بغداد بين احتلال المغول والجيش الأمريكي … بغداد قبل الغزو الأمريكي الأطلسي / ترجمة بتصرّف الطاهر المعزّ

228

الطاهر المعز ( تونس ) – الجمعة 24/6/2022 م …

* ملخص مترجم من اللغة الإنجليزية (ترجمة غير رسمية وغير محترفة) عن صحيفة “Counterpunch” – 24 يونيو 2022، بتصرف وإضافات بشأن العنوان وبعض التفاصيل والتّواريخ…

توسّعت الدّولة الأموية (عاصمتها دمشق) بين عامي 661 و 750 إلى الهند والنوبة ومصر وإسبانيا، وأثبت غزو الإسكندرية أنه كان مجزيًا للغاية، لأنه من خلال الاستيلاء على المدينة، وضع العرب أيديهم على المخطوطات القديمة الباقية لمكتبة البطالمة (بطليموس)، وهي خزانة غنية بالمخطوطات اليونانية العلمية والفلسفية، وفي 750 ، حلت الدولة العباسية محل هذه الدولة الأموية واتخذت من بغداد عاصمة لها، وهي مدينة ذات موقع استراتيجي على نهر دجلة.

دُمِّرَتْ بغداد عندما احتلّها المغول سنة 1258 م، مما أسفر عن مقتل مئات الآلاف من البغداديين وحرق عشرات الآلاف من المخطوطات ونهب وتدمير ما يزيد عن 500 عام من الإنجازات الثقافية التي كانت تُمثّل ذروة الحضارة العربية في العراق. وكان التّدمير الثاني والأشدّ خرابًا، 2003 ، عندما حوّلت جُيُوش أمريكا برئاسة بوش الأبن وتابعه البريطاني توني بلير (اثنان من برابرة العصر الحديث) وحلفاؤهما، بغداد إلى ركام، لتكتمل بذلك عملية الدّمار الشامل التي بدأها بوش الأب سنة 1991 ، والحصار والقصف الجوي الذي نفذه الجيش الأمريكي، في ظل رئاسة كلينتون، وطيلة عشر 10 سنوات، وأدّى الحصار إلى موت مليون طفل من سوء التغذية ونقص الأدوية، وكذلك بسبب اليورانيوم المنضب والأسلحة المسرطنة وأسلحة الدمار الشامل الأمريكية.

كانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت فخورة بدعم هذه الجريمة ضد الإنسانية التي ينبغي أن تذكر العرب بحروب الفَرَنْجَة، أو “الحروب الصليبية” كما يُسميها المُعتدون الأوروبيون…

شارك قادة الناتو وخبراؤه ووسائل الإعلام والسياسيون الذين تسببوا اليوم في الحرب الدّائرة في أوكرانيا، في مذبحة وتهجير (نزوح) ملايين المدنيين العراقيين والسوريين واليمنيين والليبيين والأفغان والفلسطينيين، ورَوّجَ هؤلاء القادة للجشع وكراهية الأجانب والعنصرية والتعصب والحقد، لتوليد الدعم للتدمير “الغربي” للعديد من البلدان العربية، ولإنهاء فترة من الازدهار المادي والفكري.

المساهمة العربية في تنمية البشرية

اخترع الصينيون الورق حوالي سنة 105 م، وهو سر احتفظوا به لأكثر من 500 عام، وقبل نهاية الفترة الأموية بقليل، كشفَ سجين صيني سِرَّ صناعة الورق إلى شجّانيه العرب الذين أدْرَكُوا أهمية ذلك، لتنتشر صناعة الورق وتُصبح شائعة على نطاق واسع. وبناءً على ذلك ، تم تأليف الكتب من قبل علماء عرب وفرس وتم جمعها في مكتبات من بلاد فارس في الشرق، وحتى سردينيا والأندلس في الغرب، بداية من سنة 1151 م، في قلنسية ( فالنسيا ) التي كانت تحت حُكْم العرب، ثم انتشرت صناعة الورق واستخدامه في جميع أنحاء شبه الجزيرة الايبيرية.

استفاد العباسيون من هذا الاختراع وأقاموا المكتبات بجوار المساجد، حيث يعيش الطلاب القادمون من أصقاع العالم، وروى الرّحّالة ابن بطوطة ( 1304 – 1368 ) في القرن الرابع عشر، أن المُدَرِّس (العالِم) يجلس على كرسي مغطى بالسجاد ويُشرف على النّدوات، أما خلال الدّروس التعليمية، فكان للأستاذ مساعدان على يمينه ويساره، ينقُلان كل ما يمليه عليهن لتدوين ذلك فيما بعد، وأصبح هذا التقليد شائعًا للغاية ونَقَلَهُ العرب إلى جميع المناطق التي غَزَوْها، وتم نقل هذا الأسلوب في التدريس إلى جامعة بادوفا (إيطاليا) التي كانت أول مركز تعليمي في أوروبا، وأصبحت هذه الطريقة معيارًا في أديرة العصور الوسطى والجامعات الوليدة في جميع أنحاء أوروبا، وصمم توماس جيفرسون (1743 – 1826) جامعة فيرجينيا (الولايات المتحدة) على هذا النّحو.

