رحيل الشاعر الشيوعي العراقي مظفر النواب بعد 45 عاما من المنفى والشتائم للحكام العرب

371
رحل بعد 45 عاما من المنفى والشتائم للحكام العرب.. مظفر النواب
مدارات عربية – الجمعة 20/5/2022 م …
كتب علي سعادة – 
لم يقوى في أخر أيامه إلا على قول جملة واحدة: “متعب مني.. ولا أقوى على حملي”.
كان يقتله نصف الدفء، ونصف الموقف أكثر.
بروحه المتمردة تملص ونجا من الخيوط التي كانت تنسجها الأنظمة العربية وتحيكها حوله.
شاعر ومعارض سياسي وناقد، تعرض للملاحقة وسجن في العراق، تنقل في المنفى في عدة عواصم عربية ومدن أوروبية أخرى.
عرفه القارئ العربي كشاعر مسموع عبر الكاسيت والأمسيات أكثر منه شاعرا مقروءا، ومن خلال قصيدته الأشهر “يا قاتلتي” التي عرفت عربيا بقصيدة “القدس عروس عروبتكم”.
يعود مظفر النوّاب المولود في بغداد عام 1934، بأصوله إلى عائلة يعود نسبها إلى الإمام موسى الكاظم، سافر أجداده إلى الهند أيام حكم العثمانيين للعراق، وهناك تولت العائلة الحكم في إحدى الولايات الهندية ثم عادت إلى موطنها الأصلي العراق بضغط من سلطات الاحتلال الإنجليزي بالهند بسبب مقاومتها للاحتلال.
من حيث ديانة مظفر النوّاب ومعتقداته فقد ولد لعائلة مسلمة شيعية. ولا يظهر تشييعه بشكل واضح في قصائده وإن حملت قصيدته الطويلة جدا “وتريات ليلية” الكثير من الإشارات المستوحاة من موقعة “الجمل” و”كربلاء” و “رأس الحسين”.
كانت عائلته على علاقة وثيقة بالموسيقى والفن، وتأثر النوّاب بعائلته منذ صغره، واكتشفه معلمه في المدرسة والتمس موهبته الفطرية في نظم الشعر وموسيقى وإيقاع الجملة.
بدأ كتابة الشعر في مرحلة المدرسة الإعدادية في مجلة الحائط المدرسية. وحين كان مظفر طالبا في كلية الآداب بـ”جامعة بغداد” تعرض والده إلى هزة مالية أفقدته ثروته فعانى مظفر من قسوة الحياة بسبب ظروف أهله المادية الصعبة وخسارتهم لقصرهم الذي كان يعج بالندوات الثقافية.
هذه النكبة العائلية لم تمنع مظفر من إكمال دراسته الجامعية والانتساب فيما بعد إلى جامعة “فانسان” الفرنسية حيث سجل رسالة ماجستير كان موضوعها “باراسايكولوجي” أو القوى الخفية في الإنسان.
انضم إلى “الحزب الشيوعي” العراقي في مرحلة مبكرة من حياته مما عرضه للاعتقال والتعذيب في العهد الملكي. وبعد سقوط النظام الملكي في العراق عام 1958 عين مفتشا فنيا بوزارة التربية والتعليم في بغداد.
اضطر عام 1963 لمغادرة العراق، بعد اشتداد التنافس بين القوميين والشيوعيين الذين تعرضوا إلى الملاحقة من قبل النظام الحاكم، فكان هروبه إلى الأهواز عن طريق البصرة، إلا أن المخابرات الإيرانية (السافاك) ألقت القبض عليه وهو في طريقه إلى روسيا وسلمته إلى العراق، فحكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام، بسبب أحد القصائد التي كتبها، إلا أن المساعي التي بذلها أهله أدت إلى تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد. وفي سجنه الصحراوي ” نقرة السلمان” القريب من الحدود السعودية العراقية، أمضى وراء القضبان مدة من الزمن ثم نقل إلى سجن “الحلة” الواقع جنوب بغداد.
نفذ مع رفاقه في السجن عملية هروب أقرب إلى سينما هوليوود وفيلم ستيف ماكوين “الهروب الكبير” حيث حفر مع مجموعة من السجناء نفقا للخروج من الزنزانة يؤدي إلى خارج أسوار السجن، وبعد الهروب المثير من السجن توارى عن الأنظار في بغداد، وظل مختفيا فيها ثم سافر إلى جنوب العراق وسكن الأهوار، وعاش مع الفلاحين والبسطاء ما يقارب العام.
