أخطر تحقيق حول فساد سلطة محمود عباس ، بل وخيانتها وعمالتها للكيان الصهيوني وتواطؤها معه … كورونا في ظل سلطة رام الله

71

مدارات عربية – الأحد 18/7/2021 م … 
كتب مجد كيّال …
السلطة، المصرّة على عرض عضلاتها، فرضت في الموجة الأولى حظر التجوّل في مدنٍ تنعدم فيها الإصابات تماماً، وقُطع التنقّل بين كل المحافظات، وأُنهك المجتمع تحت أحمالٍ اقتصاديّة هائلة. مع الموجة الثانية، بدأ تمرّد الناس، وفُرض أمر واقع بخرق التعليمات الحكوميّة. ومع إدراكها لكارثيّة الموقف، ولأن دوافعها الأساسيّة الحفاظ على الهيبة السياسيّة، انسحبت السلطة من المشهد.

قُتل الشهيد نزار بنات بأيدي عناصر “السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة”، بعد أن وقف أمام الكاميرا وتحدّث بحزمٍ ضد “صفقة اللقاحات” المعقودة بين إسرائيل والسلطة، حيث قبلت وزارة الصحّة الفلسطينيّة أن تستلم إسرائيل بدلًا عنها شحنة لقاحات “فايزر” جديدة، وبالمقابل تستلم السلطة من إسرائيل لقاحات يُشرف تاريخ صلاحيّتها على الانتهاء.

 

 

 

 

 

طرح بنات صورة الوضع كاشفًا الأسماء المتورّطة والمتواطئة، محمّلًا المسؤوليّة لجهات واضحة. شرح المخاطر وحلّل الدوافع وحثّ الناس على التحرّك تعبيراً عن رفضهم والتحلّي بمسؤوليّة شعبيّة لحماية صحّة أبنائهم ومقاومة فساد السلطة. وتحدّى النائب العام – الذي “حبس ولد مصاب بالسكري على ذمة الحق العام لأنه ذم السلطة” – أن يحفظ “الحق العام” في محاسبة ومحاكمة المسؤولين عن الصفقة الخطيرة. وقد أكّدت تحقيقات وتسريبات صحافيّة أن موقف بنات من صفقة اللقاحات كان السبب المباشر من وراء اغتياله.

لكن ما لم يعرفه بنات قبل أن يُقتل، ولم نعرفه نحن حتّى صدور نتائج لجنة التحقيق المستقلّة يوم الثلاثاء (6 تمّوز/يوليو 2021)، أن المسألة لم تقتصر على تاريخ الصلاحيّة فقط. التفاصيل أخطر بكثير، وليس من المبالغة القول أنّها تفاصيل جريمة مُنعت بفضل الاحتجاج.

لتنفيذ الصفقة واستلام اللقاحات، أرسلت وزارة الصحّة الفلسطينية موظفاً إدارياً وحيداً من دائرة الرعاية الأوليّة، دون أن تكون له أي صلةٍ مباشرة بموضوع اللقاحات، ودون أي مؤهّل أو خبرة لمثل هذه المهمة. هناك، سلّمه الإسرائيليّون اللقاحات التي كُتب على صناديقها عنوان المرسل إليه “سجن عوفر” (!) وهو مركز اعتقالٍ عسكريّ غرب رام الله. ذكرت اللجنة أيضًا أن الصفقة تمّت دون مسجّل بيانات، وهو الشخص المسؤول عن توثيق كافة المعطيات والمعلومات خلال عمليّة التسليم. أي أن اللقاحات وصلت مع مجرّد مذكرة استلام دون أي معلومات عن محتوى الصناديق. وبينما تتطلّب الجرعات حفظًا بدرجة حرارة 70 درجة مئويّة تحت الصفر، فقد تم تسليمها للفلسطينيين بعد إذابتها وبدرجة حرارة تتراوح بين 2 و-8 درجات مئويّة. ولم يقدّم الجانب الإسرائيليّ أي معلومات أو توثيقات مكتوبة حول تاريخ تذويب الجرعات. هكذا، بإهمالٍ مروّع، وصلت 93,600 جرعة من اللقاح إلى وزارة الصحّة الفلسطينيّة وتم توزيعها على المحافظات في اليوم ذاته (لأنهم يعرفون بانتهاء صلاحيّتها)، دون أيّ معاينة أو فحص من قبل الوزارة، ودون أي أوراق تثبت صلاحيّاتها بموجب معايير التوزيع العلميّة المتّبعة عالميّة، مثل معطيات التبريد التي مرّت بها اللقاحات. وجدت لجنة التحقيق أيضاً أن الاتفاقيّة، إضافة الى أنّها مجحفة، فهي تعفي الإسرائيليين من أي مسؤوليّة اتجاه الجرعات. كل هذا، وقد رأت اللجنة أنه لم يكن هناك أي مبرر أو حاجة لعقد هذه الصفقة، لا من حيث الحالة الوبائيّة في فلسطين ولا من حيث مخزون اللقاحات لدى وزارة الصحّة. يُشير التقرير إلى أن مقترح الصفقة كان إسرائيليّاً، ولاقى “دعماً” أمريكياً باعتباره خطوة “بناء ثقة” بين الفلسطينيين والإسرائيليين

بخصوص الثقة!

