جزيرة “ناورو” … كان سكانها مليونيرات ثم أصبحوا شحاذين

327

مدارات عربية – الجمعة 20/1/2023 م …

ناورو هي #جزيرة صغيرة لا يتعدى حجمها 21 كيلومتر مربع فقط وتعتبر ثالث أصغر دولة في العالم بعد الفاتيكان وموناكو ، تقع ناورو في #المحيط_الهاديء تحت خط الإستواء في منتصف الطريق تقريباً بين استراليا وهاواي.

وكجزيرة لا تخلو من جغرافيا فريدة من نوعها ذات مناظر طبيعية خلابة مع هضبة خضراء مركزية وأشجار النخيل والشواطئ ذات الرمال البيضاء وبسبب جمال هذه الجزيرة تم اطلاق عليها لقب #جزيرة_السعادة، يبلغ عدد سكانها 10.000 نسمة فقط وهي ثاني أصغر نسبة سكان في العالم.

المواطنون من السكان الأصليين وهم ذو بشرة بنية وأغلبهم بولنزيين ( البولنزيين هم سكان جزر المحيط الهاديء) ، عُرف شعب ناورو بطيبة قلوبهم وقناعتهم رغم الفقر الشديد وكان مصدر الدخل الوحيد هو الزراعة وصيد الأسماك .

 

رغم صغر حجم الجزيرة إلا أنها تحتوي على ثروة هائلة وكميات كبيرة من #الفوسفات النقي المندثر بين طيات الهضبة الوسطى المركزية ، تم اكتشاف هذه الثروة عام 1899 عندما زار الجيولوجي الاسترالي (البرت فولر إليس ) الجزيرة وخلال قيامه بفحص جسم يشبه الصخر قيل له أنه قطعة من الخشب المتحجر لكن (إليس ) لم يصدق ذلك وسرعان ما اكتشف أن القطعة عبارة عن خام عالي الجودة من الفوسفات.

وحسب علماء الجيولوجيا أن الفوسفات تكونت على مدى آلاف السنوات على سطح الجزيرة من خلال تكون طبقات من الكائنات البحرية التي تفاعلت مع عدد لا يحصى من فضلات الطيور البحرية لتكون مزيج تصلب بمرور الوقت ليكون في النهاية صخور الفوسفات التي تجمعت على سطح الهضبة الوسطى المركزية المعروفة باسم ( توبسايد) والتي تشكل 80% من مساحة الجزيرة .

وكدولة ضعيفة لم تستطع ناورو استخراج كنزها المكتشف حديثاً لذلك تم إبرام صفقة مع ألمانيا عام 1905 لتقوم بأعمال التعدين (التعدين هو استخراج المعادن القيمة أو أي معادن أخرى من باطن الأرض )، واستطاعت ناورو أن تصدر مئات آلاف الأطنان من الفوسفات ، لكن بحلول الحرب العالمية الأولى تم احتلال ناورو من قبل استراليا التي استولت عليها من ألمانيا وأعلنت أن الجزيرة أصبحت موقع للتعدين البحري.

وبحلول العشرينات من القرن الماضي كانت ناورو تصدر حوالي 200.000 طن من الفوسفات سنوياً وبعد عقدين من الزمان زادت الصادرات بأكثر من أربعة أضعاف ، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وضعت الأمم المتحدة جزيرة ناورو تحت وصاية استراليا وبريطانيا ونيوزيلندا مع قيام استراليا بإدارة الجزيرة .

