في بيروت. هناك صدر له “التموّجات” و”الوعول”، وأعيد نشر “الزمن الموحش” إضافة إلى روايته “الفهد” بعد فصلها عن “حكايا النورس المهاجر”، وقد حوّلها المخرج نبيل المالح إلى فيلم يحمل العنوان نفسه. كما اختير من بين 20 فيلماً يشكّل الأعمال الخالدة في السينما الآسيوية في مهرجان بوزان العاشر في كوريا الجنوبية (2005).

غادر حيدر من بيروت إلى قبرص أوائل الثمانينيات، وعمل مسؤولاً عن القسم الثقافي في مجلة “الموقف العربي” الأسبوعية، وبعد عامين رجع إلى لبنان. لكنه ما لبث أن غادر لبنان إلى قبرص مجدداً عام 1982، بعد رحيل المقاومة الفلسطينية، عُيّن مسؤولاً عن القسم الثقافي في مجلة “صوت البلاد” الفلسطينية. بعدها، تحديداً عام 1984، صدرت روايته التي أحدثت بلبلة في الأوساط العربية ومُنعت في عدة بلدان “وليمة لأعشاب البحر” في قبرص، التي غادرها إلى موطنه سوريا، متفرّغاً للعمل الأدبي، ومعتكفاً في سنواته الأخيرة في قريته حصين البحر، من دون أي نشاط علني. كتب الكاتب المصري حلمي النمنم كتاباً يوثّق للمعركة في مصر بسبب وليمة حيدر، أسماه “وليمة الإرهاب الديني”.

مراثي الأيام

يجيء في موسوعة “رواية اسمها سوريا” عن اعتزال حيدر وعودته إلى قريته: “بعد عدة أشهر (من عام 1986) كان يتوجب على من يريد زيارة حيدر الذهاب عبر طرق ترابية ضيقة في سهل حصين البحر، قريته، للوصول إلى خيمة زرقاء وصفراء منصوبة في حقلٍ عشبي بريّ ومهجور. لقد عاد الكاتب إلى البحر، عاد إلى تلك الوديان التي كانت تؤوي صمت الوحيد وهو ذاهب إلى الصيد… عاد الكاتب إلى طفولته الأولى”.

على هذا الكاتب الذي عاد إلى طفولته الأولى ينطبق قول جوزيف كونراد: “يقيم الكاتب بيتاً، ولكن من لم يعد له وطن تغدو الكتابة بالنسبة إليه مكاناً للحياة”. وبالكتابة، كما كان يقول حيدر في مقدمة كتابه “أوراق المنفى شهادات عن أحوال زماننا”: “كنتُ أتوازن وأنا أترنّح مولداً من الكلمات هرمونات مضادة للموت والجنون وضراوة الحنين في المنفى… لقد أتى زمن النار”.

ولأنّ الهجرة جاءت مبكرة في حياته المتوترة، فقد كان أدبه كذلك “تجوال نص وذكريات في بلاد العرب، فضلاً عن كونه الأدب المفعم بروح التغيير لمتشابهات الوطن العربي وأنظمته الحاكمة”.

الحكّاء يتحدّث

قال الراحل عادل محمود إنّ حيدر حيدر واحد من أهم الكتّاب الذين ميّز أسلوبهم الروائي الجمع بين السرد والثقافة، وإعلاء اللغة إلى مرتبة المشاركة الأساسية في بناء العالم الروائي. إذ يدمج في عمله بين الحادثة (القص) والبيئة والقيم الحاكمة، ذاهباً إلى الأفق التراجيدي لأبطاله. يضيف محمود أنّ حيدر “كاتب متوتر، نزق، صادق، يبحث في كل كتاب عن مفارقة الواقع والحلم، الثورة والتغيير والنمو، والثبات فالاستنقاع فالتعفّن”.

مزج حيدر شكل حياته بجوهر أدبه، “فكان غريباً لأنه غريب، ومنفياً لأنه منفي، ومضاداً للسائد لأنّ ما حولنا كلّه يجب أن يُباد، ليؤسس على أنقاضه عالم الإنسان العادل السعيد الجميل”.

تُقدَّم رواية “الفهد” بنسختها الصادرة عن “دار البعث”، وزارة الثقافة 2004، بحوار سابق مع حيدر حيدر للكفاح العربي (2003)، يتحدث فيه عن اللغة والرواية والتاريخ والثقافة وعن بعض أعماله.

عن “وليمة لأعشاب البحر” يقول: “كان لا بدّ من الإحالة على السقوط المأساوي والسقوط التراجيدي لما جرى في الجزائر والعراق كبلدين عاشا خضم تجربة ثورية، كلٌّ منهما مختلف ومتقاطع في آن، عبر مخاض منكسر، تقاطع فيه الأمل مع الخيبة، والنهوض مع السقوط، والحرية مع الاستبداد، والموت مع الحياة. وهما في البعد الروائي والواقعي تعبيران عن انهيار الحلم ودورة التاريخ العربي وهو ينحرف نحو الهاوية”.

أما عن “الفهد” فيقول إنها كتبت في مرحلة كانت تدعى بالنهوض العربي، والحركات الثورية الغاضبة في العالم وفي الوطن العربي. ويضيف: “في ذلك الزمن كان هناك أمل بتغيير العالم لمصلحة الفرد والمجتمع والمستقبل”. كما يذكر أيضاً أنّ “نافذ علّان” في عمله “حقل أرجوان” يتقاطع مع “بو علي شاهين” في “الفهد”.

كذلك يتحدث حيدر عن روايته “الزمن الموحش” بالقول إنها “محاولة لرصد الحالة والإيقاعات الاستلابية، الهجينة بين الريف والمدينة، اقتراب من دهشة الريفي وهو يصطدم بالمدينة ومن ثم محاولة التأقلم في هذا المناخ الجديد… ومقابل هذا هناك المناخ الثقافي السياسي الطلق والحيوي في المدينة على عكس الريف المغلق والفقير سياسياً وثقافياً”.

في معرض حديثه عن التجارب الروائية التي أثّرت في مساره الروائي الخاص يذكر حيدر تجارب جويس وبروست وفوكنر وشتاينبك وكونراد وفرجينيا وولف وكازانتزاكي ود. ه. لورانس وكتّاب أميركا اللاتينية، كما يتحدث عن قراءته المبكرة لدوستويفسكي ودون كيخوته والكوميديا الإلهية.

وبالنسبة له فإنّ الثقافة الأدبية في جوهرها أبعد من قراءة الرواية الأدب، بل هي معرفة عمومية وكونية في حقول أخرى كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأسطورة والتراث والتاريخ والسياسة والأنثروبولوجيا والاقتصاد والنقد والشعر والسينما والمسرح والموسيقى.

رحل حيدر حيدر عن عالمنا إذاً، الذي كان واقعاً في “ألعن ورطة” كما قال. “ورطة الكتابة بعد الورطة الكبرى وهي الحياة”.