“الثقة” الوحيدة التي يجب أن تُناقش فعلاً في سياق هذه الصفقة، هي ثقة الفلسطينيين بالسلطة التي تُدير أزمة كورونا. وهي عامل مفتاحي في فهم سلوك المجتمع الفلسطيني في ظل الوباء.

منذ آذار/مارس 2020، انعكست عوامل متداخلة في إدارة السلطة لأزمة كورونا: وضع جهاز الصحّة الفلسطيني الذي أُهمِل وخُنِق لسنوات طويلة. ثم الأولويّات السياسيّة والإعلاميّة للسلطة التي همّشت الاعتبارات الطبيّة والعلميّة. ثم التنسيق عالي المستوى مع الاحتلال، ومساهمة السلطة في تنصّل إسرائيل من مسؤوليّاتها القانونيّة والدوليّة اتجاه صحّة الفلسطينيين. ثم حالات الفساد المتعلّقة بتوزيع اللقاحات ضمن الدوائر المقرّبة من السلطة والرئيس محمود عبّاس. هذا كلّه بموازاة انسحاب السلطة من دورها في تأمين الرفاه الاجتماعي للناس في ظل الوباء، وتحويل التضامن الاجتماعي المطلوب في مثل هذه الحالة إلى مهرجان تصفيق لرؤوس أموالٍ يمنّون على الناس بصناديق التبرّعات.

أظهر الوباء الهشاشة الاجتماعيّة في الضفّة بأشد صورها إيلاماً: من انهيارٍ للمستشفيات الى ارتفاعٍ في معدّلات العنف الأسري، وتدهور الأمن الغذائي، وارتفاع معدّلات الفقر والبطالة.

حاولت السلطة تحقيق إنجازها من خلال البنية التحتيّة الوحيدة التي تمتلكها وتعتني بها أشد عناية: الأمن. فُرض قانون الطوارئ وجرى تمديده مرة بعد مرّة، وقُطعت المدن عن بعضها البعض وفُرض حظر التجوّل، وامتلأت الشوارع بالحواجز، ونزل المحافظون والمخبرون وشباب حركة فتح ليستعرضوا قوّة “تنفيذ القانون” في الشوارع، وجرى اقتحام المحلّات التي زاولت عملها سراً.

اتّجهت السلطة نحو تشكيل صندوقٍ (“وقفة عز”) يديره القطاع الخاص وتتبرع له الشركات الكبرى طوعاً ويوزّع المنح والهبات للمتقدّمين بالطلبات. على سبيل المثال، نُصّب على رأس الصندوق طلال ناصر الدين مدير شركة بيرزيت للأدوية، وبينما هو يرأس الصندوق كان يرفع أسعار الأدوية في الضفّة بنسبٍ وصلت الى 60 في المئة من سعرها، وذلك في ذروة الجائحة! 

من نافلة القول هنا إن ثقة الناس بحكوماتها وأجهزتها الطبيّة عامل مركزي بإدارة الحالة الوبائيّة. أما في الضفّة الغربيّة، فقد جاء الوباء في ظل مأزقٍ جدي واجهته السلطة وزعزع تماماً ثقة الناس بها. انحسرت شرعيّتها السياسيّة وصولًا إلى عزلةٍ وانسدادٍ في مواجهة سياسات ترامب – نتنياهو، التي سخّفت وجود السلطة وحوّلته عبثياً أكثر من أي وقتٍ مضى. وساد في الضفّة الغربيّة، وعلى مرأى العالم، مزاجاً شعبياً يرى بوضوح تفاهة دور السلطة. لكن أزمة الثقة هذه لم تكن سياسيّة فحسب…

عام قبل تفشّي أزمة كورونا، شهدت فلسطين عدّة أزمات جديّة متعلّقة بالجهاز الطبي، وقد تحوّلت هذه إلى قضايا رأي عام صاخبة جداً، ظهر من خلالها فساد السلطة وإخضاع الإدارة الطبيّة لدوافع ومعايير سياسيّة ونفعيّة إشكاليّة لا تمت للصحّة والطبابة بصلة. خلال العام 2019 فقط، اضطر مستشفى “المطّلع” في القدس وقف استقباله لمرضى السرطان إثر توقّف السلطة عن دفع الميزانيّات المستحقّة للمستشفى، حيث بلغت ديون السلطة للمستشفى أكثر من 60 مليون دولار أمريكيّ. وكذلك شهد مستشفى “المقاصد” في القدس حالة مشابهة.