كان الفوسفات يستخدم في العديد من الصناعات الكيميائية ومعظمه يذهب في صناعة الأسمدة للمحاصيل الزراعية وكان المزارعين الاستراليين والنيوزيلنديين أكثر المستفيدين من منتجات الفوسفات ، لكن ناورو لم تستفد كثيراً من معدنها الثمين لأن الواردات كانت تذهب إلى الدول المستعمرة مما دفع سكان الجزيرة إلى مقاومة تلك الدول لينتزعوا في النهاية استقلالهم عام 1968

اصبحت اغنى دولة في العالم وصارت حديث الاعلام

بعد الاستقلال استطاع سكان الجزيرة أن يتحكموا بصادرات الفوسفات التي وصلت إلى 23 مليون طن وبالتالي زيادة الواردات بشكل كبير وكان يتم توزيعها على عدد ضئيل من السكان مما أدى إلى زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وهو أعلى دخل للفرد في العالم ، أصبح سكان الجزيرة أثرياء بشكل كبير لدرجة أنهم تخلوا عن مهنتهم في الصيد والزراعة وكانوا منزعجين من العمل الشاق في تعدين الفوسفات لذلك كان يتم استيراد العمال من دول أخرى مثل كيريباتي وتوفالو وهونغ كونغ والفلبين حتى المديرين والمشرفين والفنيين وكبار المديرين الحكوميين يتم تعيينهم من استراليا وبريطانيا ونيوزيلندا .

كان #الثراء نقطة تحول كبيرة في حياة سكان الجزيرة الذين انتقلوا من #الفقر إلى #الغنى لدرجة أنهم لم يكونوا محتاجين إلى العمل ولم يعودوا مضطرين إلى الدفع مقابل الخدمات التي وفرتها لهم الدولة ، حيث قامت الحكومة بإلغاء ضريبة الدخل أما المنازل التي يتم بناؤها يتم استئجارها للمواطنين بمبلغ زهيد 4.30 دولار شهرياً ، ومنحت الحكومة أيضاً لكل مواطن تلفازاً كبيراً وأجهزة تكييف وأدوات كهربائية ووزعت عليهم السيارات الحديثة.

أما الخدمة الهاتفية فكانت مجانية وأيضاً قامت الدولة بجلب عاملات التنظيف الآسيويات لكل منزل ، والرعاية الصحية كانت مجانية بحيث أن المريض الذي يحتاج إلى علاج لا تستطيع المستشفيتان المحليتان توفيره يتم نقله بالطائرة إلى استراليا لتلقي العلاج على نفقة الدولة ، التعليم كان ايضاً بالمجان وكان الطلاب المؤهلين والراغبين بالحصول على تعليم عال يتم نقلهم للدراسة في الجامعات الاسترالية ، العائلات كانت تستأجر الطائرات الخاصة لأخذها في رحلات تسوق إلى جزر هاواي وفيجي وسنغافورة .

في وسط هذا الكم الهائل من الرفاهية أصبحت البطالة هي أسلوب حياة لسكان الجزيرة حيث وصلت نسبة البطالة إلى 90% وهي اعلى نسبة في العالم ، وبغياب الحاجة للعمل اتجه السكان لإقامة الاحتفالات حتى أصبحت عادة يومية لهم وأخذوا يبذرون أموالهم على المشروبات الكحولية والمخدرات واتبعوا نمطاً استهلاكياً متوحشاً لدرجة أنه إذا حدث عطل بسيط في سيارة أحدهم وهو يقودها على الطريق وبدلاً من إصلاحها يقوم برميها في المحيط ويتوجه إلى استراليا لشراء سيارة جديدة وبسبب ذلك انتشرت السيارات الصالحة للاستعمال في المحيط وعلى سطح الجزيرة ، كل مظاهر حياة البذخ هذه كانت بقيادة رئيس الجزيرة (بارون واكا) الذي كان يضحك دائماً بدون سبب ويقضي معظم وقته بالاحتفال مع السكان.

بقايا السيارات الفارهة

لم تكن الدولة تعرف ماذا تفعل بهذا الكم الهائل من المال لذلك كانت هناك محاولات لاستثماره في عدة مشاريع من ضمنها إنشاء شركة طيران ناورو لكن الشركة لم تحقق أي أرباح بسبب صغر حجم الجزيرة بالإضافة إلى أن عدد سكان الجزيرة في السبعينات لا يتجاوز 7.000 نسمة أما الرحلات فكانت تحتوي على 80% من مقاعدها فارغة ، هذه الخسائر دفعت الشركة إلى أن تفقد ترخيصها كشركة طيران تجارية ، في عام 1988 قامت الحكومة بجعل جميع الرحلات الجوية مجانية بحيث يمكن لأي شخص السفر إلى أي مكان مجاناً ، لكنه لم يكن القرار الصائب .

