الأردن ليس فلسطين / زيد عمر النابلسي

101
الأردن ليس فلسطين

زيد عمر النابلسي ( الأردن ) – السبت 23/10/2021 م …

إعادة ضم الضفة الغربية هي فكرة غير عملية ستهدد استقرار الأردن، وستحرم الفلسطينيين من حق تقرير المصير، وستكافىء الاستيطان الإسرائيلي غير القانوني.

يبدأ حسن اسميك مقالته الأخيرة – والتي يدعو فيها إلى ضم الضفة الغربية وقطاع غزة من قبل الأردن كحل عبقري للقضية الفلسطينية – باستحضار الفكرة الفلسفية لـ”نصل أوكام” (Occam’s razor)، مُعلناً أن “الحل الأبسط هو تقريباً دائماً الحل الأفضل”.

ومع ذلك لا يوجد إطلاقاً في اقتراح اسميك ما يمكن وصفه من قريبٍ أو بعيد بالبساطة. لا بل في الواقع، فإن محاولته للتفكير خارج الصندوق مليئة بالتعقيدات والتناقضات والافتراضات غير الواقعية والنتائج مستحيلة التطبيق التي لا تُعّد ولا تُحصى.

الأمر الأول والأهم  قبل كل شيء، على القراء أن يتساءلوا عن السبب الذي يجعل اسميك يُقَزِّم المملكة الأردنية الهاشمية، وطني الأبدي الذي وُلِدتُ فيه، إلى مجرد أداة في مختبر؟ الأردن ليس كياناً سياسياً قابلاً للاستغناء عنه بحيث يتم تشويه وتحوير وإعادة نحت أساسه ودستوره وتركيبته الديمغرافية بالكامل ليخدم كفأر مختبرات للتجارب، بينما كل ذلك موجه بشكل رئيسي لاسترضاء إسرائيل – المحتل غير الشرعي للأراضي الفلسطينية – ولإنقاذها من مأزقها الحالي.

يقوم اسميك بطمأنة القراء بأن “الوحدة مع الأردن لا تتساوى بحال من الأحوال مع ما يطلق عليه الإسرائيليون تسمية الخيار الأردني”. وتبريره هذا يعتمد على حجة أن الضم الرضائي هو عمل قانوني مباح بينما الاحتلال الإسرائيلي هو ليس كذلك، متجاهلاً بذلك أن هذا الفرق لا يتطرق أو يعالج حقيقة الغضب المبرر لدى أغلبية الشعب الأردني، والذين يرون، وهم على حق، بأن أية محاولات لحل النزاع على حساب وطنهم هي تهديد وجودي لسيادتهم ولهويتهم الوطنية المستقلة والمميزة.

لأكون منصفاً، هنالك بعض الفرضيات في مقالة اسميك والتي أتفق معها. نعم، الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو عمل غير قانوني لا جدال فيه. ونعم، إن فرص إسرائيل في استدامة نظام الأبارتهايد غير الإنساني الحالي هي شبه منعدمة (الأبارتهايد هو وصفي واختياري أنا للكلمات، ولم يستعمله اسميك).

ولكن وبما أن الكاتب قد استحضر نصل أوكام، فإنه من المستغرب أنه تجاهل الحل الأبسط بكثير لما وصفه حقاً على أنه احتلال غير قانوني. بالفعل، لماذا يريد اسميك أن يكافىء إسرائيل بأضغاث أحلام عن ازدهار اقتصادي وقصص خيالية عن التعاون ما بين المحتل والخاضع للاحتلال، بدلاً من اختيار المقاربة الأسهل: أن يطالب إسرائيل بالالتزام بالقانون الدولي والانسحاب الفوري من الأراضي المحتلة؟

إن السماح للشعب الفلسطيني بأن يمارس حقه الثابت غير القابل للتصرف في تقرير المصير واختياره بحرية لمن يريد أن يحكمه يجب أن يحصل – ولكن فقط بعد أن يزول الاحتلال غير القانوني، وليس تحت نيره الذي لا يطاق.