وانفجرت قضيّة المستشفى الأمريكي في غزّة، والذي دار حوله جدل عنيف بين فتح وحماس، حيث طغت بوقاحة التجاذبات السياسيّة على الأسئلة الطبيّة والإنسانيّة. وكذلك أعلن الأطباء إضرابات بعد تزايد حالات الاعتداء على الطواقم الطبيّة ونكث وزارة الصحّة كافّة وعودها باتخاذ خطوات لحماية الطواقم الطبيّة. وقضيّة أخرى ِأشعلت الرأي العام الفلسطيني في الضفّة هي قضيّة إدارة مستشفى جامعة النجاح. فبعد أن احتفلت الحكومة ووسائل إعلامها بالإنجازات العلميّة “التاريخيّة” لجرّاح القلب د. سليم حاج يحيى وعيّنته مديراً لمستشفى جامعة النجاح في نابلس، عاد رئيس الحكومة السابق رامي الحمدلله وأقاله من منصبه بعد فترةٍ وجيزة دون أي مبررات منطقيّة، وسط إهانته والحط من قدراته العلميّة عبر وسائل الإعلام! وإن كان هذا كلّه لا يكفي، لنتذكّر أحد أوّل وأهم القرارات التي اتخذها رئيس الحكومة محمد اشتية في ذلك العام: وقف التحويلات الطبيّة للمرضى الفلسطينيين إلى المستشفيات الإسرائيليّة وتوجيههم لتلقي العلاج في الخارج.

تردّت الأوضاع في الضفّة الغربيّة إلى درجاتٍ مروّعة، ثم ومع نهاية العام 2020 صار من الواضح أنّ الناس سلّمت أمرها. وبفعل التعوّد، تحوّل التعامل مع الوباء من مرضٍ يستحق التنبّه والهلع إلى قدرٍ محتومٍ لا حول ولا قوّة لنا بتغييره. استطاعت السلطة أن تزرع اليأس بالناس فيما يتعلّق بالمطالبات والاحتجاجات بشأن إدارة الوباء.

في واقعٍ تغرق فيه السلطة ورؤوس أموالها وأجهزتها الأمنيّة بتعامل وعلاقات يوميّة مع الاحتلال، لم يجد رئيس الحكومة إلا المرضى ليضحي بهم مستعرضاً عضلاته بأكاذيب “الانفكاك” عن الاحتلال.

في ظل هذا الواقع، وبانعدام شبه تام لثقة الناس بهذه السلطة، احتاجت الأخيرة إلى استعراض نفسها وإنجازاتها في إدارة الأزمة باعتبارها فرصة لإظهار سيطرتها وجدوى وجودها وجدارتها بالحكم (و”الجدارة بالحكم” هو الشعار الذي فُرض على السلطة لإعادة هيكلتها بعد الانتفاضة الثانية). تحقيق إنجازٍ في إدارة الأزمة هدف مبارك ومطلوب بالطبع، هذا لو أن المحاولة تجري بأدوات واعتبارات طبيّة وعلميّة وموضوعيّة، تضع نصب أعينها سلامة الناس وحياتهم. لكن في ظل انهيار البنيّة التحتيّة الصحيّة: المستشفيات غير مجهّزة ومعدومة الميزانيّات، والطواقم الطبيّة مُنهكة وتفتقر لمعدّات وقائيّة أساسيّة، وهناك شح شديد في الأسرّة وأجهزة التنفّس الاصطناعيّ والأدوية، وضعف بنى تحتيّة أساسيّة في مكافحة الوباء، مثل توفّر المياه النظيفة والصرف الصحي، كما الاكتظاظ السكّاني وانعدام المساحات المفتوحة… في ظل كل هذا، فإن محاولة السلطة لا يمكنها أن تعتمد إلا على جهازها الذي يعرف لغةً واحدة…