في عام 1969 صدر العفو عن المعارضين فرجع إلى سلك التعليم مرة ثانية مدرسا في إحدى المدارس. ثم غادر بغداد مع تسلم “حزب العبث” السلطة إلى بيروت انتقل بعدها إلى دمشق، وظل يسافر بين العواصم العربية والأوروبية، من بينها القاهرة وطرابلس والجزائر والخرطوم، وظفار (سلطنة عُمان) أيام ثورتها، وإريتريا وإيران (بعد سقوط الشاه) وفيتنام وتايلند واليونان، وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وفنزويلا والبرازيل وتشيلي. واستقر بهِ المقام أخيرا في دمشق.
لفت النوّاب الأنظار إليه منذ عام 1969 بقصيدته “قراءة في دفتر المطر”، وعرفه الجمهور العربي من خلال ملحمته الشعرية “وتريات ليلية” التي كتبها بين عامي 1972 و1975، وظهر فيها ملتزما بقضايا العرب القومية السياسية والاجتماعية ولم يترك حاكما عربي إلا وشتمه في تلك القصيدة التي وصل عدد كلماتها إلى أكثر من 5 آلاف كلمة.
اشتهر منذ أوائل السبعينيات بشعره السياسي المعارض والموغل في نقد الأنظمة العربية الحاكمة نقدا لاذعا يصل أحيانا “الشتائم البذيئة”، ونتيجة لذلك نجا بأعجوبة من محاولة اغتياله في اليونان عام 1981.
عاد النوّاب إلى العراق عام 2011 بعد 40 عاما من الغياب قضاها في المنافي، لكنه عاد مريضا بعد أن أتعبه مرض الشلل الرعاشي (باركنسون).
شتمه للحكام العرب جعله عرضة للتهديد بالسجن وحتى بالقتل من عدة عواصم عربية، وهي ميزة، يعلن مظفر النوّاب في حوار صحافي سابق، تمسكه بها يقول: ” الحكام العرب هم شتيمة أكبر من أي شتيمة. لقد شتمونا بكل تصرفاتهم. وشعري لا يقتصر على جانب الشتيمة. الشتائم تمثل جانبا قليلا منه، أما الجانب الآخر فهو الذي يتناول القضايا الجمالية الإنسانية، وقضايا الجماهير. لنعد إلى الشتيمة التي أطلقها بحق الحكام. في الواقع هي أقل ما يمكن فعله.”
بدأت عزلته باختياره دمشق مقاما أواخر تسعينيات القرن العشرين براتب خصصه له الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، فاكتفى بداية بالجلوس في مقهى “الهافانا” مرتين أو ثلاثا أسبوعيا، ثم أصبحت مرة يتيمة قبل أن يعتزل نهائيا في بيته الذي لم يفارقه إلا ليلتقي القليل من الأصدقاء في أوقات متباعدة.
وظهر مرة على الفضائية السورية ليرثي الأسد بعد رحيله عام 2000.
يأخذ بعض النقاد على النوّاب أنه أبدى تأييده لإسقاط نظام صدام حسين عام 2003 على أيدي قوات التحالف الدولي بقيادة أميركا، حيث أقام عدة أمسيات ابتهاجا بذلك كانت إحداها في مدينة أبو ظبي عام 2005. كما ظهر على شاشات الفضائيات العراقية والعالمية وهو يدلي بصوته في الانتخابات العراقية أيام الاحتلال الأميركي.
لكن هذه الجزئية لا تمس موهبته الشعرية ومواقفه المعارضة لتخاذل النظام العربي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والنفوذ الأمريكي والغربي في المنطقة، ولم يتبدل للحظة من مواقفه المدافعة عن فلسطين وعن المقاومة ضد الاحتلال.
وكثيرا ما كان يردد “إن من يغلقون السجون على الناس لا يفتحون على القدس أبوابها المغلقة.”
ونقرأ في شعره وجعا من حالة التمزق العربي وتحذيره من مواصلة الانقسام والتشتت العربي، يسأل مظفر “ﻣﺎﺫﺍ ﺳﻴﺤﺼﻞ ﻟﻮ ﺗﺤﻮﻟﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺑﻼ‌ﺩ ؟ ﺃﻧﺎ بغداد وأنت القدس، يميل ﺭﺃﺳﻲ ﻋﻠﻰ ﻛﺘﻔﻚ ﻗﻠﻴﻼ فتزهر دمشق ويستقيم ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ.”
ويرد صدى صوت مظفر نفسه قائلا: “لا نخدع ثانية بالمحور أو بالحلفاء، فالوطن الآن على مفترق الطرقات، وأقصد كل الوطن العربي، فإما وطن واحد أو وطن أشلاء !”
كان مظفر النوّاب مثل غرباء تعبوا من هذه الدنيا لكن الموت تأخر.