الاستثمار الآخر كان في مجال الفنون من خلال قيامها بعرض المسرحية الموسيقية ( ليوناردو: لوحة الحب) في لندن عام 1993 وتدور حول الرسام ليوناردو دافنشي ولوحة الموناليزا قامت حكومة ناورو باستثمار 5 ملايين دولار وبالرغم من ذلك لم يتم تحقيق أي نجاح يذكر حيث غادر معظم الحضور واعتبرت المسرحية أحد أكبر الكوارث في تاريخ مسرح لندن ، أدى ذلك إلى خسارة ناورو الأموال التي استثمرتها .

قامت #ناورو أيضاً بشراء سفن الرحلات البحرية والفنادق والعقارات في جميع أنحاء العالم من خلال صندوق حقوق ملكية الفوسفات لكن العديد من هذه الاستثمارات لم تحقق أي أرباح .

بحلول التسعينات ونتيجة لسنوات طويلة من التعدين المكثف انتهى الأمر بتدمير 80% من مساحة الجزيرة الصغيرة حيث تم استخراج كافة الفوسفات الموجود تقريباً نتج عن ذلك انخفاض صادرات الفوسفات من 500.000 طن إلى 22.000 طن فقط وهي نسبة قليلة مما أدى إلى انخفاض الواردات بشكل حاد ، وبحلول 2004 أصبح الاقتصاد في حالة يرثى لها وبدأت مخازن الفوسفات بالنفاذ، أما ظروف الحياة فقد أصبحت سيئة جداً حتى الخدمات الرئيسية لم تستطع الدولة توفيرها والكهرباء كثيراً ما يتم قطعها من باب التوفير والماء الصالح للشرب كمياته تقل كل سنة ، المتاجر أصبحت فارغة ولا توجد قنوات للبث التلفزيوني ، وتحولت الجزيرة إلى أرض قاحلة نتيجة جرف التربة السطحية وتركت القمم المتموجة منظراً خشناً وأصبحت الأرض غير صالحة للزراعة مما دفع السكان للعودة إلى صيد الأسماك كما كان يفعل أجدادهم وإلا الموت جوعاً، وكانت الحكومة غارقة في الديون وتكافح من اجل تسديدها ، أن سوء الإدارة المالية أدى إلى انهيار الاقتصاد .

حاولت ناورو الوقوف على قدميها من جديد عن طريق بيع جوازات السفر الاقتصادية مع قليل من الرسوم لتكسب ملايين الدولارات سنوياً لكن هذه المخططات الغير قانونية حولت الجزيرة إلى ملاذ للتهرب الضريبي وغسيل الأموال كذلك بيع جوازات السفر لن يحل المشاكل الاقتصادية فالجزيرة بحاجة شديدة إلى الإيرادات ، وبالرغم من ذلك كان هناك بعض الأفكار الناجحة وهو استخراج آخر فوسفات متبقي والذي من الممكن أن يقدم تعزيزات اقتصادية من خلال (مركز المعالجة الإقليمي) الذي تم إنشاؤه بالتعاون مع استراليا وهو باختصار مركز يستقبل طالبي اللجوء الذين يحاولون الوصول إلى استراليا بالقوارب يتم ارسالهم إلى ناورو مع تحصيل رسوم اللجوء ويساعد المهاجرون في أعمال ترميم هضبة توبسايد ومن الممكن اعتباره خيار لكسب العيش من خلال المساعدة في أعمال الاستصلاح واستخراج قمم الحجر الجيري المتبقية والتي تحتوي على العديد من المعادن المفيدة ، نجحت الفكرة نجاحاً كبيراً وازدهرت الإيرادات الحكومية وكان مركز المعالجة الإقليمي بمثابة تحول لاقتصاد البلد.

