الباحث والكاتب اللبناني الأستاذ موسى عباس يكتب عن اليمن … موئل الأحرار ومقبرة الغُزاة!

620

 موسى عباس ( لبنان ) – الأربعاء 10/11/2021 م …

بين معاوية بن أبي سفيان أوّل حاكم أموي  ووليّ العهد السعودي ما يُقارِب 1400سنة، ورغم أنّ معاوِية حكم بالحديد والنار لفترة تجاوزت 19 سنة إلّا أنّه فشل في تطويع أهل اليمن وسعى لأن يسخر منهم فسخروا منه أمام قومه وعشيرته وكذلك محمد بن سلمان  لم يستطع إخضاع أهل اليمن وجعلوه مهزأةً للعالم أجمع..

بين معاوية وأهل اليمن:

قيل : إن معاوية بن أبي سُفيان جلس يوماً بين أصحابه ، إذ أقبلت قافلتان من البرّية ،

فقال لبعض ممن كان بين يديه :

انظروا هؤلاء القوم وائتوني بأخبارهم..

فمضوا وعادوا وقالوا : يا أمير المؤمنين ، إحداهما من اليمن والأخرى من قريش .

فقال : ارجعوا إليهم وادعوا قريشاً يأتوننا، وأما أهل اليمن فينزلون في أماكنهم إلى أن نأذن لهم في الدخول .

فلما دخلت قريش سلم عليهم وقرّبهُم

وقال : أتدرون يا أهل قريش لم أخّرْتُ أهل اليمن وقرّبتكُم ؟

قالوا : لا والله يا أمير المؤمنين .

قال : لأنهم لم يزالوا يتطاولون علينا بالفخار ويقولون ما ليس فيهم ، وإني أريد إذا دخلوا غداً وأخذوا أماكنهم من الجلوس أن أقوم فيهم نذيرا وألقي عليهم من المسائل ما أقلُلَ  به إكرامهم وأُرَخِصَ به مقامهم ، فإذا دخلوا وأخذوا أماكنهم من الجلوس وسألوا عن شيء فلا يجبهم أحد غيري .

قال الراوي : وكان المقدّم على أهل اليمن رجلاً يُدعى:”الطرماح بن الحكم الباهلي”.

فأقبل على أصحابه وقال :

أتدرون يا أهل اليمن لم أخّرَكُم ابن هند يقصُد (معاوية )وقدّم قريشاً  عليكم ؟

قالوا : لا

قال : لأنه في غداة غدٍ سيقوم فيكم نذيراً ويلقي عليكم من المسائل ما يقلّل به إكرامكم ويُدَنّي به مقامكم ، فإذا دخلتم عليه وأخذتم أماكنكم من الجلوس وسألكم عن شيء فلا يجبه أحد غيري .

فلما كان من الغد دخلوا عل معاوية وأخذوا أماكنهم فنهض معاوية قائماً على قدميه وقال :

أيها الناس من تكلم قبل العرب وعلى من أُنزَلت العربية ؟

فقام الطرماح وقال :

نحن يا معاوية ، ولم يقل يا أمير المؤمنين .

فقال معاوية : لماذا ؟

فقال : لأنه لما نزلت العرب “ببابل” وكانت العبرانية لسان الناس كافة أرسل الله تعالى العربية على لسان “يعرب بن قحطان الباهلي” وهو جدّنل فقرأ العربية وتداولها قومه من بعده إلى يومنا هذا ، فنحن يا معاوية عرب بالجنس وأنتم عرب بالتعليم .

فسكت معاوية بُرهَةً ثم رفع رأسه  وقال : أيها الناس ، من أقوى العرب إيماناً ومن شهد لهم بذلك ؟

فقال الطرماح : نحن يا معاوية .

قال معاوية : ولِمَ ؟

قال : لأن الله بعث محمداً صلّى الله عليه وآله وسلم فكذبتموه وسفّهتموه وجعلتموه مجنوناً ، فآويناه ونصرناه فأنزل الله : “والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً” .

وكان النبي صلّى الله عليه وآله محسناً لنا متجاوزاً عن سيئاتنا فلمْ تفعل أنت كذلك ؟

كأنك خالفت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فسكت معاوية زماناً ثم رفع رأسه وقال : أيها الناس ، من أفصح العرب لساناً ومن شهد له بذلك؟

قال الطرماح : نحن يا معاوية .

قال معاوية : ولِمَ ذلك ؟

قال : لأن امرؤ القيس بن حجر الكندي منّا قال في بعض قصائده : يطعمون الناس غَباّ في السنين الممحلاتِ في جِفانٍ كالخوابي وقدورٍ راسياتِ .

وقد تكلم بألفاظ جاء مثلها في القرآن ، وشهد له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك .

فسكت معاوية قليلاً  ثمّ قال  :

أيها الناس ، من أقوى العرب شجاعة وذكراً ومن شهد له بذلك ؟

قال الطرماح : نحن يا معاوية .

قال معاوية : ولِمَ ذلك ؟

قال : لأن منّا “عمرو بن معد يكرب الزبيدي”، كان فارساً في الجاهلية وفارساً في الإسلام وشهد له بذلك النبي صلّى الله عليه آله وسلم .

فقال معاوية : وأين أنت وقد أّتِيَ به مصفّداً بالحديد ؟

فقال الطرماح : ومن أتى به ؟

قال معاوية : أتى به عليّ بن أبي طالب

قال الطرماح : والله لو عرفت مقداره لسلّمتَ إليه الخلافة ولا طمعت فيها أبداً .

فقال معاوية : أتحجّني  يا عجوز اليمن ؟

قال : نعم أحجك ياعجوز مُضَرْ لأن عجوز اليمن “بلقيس” آمنت بالله وتزوجت بنبيه “سليمان بن داود” عليهما السلام ، وعجوز مضر جدّتك التي قال الله في حقّها : “وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد”. (يقصد زوجة أبي لهَبْ).

فسكت معاوية زماناً ثم رفع رأسه وقال : اصرﻓﻮﻩ ﻋﻨﻲ .

هؤلاء هم أهل اليمن ، أهل العزّة والكرامة والمِنعة والسؤدد ، أنصار الحق ينصرون المظلوم ويُغيثون الملهوف ، لا ينامون على الضَيْم ولا يستكينون للظلم ، لا يرهبون من عاداهم ولا يحيفون على من والاهم ، رواسيَ الجبال مركبُهُمْ  والليالي المُدلهمات سِرُجُهُم.

زُهّاداً عُبّاداً ، نصروا اللّه فنصرَهُم وثبّت أقدامهُم ، أعزّوا اللّه فأعزّهم وأذلَّ أعداءهم.