المزيدٌ من الشَّرح لدور الزَّمن في تكوين القيمة

952

مُحمَّد عَادل زكي ( مصر ) – السبت 30/4/2022 م …

في الطبعة السَّادسة من كتابي”نقد الاقتصاد السّياسي”، عالجتٌ قانون القيمة وبينتُ أن الاقتصاد السّياسي عَبْر تاريخه، يقيس القيمة، الَّتي هي محل انشغاله الأصيل، بمقياسٍ غير صحيح عِلميًّا، وبالتَّالي ابتعد، كعِلم، عن هدفِه في الكشف عن القوانين الموضوعيَّة الحاكمة لظاهرَتي الإنتاج والتَّوزيع على الصعيد الاجتماعيّ؛ فانتهىا بالتبع إلى نظرية في ثمن السُّوق، وليس في القيمة. وكان بُرهاني هو أن القيمة هي خصيصة من خصائص الشيء، صفة، تميّزه وتحدّده. وهي على هذا النحو مثل الوزن والطول والحجم والارتفاع،… إلخ. فإذا كان للشيء ثقلٌ ما قلنا أن للشيء وزنًا. ذو وزن. وإذا كان للشيء بُعدٌ ما بين طرفَيه قلنا أن للشيء طولًا، ذو طول. وإذا كان الشيء يشغل حيزًا ما؛ قلنا أن للشيء حجمًا، ذو حجم. وإذا كان للشيء طولٌ عمودي من قاعدته إلى رأسه؛ قلنا أن للشيء ارتفاعًا، ذو ارتفاع. والأمر نفسه بالنسبة للقيمة؛ فالشيء/ المنتوج الَّذي يكون نتيجة العمل (أيًّا ما كان: حُر، مُستَعبَد، مُسخَّر، تعاقدي)، ومن ثم يحتوي على قدرٍ أو آخر من ذلك المجهود الإنساني والَّذي يتجسد في هذا المنتوج، يُصبح له قيمة، ذو قيمة. والقيمة على هذا النحو لا تعتمد في وجودها على قياسها أو تقديرها؛ إذ لا يصح في العقل أن نقول أن الشيء بلا قيمة لأننا لا نعرف بعد قدر المجهود الإنساني المبذول في إنتاجه. ذلك لأن القيمة، كخصيصة، تثبت للشيء بمجرد أن داخله هذا القدر أو ذاك من المجهود الإنساني، ولا يكون قياس القيمة، أو تقديرها بكمية من شيء آخر، إلا في مرحلة تالية لثبوت القيمة ذاتها. تمامًا كما أن قياس الطول لا يكون إلا تابعًا لثبوت خصيصة البُعد بين طرفَي الشيء. والاقتصاد السّياسي حينما يقول، على سبيل المثال، أن القلم قيمته 40 دقيقة فإنما يعني أن المجهود الإنساني المتجسّد في القلم قيمته 40 دقيقة. (سميث، ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل السادس. ريكاردو، المبادىء، الفصل السادس، القسم الأول. ماركس، رأس المال، الكتاب الأول، الفصل الأول) بيد أن هذا المذهب في قياس القيمة وما يترتب عليه، إنما يتصادم مع أصول عِلم القياس، بل ويتعارض مع مفهوم القيمة ذاتها؛ إذ لا يصح علميًّا القول بأن المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج الشيء يساوي (ك) من الدقائق أو (ع) من السَّاعات. وإن جاز القول بأن المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج الشيء تم خلال (ك) أو (ع) من الدقائق أو السَّاعات. بل وحتّى حينما نقول أن المجهود الإنساني بُذل خلال (ك) من الدقائق أو تم خلال (ع) من السَّاعات، فلا يعني ذلك أبدًا أننا قمنا بقياس هذا المجهود الإنساني؛ بل على العكس، ذلك يعني أننا عرفنا فحسب الوقت الَّذي أنفق (خلاله) هذا المجهود دون أن نعرف قدر ذاك المجهود. عَرفنا الزَّمن الَّذي تكونت (خلاله) القيمة، ولكن، لم نعرف مقدار القيمة نفسها! ولأن الاقتصاد السّياسي يمضي مجافيًا العِلم حينما يؤكد، كمسلَّمة، عَبْر مئتي عامًا أن قيمة السلعة تُقاس بالوقت المنفَق في سبيل إنتاجها؛ فإنه بتلك المثابة يستخدم مِقياسًا غير صحيح لقياس القيمة؛ لأنه يقيس الجهد الإنساني المتجسّد في المنتوج باستعمال وحدة قياس الوقت! وكأنه، وكما ذكرت في كتابي، يحاول قياس الطول بالريختر، أو قياس الارتفاع بالجالون الإنجليزي! وعليه، قمت بمراجعة مئتي عامًا من تاريخ علم الاقتصاد السّياسي؛ كي انتهي إلى تصحيح مقياس ووحدة قياس القيمة؛ مُقدّمًا، كفرضيَّة منهجيَّة، وحدة القياس الصحيحة ممثلة في السُّعر الحراري الضَّروري (س. ح. ض)، وبالتالي تمكنتُ من إعادة تقديم قانون القيمة على نحوٍ باستطاعته مُعالجة جميع المشكلات الموضوعيَّة والمنهجيَّة الَّتي واجهت الآباء المؤسّسين للعلم، وفي مقدمة تلك المشكلات قياس القيمة في حقل الخدمات، والأهم أن حل هذه المشكلات جرىا دون الاستعانة بالسُّوق والإحالة إليه كما فعل الآباء المؤسّسون فخرجوا بالاقتصاد السّياسي من حقل العِلم إلى دوائر التجريب والابتذال وفتحوا الباب على مصراعيه أمام سيلٍ جارف من التُّرهات والأباطيل الَّتي تسرَّبت إلى العِلم الاقتصاديّ فأفرغته من محتواه الاجتماعي وجرَّدته من مضمونه الإنساني!