يقول المؤرخ الفرنسي جان سوفاجيه ( 1901 – 1950 ) أن الورق “كان ذا أهمية قصوى في القرن التاسع [في بغداد] حيث أقيمت مكتبات جيدة التجهيز حول المسجد الرئيسي، بالإضافة إلى المكتبات العامة المفتوحة للجميع، وانتشرت غرف القراءة حيث يمكن للجميع، مراجعة الكتاب الذي يختارونه، مُقابل بعض الرُّسُوم “.

أصبح هارون الرشيد خليفة، سنة 786، ووصف المُؤرخون عهده بالعصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، وفي عهد ابنه المأمون أصبحت بغداد مركز العالم المعروف آنذاك، فقد كان مشغوفًا بالعِلْم وبحث المأمون عن المعرفة حيثما كانت، وأحاط الخليفة نفسه بالعلماء والفقهاء واللاهوتيين والمعاجم والمحللين وعلماء الرياضيات والجغرافيا وعلماء الأنساب، ومَكّن العلماء من تَبَوُّإ مراتب عالية، وأشار المستشرق الفرنسي “غاستون ويت” ( 1887 – 1971 ) أنه “يجب على الغربيين أن يعربوا علنًا عن امتنانهم لعلماء العصر العباسي، الذين كانوا معروفين ومُحترمين في أوروبا خلال العصور الوسطى”. علاوة على ذلك ، كان الخليفة المأمون هو المحرض على ترجمات الأعمال اليونانية إلى العربية، وأسس أكاديمية بغداد “بيت الحكمة” حيث يوجد علماء تمت دعوتهم وتجميعهم من جميع الأعراق والأديان للعمل هناك سَوِيّةً، وتمثلت مهمتهم في الحفاظ على التراث العالمي، كما جعل الخليفة المأمون من بغداد مدينة فريدة ومركزا للعلم وللتجارة، فكان مشهد السفن الصينية مألوفا في موانئ بغداد (على نهر دجلة) والبصرة، وكان الأوروبيون يتبادلون السّلع مع التجار الصينيين، في بغداد والبصرة، كما كانت مدينة بغداد تضم عددًا كبيرًا من القلاع والحمامات ومراكز التعلم والاستجمام.

قبل وفاته سنة 1071 م، كتب “الخطيب البغدادي” أعظم أعماله “معجم ثروات بغداد”، وذكر أهمية أسواقها، وعدد علمائها وشخصياتها المهمة، وفي العام 1299 ، أطلق الجغرافي / الببليوغرافي ياقوت الحموي على المدينة لقب “أم الدنيا ، سيدة البلدان”.

قبل إعادة اكتشاف فلورنسا لجذورها اليونانية والرومانية فيما يسمى ريناسيمنتو، أطلقت دمشق وبغداد عصرًا ذهبيًا لم يسبق له مثيل بين العرب والمسلمين، وأصبحت بغداد بوتقة انصهار عالمية، تربط الفكر اليوناني والروماني القديم بالتقاليد الصينية والهندية والفارسية القديمة، وفي النهاية نقلت هذا الازدهار الغني بالثقافة العربية إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية وسردينيا.

في العصر العباسي ، تم إنشاء أربعة مراكز تعليمية: بيت الحكمة الرّسمية في بغداد ودار الكتب في البصرة ودار العلم، ومكتبة جامع الأزهر في القاهرة، والعديد من المكتبات ومراكز التعلم الأخرى تم إنشاؤها في باليرمو في صقلية وخلال العصر الذهبي للأندلس في غرناطة وطليطلة وقرطبة وإشبيلية.

كانت بغداد مركزا علميا وثقافيا انبثقت منه حماسة كبيرة للتعلم، وتُرجمت آلاف الكتب إلى العربية من الفارسية والسنسكريتية والصينية واليونانية واللاتينية، وتم نسخ آلاف الرسائل العلمية وكانت بمثابة الأساس لإنتاج عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات العربية الضخمة والأعمال الأصلية التي تضمنت موضوعاتها الفقه وعلم الفلك والبصريات وعلم التشريح (مصور بالكامل) وعلم النبات (بما في ذلك الرسوم التوضيحية للنباتات والحدائق الطبية)، وأدوات الملاحة والإبْحار (الإسطرلاب) ورسم الخرائط، وكتابة السير الذاتية، وعلوم التأريخ وعلم المعادن، وغيرها، وتم نشر الشعر والنثر وأدب الرحلات والمخطوطات الموسيقية، والعديد منها مع المخططات والرسوم التوضيحية (بما في ذلك الأعمال الفنية المصغرة) وتم جَمْعُها في مخطوطات وكتب…