عندما يواجَه اسميك بالعقبة الحقيقية المتمثلة بـ 675000 مستوطن يعيشون بطريقة غير قانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، يقوم باقتراح حل مزعوم معيب هو الآخر ويستحيل تصوره في الواقع. بينما يقر اسميك بأن المتعنتين المتدينين من المستوطنين ربما لا يرغبون في مغادرة ما يعتبرونه أرضاً مقدسة موهوبة لهم من الله في الضفة الغربية، إلا إنه مستعد أن يعرض هدية مجانية على هؤلاء المتطرفين المتعصبين الذين يعيشون على أراضٍ فلسطينية مسروقة، ألا وهي منحهم الجنسية الأردنية الكاملة.  وللإمعان في الإهانة في صب الملح على الجرح، يطرح الاقتراح الممعن في الحمق والسخافة بمنح هؤلاء المستوطنين كوتا لمقاعد مضمونة في برلمان ما سيطلق عليه “المملكة الهاشمية للأردن وفلسطين”.

كما حاولت الاتفاقيات الإبراهيمية المبرمة بوساطة أمريكية بين إسرائيل ودول خليجية أن تعيد كتابة تاريخ النضال الفلسطيني للاستقلال والتحرير وتخيله وكأنه نوع من صفقات البزنس، كذلك يحاول اسميك أن يسعى لوصفة حل سياسي واقتصادي “على الحارك”، بدلاً من المطالبة بالتطبيق الشريف والصادق لمبادىء العدالة ولعدد لا يحصى من قرارات الأمم المتحدة.

هذا يشبه تماماً أن يقوم أحدهم ودون أن يرمش له جفن بأن يقترح حلاً للنكبة الفلسطينية والتجريد المستمر من إنسانية الفلسطينيين بأن يطالب بإرسالهم للعيش في كوكب المريخ. ولكن ماذا عن التكلفة الخيالية لهذا المشروع وماذا عن استحالة تطبيقه من أساسه؟ عندما يواجه الكاتب بالواقع الذي يوقظه من الثمالة، يقوم بالتقليل من شأن هذه العقبات التي يستحيل تجاوزها ويعترف بقوله “هنالك تجاعيد معقدة لا تحصى بحاجة لأن يتم كيّها”. لا يا شيخ، قول وغيّر!

أما الأسئلة الصعبة فهي تبقى بشكل كبير دون إجابة: ماذا لو رفضت إسرائيل، وهي حتماً سترفض؟ نقوم بإغرائها بفوائد اقتصادية ونكافئها على خرقها للقانون الدولي، كما يقترح اسميك.

وماذا إذا اعترض الأردنيون؟ سوف يعودون إلى رشدهم في النهاية، وذلك بإدخال بنود تضمن حكماً هاشمياً دائماً، كما يتخيل اسميك.

وماذا لو كان الفلسطينيون لا يرغبون أن يتم تذويبهم كأمة ليحكمهم الأردن بعد عقودٍ من النضال لتحقيق هويتهم الوطنية؟ ومن الذي يأبه أصلاً؟

يبدو أن اسميك يفترض أن كون الفلسطينيين بإمكانهم الاندماج اجتماعياً في المجتمع الأردني هو دليل كافي على أنهم سيكونون مستعدين للتخلي عن حلمهم في الدولة والاستقلال. هذا الافتراض يشوبه الضلال.

إلا أن اسميك يطرح نقطة صحيحة فعلاً عندما يقول أن “كل محاولة للحل منذ حرب الستة أيام في حزيران 1967 كانت إما معيبة للغاية، أو معقدة بلا داعي، أو عرجاء بشكل فاضح”. وللأسف، فإن فكرته هذه عن الضم الأردني تصنف في قائمة تلك المحاولات المفرطة في عدم واقعيتها وعدم مناسبتها والمصممة للهروب من جذور النزاع وسببه الرئيسي، ألا وهو الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي الفلسطينية.

الحل البسيط والبديهي الذي كان سيستحسنه ويليام الأوكامي (William of Ockham)، لو كان حياً بيننا، هو المطالبة بالانتهاء الفوري للاحتلال والسماح للشعب الفلسطيني أن يقرر مصيره بحرية على أرض أجداده غير القابلة للنزاع حول ملكيتها. لا يوجد أي طريق بديل آخر نحو السلام في الشرق الأوسط