وبعد أن قدَّمت فرضيتي بشأن تصحيح مقياس القيمة، ووحدة قياسها بالتَّالي؛ انتقلتُ لدراسة الدّور الَّذي يؤدّيه الزَّمن في تكوين تلك القيمة على الصعيد الاجتماعيّ. ولأن الاقتصاد السّياسي دأب على دراسة الظواهر محل انشغاله بمعزل عن حركة الزَّمن – باستثناء بعض الشك الَّذي أبداه ريكاردو، قبل كتابة الطبعة الثَّالثة من كتابه “المبادىء”، في رسالته إلى ماك كولوخ والَّتي أعرب له فيها عن رغبته في إعادة تحليل القيمة على أساس إدخال الزَّمن النسبي الَّذي تستغرقه السلعة قبل طرحها في السُّوق. وباستثناء، كذلك، محاولة ماركس الَّتي ركنت إلى قدرة تساوي مُعدَّلات الأرباح في القطاعات على تسوية أمر التغيُّر في الزمن– فقد كان من المتعيَّن أن أبدأ من هذا الشك الريكاردي واتتعبه إلى مُنتهاه، وأن أخذ في اعتباري محاولة ماركس.
ولكي نستكمل هنا ببعض التوسُّع مناقشتنا للدور الَّذي يؤدّيه الزّمن في تكوين القيمة، كما طرحته في كتابي، يجب أن نعيد توضيح المسألة الَّتي واجهها الاقتصاد السّياسي وتصدّى لها ريكاردو ومن بعده ماركس. فالمسألة حاصلها وجود ثلاث سلع: القوالب الخشبية والنبيذ والفخار. وكل سلعة من الثلاث تستغرق 120 ساعة عمل (حي، ومختزن، وزائد). حتى الآن لا توجد مشكلة في التبادُل وفق قانون القيمة؛ إذ سيجري التبادُل بين السلع الثلاث بنسبة 1:1، ولكن الصعوبة سوف تثور حينما يواجه الاقتصاد السّياسي بمشكلة الزَّمن. فصاحب القوالب الخشبيَّة الذي تكلَّف 120 ساعة عمل يجب عليه الانتظار، قبل طرح القوالب للتداول ومن ثم عودة الرأسمال محملًا بالربح، فترة 240 يومًا، أما صاحب النبيذ الَّذي تكلَّف 120 ساعة عمل أيضًا فيتعين عليه الانتظار، قبل طرح النبيذ للتداول، فترة 120 يومًا، أما صاحب الفخار والَّذي تكلَّف كذلك 120 ساعة عمل فليس عليه سوى الانتظار 60 يومًا فحسب كي يطرح فخاره في حقل التداول ومن ثم يعود له رأسماله محملًا بالربح. فكيف يمكن إذًا التبادُل بين تلك السلع الَّتي تتساوى أثمان إنتاجها (120 ساعة عمل)، وتختلف أزمنة إنتاجها (240/القوالب الخشبية، و120/النبيذ، و60/الفخار)؟ بالنسبة لريكاردو الحل هو أن نُعطي مكافأة انتظار! قدَّرها، في الطبعة الثالثة من “المبادىء”بـ 10%! ولكن، لم يقل لنا ريكاردو لم ا 10%، وليس 9% أو11%؟ أمَّا ماركس والَّذي فرَّق بين يوم العمل وفترة العمل؛ حيث يوم العمل هو المدة الزمنية الَّتي يتعين على العامل خلالها أن يُنفق قوة عمله يوميًّا. أما فترة العمل فهي تعني عَددًا مُعينًا من أيام العمل المتصلة اللازمة لإخراج المنتوج النَّاجز في فرع إنتاج محدَّد. وهذه التفرقة، أي التفرقة بين يوم العمل وفترة العمل، ترتبط بالتفرقة بين زمن العمل وزمن الإنتاج. فزمن العمل هو الوقت الَّذي يُستخدم الرأسمال فيه فعليًّا على نحوٍ منتج، أمَّا زمن الإنتاج فهو مجمل الفترة الزمنيّة اللازمة لإنجاز منتوج معين، وهو ما يعني إمكانية، وربما وجوب، بقاء الرأسمال مُقيدًّا في مجال عملية