مرايا الفكر (20) – الحلقة الأخيرة / د. عدنان عويّد

116

د. عدنان عويّد* ( سورية ) – الجمعة 3/6/2022 م …

* مفكر وباحث …

مرايا فكرية – الحلقة (20) – الحلقة الأخيرة

    *  مراد غريبي يحاور الباحث الأكاديمي النهضوي د. عدنان عويّد.

   **  خاص موقع صحيفة المثقف: يستضيف موقع صحيفة المثقف, الباحث الأكاديمي الأستاذ الدكتور عدنان عويّد، ضمن مرايا فكريّة، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول قضايا الفكر والهوية واللغة والنهضة في العالم العربي، فأهلا وسهلا بهما:

 المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

     س21: أ. مراد غريبي: كيف يمكن لاهتمامك بالمجتمع المدني أن يفيدك في فهم ما يصلح للإنسان العربي وحياته المستقبلية؟

     ج21: د. عدنان عويد: دعنا نتعرف على مفهوم المجتمع المدنيّ أولا، فالمجتمع المدنيّ في سياقه العام، هو المجتمع الذي تجاوز في علاقاته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، مجتمع العشيرة والقبيلة والطائفة، وهو المجتمع الذي راح يُحكم بالقانون ودولة المؤسسات، ولم يعد يحكم بالعرف والعادة والتقليد. وهو المجتمع الذي أصبحت فيه المواطنة جوهر العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، وبين الفرد والمجتمع والدولة من جهة ثانية، وهنا تضعف التراتبيّة إلى حد كبير في تحديد طبيعة هذه العلاقة من الناحيّة الاجتماعيّة والسلطويّة والاقتصاديّة، داخل المجتمع المدنيّ، كما تسود في هذا المجتمع الثقافة العقلانيّة التنويريّة التي تركز على القيم الإنسانيّة واعتبار الإنسان سيد قدره ومصيره، لا ثقافة النقل والمطلق وتقديس الأفكار والأشخاص والثبات والسكون والتحجر والشكلانيّة. أو بتعبير آخر إقصاء ثقافة الأموات والهروب من الدنيا والتفكير بعذاب القبر والبحث عن حور العين وأنهار السمن والخمر والعسر. أي الغاء ثقافة الأموات, وتبني ثقافة الأحياء.

     أمام هذه المعطيات المتعلقة بمفهوم المجتمع المدنيّ، يطرح السؤال التالي نفسه علينا وهو: أين واقعنا العربيّ بكل مستوياته أو مكوناته من هذا المجتمع؟.

     لا شك أن الاجابة ستكون، بأننا بعيدون كثيراً عن عالم هذا المجتمع، ونحن لم نصل إلية بعد في علاقاتنا السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، لا على مستوى حياة الفرد أو المجتمع أو الدولة. نحن لم نزل نعيش حياة المجتمعات التقليديّة المشبعة بمرجعياتها التقليديّة، وسياستها القائمة على (العقليّة اللدنيّة / عبادة الفرد) أي الإيمان بدور الفرد الكاريزما إن كان داخل بنية العشيرة أو القبيلة أو الطائفة أو الطريقة الصوفيّة أو الحزب أو قيادة الدولة. أما دولنا فهي دول ما قبل الدول، دول تمثلت في الشكل مهمة الدولة الحديثة، من حيث مؤسساتها وعلمها ودساتيرها وحتى صناديق انتخاباتها، ولكنها في الجوهر بعيدة كل البعد عن جوهر الدولة المدنيّة. فالدساتير في مضامينها النظريّة عند الكثير من دولنا العربيّة مليئة بمفاهيم الحريّة والعدالة والمساواة ودولة القانون والمواطنة، ولكنها في التطبيق بعيدة كل البعد عن هذه المضامين، حيث تتجلى في الممارسة سياسات القهر والظلم والاقصاء والاستبداد والتحكم بالسلطة ومحاربة المختلف، وعلى مستوى البرلمانات، تجري بطريقة تسويقيّة محددة نتائجها سلفاً, إما عن طريق التعيين من قبل الحاكم بأمر الله، أو تجري بطريقة ديمقراطيّة صوريّة مدروسة وموجهة لخدمة الحاكم بأمر الله أيضاً. أما على مستوى الاقتصاد فهناك أنماط متعددة للإنتاج يغيب فيها وضوح الخط الاقتصاديّ، فلا هو اقتصاد سوق رأسماليّ، ولا هو اقتصاد سوق اشتراكيّ أو اجتماعيّ، بل هو اقتصاد سوق هجين يعمل على خدمة القوى البرجوازيّة البيروقراطيّة التي تتحكم بالمواقع السياسيّة والإداريّة الهامة في الدولة ومن يدخل في نطاقها وخدمة لها من البرجوازيّة الطفيليّة في المجتمع. هذا عدا عن كونها لم تزل محكومة سياسيّاً وفكريّاً بأيديولوجيات أثبت الزمن فشلها وعدم قدرتها على مجاراة حركة الواقع، لذلك نجد أن حواملها الاجتماعيين من رجال دين أو رجال سياسية وضعيين عملوا وبشكل قسريّ على ليّ عنق الواقع كي ينسجم مع أيديولوجياتهم المفوته حضاريّاً.

    هذا غيض من فيض التردي والتخلف في واقع دولنا ومجتمعاتنا، لذلك لا بد لنا من طرح رؤى وافكار واتخاذ سلوكيات تنسجم مع الواقع المعيش من جهة، وتعمل على تغيير هذا الواقع دائما لمصلحة الفرد والمجتمع من جهة ثانية. فنحن بحاجة لفكر عقلانيّ بعيد عن الفكر الأيديولوجيّ الجامد والمتحجر… نحن بحاجة لرؤى فكريّة سياسيّة واقتصاديّة وقانونيّة وإداريّة ومجتمعيّة تطابق واقعنا وتراعي خصوصياته، وهذا لن يتحقق إلا من خلال حوامل اجتماعيّة مؤمنة بوطنها وشعبها ومصالحهما، وهي تستطيع من خلال وصولها إلى السلطة عن طريق الشعب، وبوسائل انتخابيّة نزيهة، أن تدير شؤون البلاد والعباد لإخراجهم من مازق التخلف البنيويّ الذي هم فيه، وبالتالي محاسبة من يفشل في تحقيق هذه المهمة وإقصائه. وهذا الأمر لن يأتي بالنوايا الحسنة ولا بالدعاء وكثرة السجود، فلا بد من حراك شعبيّ غير حراك ما سمي بثورات الربيع العربيّ التي مارست حوامله كل موبقات الثورات، فكانت النتيجة كره الشعب للثورة وللديمقراطيّة وللحريّة وللعلمانيّة وللدين معاً، لتعود بعض الدول العربيّة كمصر وتونس والجزائر إلى حكم العسكر من جديد بعد ان أسقطت هذه الثورات أنظمتها الشموليّة.. نحن بحاجة لثورات شعبيّة معقلنة لا تستخدم السلاح والعنف السلبيّ، نحن بحاجة لثورات سلميّة تحاصر القوى المستبدة المتمسكة بالسلطة حتى ترضخ لمطالب الشعب العقلانيّة.

حاوره: الأستاذ مراد غريبي – صحيفة المثقف

14 – 1 – 2022

https://www.almothaqaf.com/c/d5/960770

 

[email protected]

https://www.almothaqaf.com/c/d5/960517