عرض كتاب (The fortune men – Nadifa Mohamed – Viking books 2021 – New York ) / طاهر المعزّ

110

طاهر المعزّ ( تونس ) – السبت 30/7/2022 م …

كان الصحافي البريطاني، من أصل صومالي، “فيصل علي”،  يعمل بصحيفة “غارديان”، ويقيم في لندن، وبلغه خبر نشر كتاب جديد للروائية البريطانية من أصل صومالي كذلك “نظيفة محمد”، نشرته دار “فيكينغ بوكس” – نيويورك 2021، بعنوان ( The fortune men ) عن حدث شهدته مدينة “كارديف” ( مقاطعة ويلز) خلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين، حيث تم اتهام البَحّار، المُهاجِر الصّومالي “محمود مَاتّان”، العامل بميناء (Tiger Bay ) بجريمة قَتْل لم يرتكبها، وتم إعدامُه شنقًا وظُلْمًا في أيلول/سبتمبر 1952، بتهمة قَتْل البريطانية البيضاء “لِيلِّي فولبرت”، وتمت تبرئته من التهمة سنة 1998، بعد 46 على إعدامه ظُلْمًا، وقدّمت الكاتبة هذه الرواية على أنها: غوص في التاريخ العنصري (بما في ذلك العنصُرية القوانينية) لبريطانيا، من خلال حياة وموت شخصية “إنسان غير مُهمّ، بما إنه مهاجر صومالي، وعامل بميناء تايغر باي …”

 اهتم “فيصل علي ” بأمر الكتاب، واتّصَلَ بالمُؤلّفة، وكتب تعليقًا بشأنه في موقع  ( Africa is a country )، ويعود اهتمامه بالكتاب لعدّة أسباب، منها أن الكاتبة من أصل صومالي ولأن الكتاب نال بعض الشّهرة، وتم ترشيحه لِنَيْل بعض الجوائز الأدبية، منها جائزة “بوكر”، ولأن الصحافي (فيصل علي) نشأ في مدينة “كارديف”، حيث كان جَدُّ أبيه مُستقرًّا، ومناضلاً شيوعيًّا…     

كان جدّ الصحافي “فيصل علي” (جَدُّ أبيه) يعيش في مدينة “كاريف” خلال تلك الفترة، وكان حاضرًا في الرواية، وفي محاكمة “محمود ماتان”، باسم “دعاء الله الشيوعي” ( Dualleh the Communist )، لأنه كان من العناصر الشيوعية البارزة بالمدينة، لكن شرطة “كارديف” التي تراه حاضِرًا في كل تظاهرة أو احتجاج أو إضراب، سجلت في أرشيفها أن الشيوعيين غرّروا به وارتبط دون أن يَعِي “رَمْز المطرقة والمنجل”، ما ينم عن عقلية عُنْصُرِية مُتأَصِّلَة في المُؤسّسات البريطانية التي تعتبر أن المُهاجِرَ جاهل بطبعه، ولا يمكنه أن يفهم الشيوعية، أي يمكن استغلاله ولن يعي مصالحه الطبقية ولن يتمرّد أو يثور، وإن ثار فإن ثورتَهُ غير واعية…  

قرأت الكاتبة “نظيفة محمد” في إحدى الصّحف البريطانية، سنة 2004، مقالاً عن “لورا”، زوجة محمود ماتان التي بقيت صورة زوجها المظلوم ماثلة أمامها طيلة أكثر من ستة عُقُود، وذَكرت المناخ الإجتماعي والسياسي الذي عاشه والِدُها خلال فترة إعدام محمود ماتان، وكتبت روايتها الأولى عن والدها ثم كتبت هذه الرواية، بعد سنة واحدة من وفاة جورج فلويد بأيدي ضباط شرطة مينيابوليس. (الولايات المتحدة)، وكذلك بعد سنة واحدة من وفاة ابن مدينتها “محمود حَسن” الذي تم تعذيبه من قبل شرطة مدينة “كارديف” بجنوب مقاطعة “ويلز”، سنة 2020، وتوفي بعد وقت قصير من إطلاق سراحه وكان يحمل آثار الضرب والتعذيب والدّماء، وأفْلَتَ مُعذّبوه وقاتلوه من العقاب، حيث تمّ التّكتُّم على جريمتهم…