الإنتاج دون استخدامٍ فعلي، أي يظل هاجعًا دون عمل. وبالتالي رأىا ماركس، في “رأس المال”، إن عدم استعمال أدوات العمل يؤدّي إلى فقدان مقدار معين من قيمتها. وهكذا فإن ثمن المنتوج يرتفع بوجهٍ عام؛ لأن انتقال القيمة إلى المنتوج لا يُحتسب طبقًا للزَّمن الَّذي يؤدّي الرأسمال الأساسي خلاله وظائفه، بل وفقًا للزمن الَّذي يفقد خلاله قيمته، وحينئذ سوف يقوم، في رأي ماركس، التساوي في مُعدَّلات الربح في القطاعات بأداء دوره الحاسم في حل المسألة! ولكن، الاكتفاء بقدرة تساوي مُعدَّلات الربح، كما ظن ماركس، على توجيه المنتجين إلى فروع الإنتاج ابتداءً من إقدام وإحجام الرساميل وفقًا لمعدَّل الربح الوَسَطي فحسب يُفضي إلى حتمية التسليم بأن صاحب القوالب الخشبية والآخر صاحب النَّبيذ سوف يتجهان إلى فرع الفخَّار! ولكن هذا لا، ولم، ولن يحدث.
في البداية، نحن نعلم أن الاقتصاد السّياسي، على الأقل وفقًا لمساهمة ريكاردو، انتهى إلى تحديد قيمة السلعة بكمية العمل، الضَّروري النسبي، المبذول في سبيل إنتاج تلك السلعة، ولا تتوقف تلك القيمة على العمل الحي المنفَق في الإنتاج فقط بل يُؤخذ أيضًا في الاعتبار ذلك العمل الضروري المنفَق في سبيل إنتاج المباني والآلات والمعدَّات الضَّرورية لتحقيق العمل، أي العمل المختَزن. وبالتالي، فإن قيمة المعطف الَّذي أنفق في سبيل إنتاجه 100 ساعة من العمل الحي و50 ساعة من العمل المختَزن، تتساوى مع النسيج الَّذي أنفق في سبيل إنتاجه 80 ساعة من العمل الحي و70 ساعة من العمل المختزن. وما أن جاء ماركس، إلا واستكمل مكونات القيمة، وصرنا نَعرف أن قيمة المعطف لا تتكون فحسب من العمل الحي والعمل المختَزن، إنما يُضاف إليهما العمل الزَّائد، وذلك في مرحلةٍ أولى من تفكيره (رأس المال، الكتاب الأول)، قبل أن ينحرف، في مرحلةٍ ثانية، عن طريقه ويعتد بمتوسط العمل الزَّائد (رأس المال، الكتاب الثالث). ولكن، ما انتهى إليه علم الاقتصاد السّياسي على هذا النحو، لا، ولن، يسعفنا في سبيل التعرُّف إلى سبب بقاء أصدقاءنا الثلاثة في السُّوق، دون تحول أحدهما أو كليهما، أي صاحب القوالب وصاحب النبيذ، إلى فرع إنتاج الفخَّار؛ لأن كل واحدٍ من الثلاثة، وكما ذكرنا أعلاه، يُنفق 120 ساعة من العمل (الحي والمختَزن والزَّائد) ولكن لا يعود الرأسمال محملًا بالربح، إذ ما تركنا جانبًا زمن التداول، إلا بعد 240 يومًا في فرع إنتاج القوالب الخشبية و120 يومًا في فرع إنتاج النَّبيذ و60 يومًا فقط في فرع إنتاج الفخَّار. إن الفرضية الَّتي نتقدم بها هي أن السبب في استمرار الثلاثة في السُّوق هو: أن القيمة الاجتماعيَّة للسلعة، عَبْر تطورها، لم تعد تتحدّد، مستبدلين ساعة العمل، بكمية الطاقة الضرورية المبذولة في إنتاجها فحسب، إنما صارت تتحدَّد بكمية الطاقة الحيَّة والمختزنة والزَّائدة (مقوَّمة بالسُّعر الحراري) مقسومةً على زمن إنتاجها، أي تتحدد بقيمتها الاجتماعيَّة ÷ زمن إنتاجها. أما قيمة السلعة النسبيَّة، أو