كان المصدر الآخر لنمو الاقتصاد هو صيد الأسماك حيث ازدادت عائدات تراخيص صيد الأسماك لسفن الصيد الأجنبية للسماح لها بالصيد داخل مياه ناورو الإقليمية ، كانت ناورو لديها ما يقرب من ربع امدادات سمك التونة في العالم وبزيادة الأسعار أدى إلى زيادة هائلة في رسوم التراخيص .

ثروة أخرى تمتلكها هذه الجزيرة الصغيرة وهي أشعة الشمس والتي يتم استغلالها لتشغيل أنظمة تنقية المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية لتوفير مياه صالحة للشرب كما دعمت الإمارات العربية المتحدة مشروعاً تجريبياً لتطوير مزرعة شمسية في توبسايد وهذا يساعد ناورو في التخلي عن اعتمادها على الديزل كمصدر للطاقة ، هناك أيضاً الاستثمار في قطاع السياحة المرتبط بموقع الجزيرة كمحور عبور شركات الطيران في وسط المحيط الهادئ .

يبدو أن الجزيرة قد تعلمت بعض الدروس من سوء الإدارة السابق وأصبحت دولة ذات دخل مرتفع لكن ليس كسنوات البذخ والثراء السابقة لأنها لا تزال دولة ضعيفة نسبياً .

اخر الإحصاءات تقريبا ربع السكان تحت خط الفقر .. وثلاثة ارباع السكان الاخرين بالكاد يعيشون فوق خط الفقر ويتوقع ان ينزل نصفهم تحت خط الفقر في السنوات القليلة القادمة .. نسبة البطالة 44 بالمائة

منذ اختفاء المظاهر الطبيعية للجزيرة في الثمانينات وتلف التربة وتدهور الزراعة دفع ذلك السكان إلى الاعتماد على الأغذية المصنعة والمعلبة التي شكلت جزءاً كبيراً من نظامهم الغذائي الذي يحتوي على نسبة كبيرة من السكريات والدهون والمواد الصناعية والتي يتم استيرادها من استراليا ونيوزيلندا، حتى المياه العذبة يتم شحنها عندما تفشل منشأة تحلية المياه في تلبية الاحتياجات، تدمرت الحالة الصحية للسكان بسبب الإفراط في الاكل أيام الثروة وأصبحت الجزيرة صاحبة أعلى معدل للسمنة في العالم بنسبة 97% ويبلغ متوسط وزن الجسم حوالي 100 كيلوغرام وكان 40% من السكان مصابين بمرض السكري وانتشرت عمليات بتر الأطراف بسبب السكري بالإضافة الإصابة بالعمى .عاش السكان أسلوب حياة خامل مع اتباع نظام غذائي غير صحي ، وقامت الحكومة بتشجيع السكان على السير حول محيط المطار كنوع من الرياضة بالإضافة لتنظيم جلسات التمرينات الرياضية باستمرار.

خريطة تظهر موقع جزيرة ناورو .. تستخدمها استراليا حاليا كمعتقل لطالبي اللجوء

أخيرا .. ماذا يمكننا أن نقول سوى سبحان مغير الأحوال. صحيح أن أن ناورو تعلمت من ماضيها وتكافح الآن لتستعيد مجدها الزائل، لكن يبقى الدرس المستقى من تاريخ هذه الجزيرة يمكن تلخيصه بجملة واحدة .. “سوء الإدارة والتخطيط” .. وهي آفة منتشرة على نطاق واسع ، سواء على مستوى الدول أو حتى الافراد ، فكم سمعنا مثلا عن لاعب كرة قدم أو فنان كان يلعب بالملايين في شبابه ثم اصبح يتسول في شيخوخته وذلك لأنه لم يخطط جيدا لمستقبله فراح ينفق دون حساب ظنا منه أن المال لن ينتهي أبدا ..