برع العباسيون في مجال العمارة وفنون النسيج، وفي مجال التصميم الغرافيكي، تم نقش الخط العربي الغني بالخطوط والإنحناآت والإيماآت الأنيقة داخل وخارج المباني، وتم مزج البلاط المزجج بالفسيفساء ذات الرّسوم المعقدة، متعددة الألوان على الأسطح الداخلية والخارجية بثراء كبير. كان الخط أيضًا متشابكًا في فنون الألياف ونُقِش على المزهريات المعدنية والزجاجية والخزفية والبرونزية وغيرها من أواني الزينة والأواني الوظيفية المُستَخْدَمَة في الحياة اليومية، وانتشرت فُنون الزخرفة الجدارية وزخرفة المائدة والأثاث والأواني، وأضاف لها الفن الشّامي (الدمشقي ) ترصيع عرق اللؤلؤ في الأثاث والأدوات المنزلية وزخرفة قطع الخشب المقطوعة مسبقًا بألوان مختلفة وأنماط كبيرة على الأثاث وأشياء أخرى …

تضرّرت عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات في بغداد بين القرنَيْن العاشر والثاني عشر، بسبب الرطوبة والفيضانات وخمسة عشر حريقًا كبيرًا، ما تسبب في إتلاف أعداد كبيرة من الكتب والمخطوطات التي لا تقدر بثمن، لكن أسوأ دمار حدث سنة 1258 م عندما غزاها هولاكو خان ، حفيد جنكيز خان، الذي دَمّرَ المدينة وحوّلها إلى رُكام، تمامًا كما فعل بوش الأب والإبن، وحلف شمال الأطلسي، وحوّل هولاكو المدينة إلى مجرد حطام وذبح مئات الآلاف، وقدّر البعض عدد الضّحايا بحوالي مليون شخص في العراق، حيث تم إحراق جميع مكتبات بغداد، وتحويل المساجد إلى إسطبلات لخيول الغُزاة، وألقيت آلاف الكتب في نهر دجلة، كتب المؤرخون الذين نجوا من الموت في ذلك الوقت إن عدد الجثث والمخطوطات المتناثرة في النهر كان كبيرًا جدًا لدرجة أنها شكّلت سدودًا صغيرة تُمكّن الناس من العبور فوق الكتب، بيْن ضفّتَيْ النّهر، وأفاد الشهود أيضًا أن مياه النهر تحولت إلى اللون الأسود بسبب الحبر المتحلل، وظلت كذلك لأسابيع، وأكد مؤرخ في ذلك الوقت ان “كليات بغداد اجتاحها النهر وشكلت كتبها جسرا مر فوقها الفرسان والمشاة وأصبحت المياه سوداء تماما بعد ان سال حبر مخطوطاتها”. (غاستون ويت، الصفحات 122-124)

سيطر الإغريق والرومان على عصر ما قبل المسيح، ثم سيطر العرب على القرون الأربعة التي سبقت العصور الوسطى، وأثناءها، ويقول المستشرق برنارد لويس (في مرحلة ما قبْلَ بَثِّ سُمُومِهِ العنصرية) “… بحلول القرن الحادي عشر أصبحت اللغة العربية ليس فقط الأداة الرئيسية للاستخدام اليومي، من بلاد فارس إلى جبال البرانس، ولكن أيضًا الأداة الرئيسية للثقافة، فَحلت محل اللغات القديمة للثقافة القبطية والآرامية واليونانية واللاتينية…”

رافق احتلال العراق عام 2003 تدمير البنية التّحتية ومحطات معالجة المياه وشبكات الكهرباء والمطارات والطرقات والمصانع والمباني السكنية والعامة والخاصة وناطحات السحاب والجسور والسدود والمدارس والمستشفيات والمساجد والفنادق التي تواجد فيها صحفيون دوليون، وكذلك الموانئ ومواقع تاريخية وثقافية، وارتكب الجيش الأمريكي وحلفاؤه عمليات القتل العَمْد لمئات الآلاف من المدنيين، وسدّد “جوليان أسانج” ثمناً باهظاً، لنشر وثائق تثبت جرائم القتل، واغتصاب الفتيات المراهقات أمام عائلاتهن (ثم حرق جثث عائلات بأكملها لتدمير الأدلة)، وما حصل بسجن أبو غريب سيئ السمعة، والتعذيب السادي، بالإضافة إلى السرقات من البيوت والمباني العمومية ونهب التراث العراقي والكنوز الثقافية، وتعد هذه السرقات مُواصَلَة للممارسات الاستعمارية لبريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وما إلى ذلك، ويكفي عمل جرد للأعمال المعروضة في متاحف اللوفر والمتحف البريطاني أو مكتبة برلين، لمُعاينة السرقة والنّهب…