ماذا يفعل وفد المعارضة الإيرانية في “إسرائيل” ؟ / مهند إبراهيم أبو لطيفة  

241

مهند إبراهيم أبو لطيفة  ( فلسطين ) – الاثنين 26/7/2021 م …

نشرت  مجلة  البيادر المقدسية على موقعها الإلكتروني بتاريخ 25 يوليو 2021، نقلا عن صحيفة ” يديعوت أحرونوت ” العبرية ،خبرا يفيد بقيام مجموعة مكونة من ستة إيرانيين من المحسوبين على المعارضة الإيرانية، بزيارة للكيان الإسرائيلي هذا الأسبوع.  

حسب الصحيفة جاءت زيارة المجموعة من الولايات المتحدة بمبادرة من ” الإتحاد الإيراني- اليهودي الأمريكي” في نيويورك، ومنظمة ” أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي” في الولايات المتحدة  ، ومركز ” أصوات حيروت ” ، وضم الوفد كل من :  

فؤاد فاشاي الأمين العام لحزب الدستور الإيراني، وحوسرو بيتولاي الطيار العسكري الإيراني السابق وكبير مستشاري حزب الدستور الإيراني، وأمير حمديدي الناشط في مركز ” أصوات حيروت” ، وأحمد بطابي الناشط السياسي والصحفي من مواليد مدينة شيراز.  

شملت زيارة الوفد، جولة في الكيان الصهيوني، وزيارة قاعدة للجيش على الحدود مع لبنان، ونقطة مراقبة ضد مواقع حزب الله ، وعن إنطباعاته حول الزيارة، صرح بطاطبي – الذي شارك في الإحتجاجات الطلابية عام 1999 ضد الحكومة الإيرانية – بأنه ” تعلمت أن أكره إسرائيل وجيشها، لكن عندما زرت قاعدة الجيش الإسرائيلي، قابلت جنودا إسرائيليين حقيقيين، عاملوني كأحد أفراد الأسرة، هؤلاء الشباب والشابات يقدرون الحياة على عكس الجمهورية الإسلامية التي تمجد الموت”.  

بالتأكيد ليست هذه هي المرة الأولى التي تقوم بها وفود تحسب على المعارضة في دول المنطقة بزيارة علنية أو سرية للكيان الإسرائيلي، فمنذ عام 1956 والكيان الصهيوني ينفذ إستراتيجية إقامة شبكة من العلاقات مع الدول المحيطة بما سُمي ب ” دول الطوق ”  العربية ومع جماعات معارضة، ولديه علاقات قوية  وقديمة مع بعض الأطراف الإنعزالية والطائفية في كل من شمال العراق (كردستنان)، ولبنان، والسودان، ومصر، وشمال المغرب ، وهناك عشرات الشواهد التي تؤكد على مدى النشاط الموسادي وسعيه لإثارة النعرات الشعبوية والإقليمية والطائفية، ومن يراجع تاريخ الحركة الصهيونية، سيتأكد من أهمية هذه العلاقات التي بدأتها الوكالة اليهودية وغاياتها، حتى أن حاييم وايزمن اقترح مثلا عام 1919، تقسيم لبنان وسوريا وفلسطين على أساس طائفي، ونجد في الوثائق عروضا قديمة من أطراف إنعزالية لبنانية بمنح صيدا وصور للكيان الإسرائيلي، مقابل دعم إنشاء كيان سياسي طائفي في لبنان، وكان البعض يلتقي في إيلات على متن الباخرة  “ماركو بولو ” مع الصهاينة لطلب المساعدة من الوكالة اليهودية كما حدث في الثاني من أيار عام 1937م .  