قيمتها الاجتماعيَّة النسبية، فهي تتحدَّد بقيمتها الاجتماعيَّة مقسومة على زمن إنتاجها، مقارنةً بالقيمة الاجتماعيَّة للسلعة الأخرى المتبادل بها مقسومة أيضًا على زمن إنتاجها. والسلع حينما تَتقابل على نحوٍ طبيعي إنما تَتبادل وفق هذا القانون. وحينما تتأرجح أثمانها في السُّوق فإنما تتأرجح حول هذه القيمة الاجتماعيَّة. وحين إعمال هذا القانون نُقابل ثلاث فرضيات: إمَّا أن تختلف أزمنة الإنتاج وتتساوى القيم الاجتماعيَّة، أو تختلف القيم الاجتماعيَّة وتتساوى أزمنة الإنتاج، أو تختلف أزمنة الإنتاج وكذلك القيم الاجتماعيَّة. في جميع الأحوال ينطبق قانون القيمة الاجتماعيَّة النسبيَّة، أي القيمة الاجتماعيَّة للسلعة مقسومة على زمن إنتاجها.
بناءً عليه، وإذ قمنا، إعمالًا لمذهبنا في قياس القيمة، باستبدال ساعة العمل بكميّة الطَّاقة الضروريَّة، وافترضنا أن كلًّ من الثلاثة يُنفق 12000 سُعرٍ حراري ضروري (عمل حي + عمل مختَزن + عمل زائد)، ولكن لا يعود الرأسمال محملًا بالربح، إلا بعد 240 يومًا في فرع إنتاج القوالب الخشبيَّة، و120 يومًا في فرع إنتاج النبيذ، و60 يومًا فقط في فرع إنتاج الفخَّار، فإن قيمة وحدة واحدة في فرع إنتاج القوالب الخشبيَّة تساوي قيمة نصف وحدة في فرع إنتاج النبيذ. وقيمة وحدة واحدة في فرع إنتاج النَّبيذ تساوي قيمة نصف وحدة في فرع إنتاج الفخار. وقيمة وحدة واحدة في فرع إنتاج الفخَّار تساوي قيمة 2 وحدة من النبيذ، و4 وحدات من القوالب الخشبيَّة.
ولكن، تحقيق 0,5 (قيمة/ زمن) كما في فرع إنتاج القوالب الخشبيَّة، والَّذي يتم بواسطة: 12000 ثمن إنتاج، و240 زمن إنتاج، يمكن أن يتم أيضًا بواسطة: 6000 ثمن إنتاج، و60 زمن إنتاج (كما في فرع إنتاج النبيذ)، ويمكن أن يتم كذلك بواسطة: 3000 ثمن إنتاج، و15 زمن إنتاج (كما في فرع إنتاج الفخار). وبالتالي سوف يقوم منتج القوالب الخشبية، ومنتج النبيذ كذلك، بتعديل التوليفة (ثمن الإنتاج/ زمن الإنتاج) من 12000/ 240 إلى 3000/15. دون أن يُضطر، مع التثوير المطرد في قوى الإنتاج الاجتماعي، إلى الانتقال من فرع إنتاج إلى فرع إنتاج آخر.
ولنلاحظ، أولًا: أن هذا التعديل في التوليفة من 12000/ 240 إلى 3000/15 لم يتحقق بقدرة تساوي معدَّلات الربح في القطاعات كما قال ماركس، إنما بفعل قانون القيمة الاجتماعية النسبيَّة. ولنلاحظ، ثانيًا، أن تعديل توليفة منتجي القوالب الخشبية أو/و رساميل منتجي النبيذ، باستخدام تقنية جديدة، للحصول على 0,5 (قيمة/ زمن)، بأقل ثمن إنتاج (3000)، وبأقل زمن إنتاج (15) سوف يؤدّي إلى انخفاض عام في القيم الاجتماعية النسبية على الصعيد الاجتماعي، وهو ما سوف ينعكس بوجهٍ عام على القيم التبادُلية لجميع السلع. ومع انخفاض القيم التبادليَّة للسلع تأخذ الأثمان في الارتفاع، كأحد مظاهر الأزمة، الجدليَّة، اللصيقة بالرأسمالية الَّتي هي خضوع الإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي لقوانين حركة الرأسمال.