بحثت الكاتبة “نظيفة محمد” في الوثائق المحفوظة بالمدينة وعَنْها “لإعادة الحياة” لمناخ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (بداية خمسينيات العقد العشرين) وحياة الطّبقة العاملة، والعُمّال المهاجرين (خصوصًا من الصّومال والقَرْن الإفريقي واليمن)، والمناضلين الشيوعيين، وحياة المدينة في تلك الفترة، والعُنْصُرية المُتفشية التي جعلت من عامل مُهاجر من الصّومال، آخر رجل ينفذ فيه حكم الإعدام شَنْقًا ببريطانيا، وكان جَدُّ والد فيصل علي من مُؤسِّسي “رابطة الشباب الصّومالي” في مدينة كارديف العمالية، حيث توجد جاليات من كافة أنحاء مُستعمَرات بريطانيا، وكانت المناضلة النِّسْوية الإشتراكية “سيلفيا بانكهورست” ( 1882 – 1960) من معارف الجَدّ بالمدينة، بسبب مناهضتها للسياسة الإستعمارية، وبذلت المؤلّفة نظيفة محمد جهدًا كبيرًا لإعادة الحياة لهذه الفترة، حيث تمّت محاكمة وإعدام محمود ماتان، وبحثت في الوثائق القانونية والطّبّيّة، وأجْرت بحثًا جنائيًّا عن محاكمته، ونجحت في تقديم نظرة ثاقبة للمشهد العام لسياق هذه المأساة، قبل أن تقوم السُّلُطات (والمُؤسّسات الإعلامية) ب”تنظيف” الوثائق والتاريخ، لكي تنسى الأجيال اللاحقة من العُمّال ومن الفُقراء والمُهاجرين هذا الظّلم، ويعترف “فيصل علي” أنه كان يجهل جزءًا من تاريخ الظّلم وكذلك نضال الطّبقة العاملة بالمدينة التي نشأ وترعرع بها ثلاثة أو أربعة أجيال من أُسْرَتِهِ، ويتساءل إن كان في تبرئة محمود ماتان، سنة 1998، بعض العزاء لأرملته “لورا” ولأبنائه، وتمكّنت الكاتبة “نظيفة محمد”، ببراعة، من إظْهار خلفية هذه المأساة، التي تسبب بها مجتمع بريطاني شديد العُنْصُرية، بمؤسساته الحكومية والإعلامية والتعليمية والثقافية،  وفي الرواية، يجسد ضابط شرطة الرأي السائد آنذاك، بقوله: “الموانئ مملوءة بالمراوغين الأشرار ذوي البُشرة الدّاكنة، وبهؤلاء الشيوعيين والخونة…”

نشرت “نظيفة محمد” روايةً سابقة، سنة 2010، بعنوان “بلاك مامبا بوي”، مُستوحاة من قصة والدها الذي كان أيضًا بحارًا صوماليًا جاء إلى بريطانيا في نفس عمر محمود ماتان تقريبًا، ما يجعل حياة الرّجُلَيْن العامِلَيْن المُهاجِرَيْن، متداخلة، إذ كان والد الكاتبة يعيش نفس ظروف “ماتان” من استغلال وظُلْم وعنصرية، وما تحويه من احتقار لثقافة الآخر، ومن الإهانات والتهكم، ولكنها حياة مليئة بالنضال من أجل بناء حياة أفضل، في بيئة غير مُريحة، ومعادية تمامًا، ومحفوفة بالمَشاق والمخاطر، وكان محمود ماتان واعيًا بكل ذلك، وبقي على وعْيِه، حتى لما حرمه الحُرّاس من الماء، وعندما كان يواجه عقوبة الإعدام، حيث ينعت جلاديه وسجانيه وقاتليه بالحَقِيرين، ما يُمثّل درجة عالية من الوعي والتّحدِّي…

يمثل هذا الكتاب، وهو الرابع لهذه الكاتبة الشّابّة، صاحبة عدد من الجوائز، تكريمًا للطبقة العاملة ولمناضليها المُهاجرين والشيوعيين الذين قاوموا الإستغلال والإضطهاد والعُنصُرية والقهر، وتكريمًا لوالد الكاتبة “نظيفة محمد” (وهي مولودة سنة 1981)  ولجَدّ الصّحافي “فيصل علي”، وللجيل الذي عانى من الإقصاء، لكنه أَصَرّ على النّضال وعلى اكتساب بعض الحُقُوق، وما على الأجيال اللاحقة سوى تسلُّم المشعل ومواصلة النّضال…