من السذاجة المفرطة، إعتبار هذا النوع من الزيارات مجرد رحلات سياحية ، أو عمل دعائي من جانب الطرف الإسرائيلي، بل هو يأتي في صميم عمل  المنظومة الأمنية، وتنعكس نتائجه مباشرة على القضية الفلسطينية، وعلى الأوضاع الداخلية لعدد من الدول، وتجارب العراق وسوريا ومصر وليبيا والسودان وما يحدث من تغلغل في وسط بعض الأمازيغ خير دليل على ذلك والذي تتصدى له الجمعيات والنقابات والأحزاب المغربية، وأحيانا تخضع بعض هذه المجموعات لدورات داخلية وخارجية متخصصة وغالبا في إحدى دول اوروبا الشرقية بتنسيق من مكاتب إتصال، وأحيانا تحت غطاء إقتصادي صناعي وتجاري وثقافي.  

تستقوي هذه النماذج من المعارضات بعلاقاتها مع الكيان الصهيوني، وتحت شعارات الإصلاح والتغيير تسعى للتحالف مع كيان غاصب محتل عدواني إستيطاني توسعي وعنصري، وتقدم نفسها طليعة ” ثورية” من أجل تحقيق العدالة والديمقراطية، وتتغنى برومانسية الإحتلال وعشق جنوده ” القتلة ” وحبهم للحياة !، والواضح بالطبع أنها مجرد وسائل وأدوات لزعزعة إستقرار هذه الدول وأمنها، ولا تعبر عن مطالب وطنية حقيقية من أجل إصلاح سياسي وإقتصادي بعيدا عن التبعية والهيمنة، مطلوب دائما ولكن على أساس الحفاظ على وحدة الوطن وسلامة أراضيه، وأن لا تصب في مصلحة مزيد من التمزيق للكيانات العربية والتي يدفع ثمنه المواطن دائما.  

ترتبط علاقات مثل هذه الجماعات بدعوات التقسيم، والإنعزال عن  الإسلام والعرب والعروبة ، وعن مجمل القيم والمبادي والمصالح والطموحات التي من الممكن أن تحقق بعض التماسك في المنطقة العربية في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة، وكما نلاحظ من سنوات يتم دعمها  من قبل بعض الأطراف العربية لوجستيا ، وبالتنسيق مع دولة الإحتلال.  

من المصلحة الفلسطينية العليا، أن تكون جميع الدول العربية من المحيط للخليج في حالة إستقرار ، وأن تسير في طريق التغيير والتطوير وتحقق ما يمكن من تنمية وعدالة إجتماعية، وأن تحترم الحريات العامة والتداول وتفتح المجال لأوسع مشاركة شعبية ، وأن تسود فيها فكرة المواطنة  وتتقدم أكثر نحو دولة القانون والمؤسسات، ولكن بالتأكيد ليس على الطريقة الأمريكية- الصهيونية التي تسعى لتفتيت المنطقة وتمزيقها، وليس على حساب السلم الأهلي والنسيج الوطني.  

وتجدر الإشارة في هذا السياق، أن بلدا مثل الأردن، وما يمثله من عمق إستراتيجي هام ، ليس ببعيد عن المخططات الإسرائيلية، وأنه بات واضحا تماما أن هناك من ينتظر الفرصة المناسبة لزعزعة إستقراره  ووحدته الوطنية، ومن ينظر إلى الخارطة الجيوسياسية للمنطقة ، والحالة الفلسطينية يُدرك أهمية اليقظة الشديدة في الفترة القادمة.  

ليس الهدف هو تضخيم هذه الزيارة، ولكن لفت الإنتباه إلى أن حُلم ” برنارد لويس ” يتقاسمه عدد من السياسيين الصهاينة ، ومنهم من يتحدث بشكل علني عبر وسائل الإعلام عن التقسيم المناطقي والعشائري لبعض الدول، وأن أفضل صيغة للتعايش في المنطقة العربية هو إيجاد إمارات وأقاليم وكيانات صغيرة  وكانتونات على أسس قبلية وطائفية ومناطقية، وأن مثل هذا التقسيم والتفتيت يصب في صميم الأمن الإسرائيلي.  

لا تعبر هذه الجماعات التي تزور الكيان أو تقيم معه علاقات، لا عن إلتزام بمبادىء إنسانية، ولا ديمقراطية، ولا قومية، ولا حتى عن أيدولوجية يسارية ولا دينية، ولا يصح أن توصف إلا بأنها مجموعات مرتزقة .