الحل الأمني للكورونا: ليست مسألة حقوقيّة فحسب

حاولت السلطة تحقيق إنجازها من خلال البنية التحتيّة الوحيدة التي تمتلكها وتعتني بها أشد عناية: الأمن. فُرض قانون الطوارئ وجرى تمديده مرة بعد مرّة، وقُطعت المدن عن بعضها البعض وفُرض حظر التجوّل، وامتلأت الشوارع بالحواجز، ونزل المحافظون والمخبرون وشباب حركة فتح ليستعرضوا قوّة “تنفيذ القانون” في الشوارع، وجرى اقتحام المحلّات التي زاولت عملها سراً. وتحوّلت السلطة إلى ممارسات قمعيّة بهذا النمط حتّى فرضت إجراءات وحشية منعت العائلات من المشاركة في دفن موتاها دون أي مبرّرٍ طبي. وحيث كان العالم كلّه قد قيّد جزءاً من الحريّات كأداة من ضمن أدوات كثيرة لمكافحة الوباء، لم تمتلك السلطة أي أداة أخرى للوقاية إلا تقييد الحريّات وانتهاك الحقوق.

لم تكن طبيعة هذا التعاطي الأمني مجرّد تفصيل مقلق سياسياً أو مجرّد انتهاك حقوقي، إنما أدى لإسقاطات خطيرة صحياً أودت بحياة مئات كان يمكن انقاذهم. فعلاوةً على انعدام الثقة عموماً بالمؤسسات الطبيّة وبإدارة السلطة للأزمة، أتت الخطوات الأمنيّة غير تناسبيّة، متطرّفة من حيث مستواها ومن حيث توقيتها الذي جاء مبكراً جداً وقبل فترة من أن يتفشّى الوباء في الضفّة الغربيّة فعلاً. وهو ما حذّر منه أطباء وخبراء، شدّدوا على أن الإغلاق الشامل والمشدد (بدلاً من التدريج البطيء للتقييدات) قبل تطوّر الحالة الوبائيّة، والذي تحوّل إلى استعراضٍ وتظاهرةٍ ليس إلا، من شأنه أن يؤدي إلى انفجار الحالة الوبائيّة بعد شهور بضربةٍ واحدة، وبالتالي انهيار المستشفيات تحت الضغط وفقدان حياة الكثيرين. وهذا ما حدث فعلاً.

السلطة، المصرّة على عرض عضلاتها، فرضت في الموجة الأولى حظر التجوّل في مدنٍ تنعدم فيها الإصابات تماماً، وقُطع التنقّل بين كل المحافظات، وأُنهك المجتمع تحت أحمالٍ اقتصاديّة هائلة.

بحسب البيانات المتبجّحة الصادرة عن وزير العمل، خلال عام ونصف من الإغلاقات والتشديدات، تلقّى 70 ألف عامل فقط (في الضفّة وغزّة معاً، أي من بين أكثر من مليون عامل!) منحةً لا تتجاوز 200 دولار ولمرة واحدة فقط.

أفاد تقرير الأمم المتّحدة في منتصف 2020 (والأزمة كان في بدايتها!) أنّ ارتفاعاً حاداً طرأ في التوجهات للمراكز النسويّة. على سبيل المثال، تلقّت جمعيّة المرأة العاملة وحدها أكثر من 510 مكالمة هاتفيّة تخطر بعنفٍ بحق النساء… خلال أسبوعين!

مع الموجة الثانية، بدأ تمرّد الناس، وفُرض أمر واقع بخرق التعليمات الحكوميّة. ومع إدراكها لكارثيّة الموقف، ولأن دوافعها الأساسيّة الحفاظ على الهيبة السياسيّة، انسحبت السلطة من المشهد. امتنعت عن محاولة فرض التعليمات والتقييدات باعتبارها محاولة محكومة بالفشل، وتغاضت عن فلتان تام، حافظةً لنفسها ماء وجهٍ أمنيّ، بينما تفشّى المرض وسلب أرواح أكثر من 2,400 فلسطيني في الضفّة الغربيّة فقط. امتلأت الأسرّة والمستشفيات، لا سيما في شمال الضفّة الغربيّة، وحاول الناس تدبّر أمورهم، بعلاقاتهم ومعارفهم، من أجل البحث عن سريرٍ فارغٍ لعلاج من يحبّون في أي مدينةٍ أخرى. فحتّى جهد البحث عن أسرّة شاغرة لم يكن من مهام أي جهازٍ صحيّ. ويفسّر ذلك إلى حدٍ بعيد التقسيم العمري لحالات الوفاة، الذي يظهر فيه ارتفاع بنسبة المتوفّين بسنٍ أصغر، أولئك الذين كان من الممكن إنقاذهم فعلاً. على سبيل المثال، فإن نسبة المتوفّين من الوباء في إسرائيل تحت سن 70 لا تتعدّى 24 في المئة، بين تبلغ في الضفّة الغربيّة 47.6 في المئة! (المعطيات من مواقع وزارتي الصحّة حتّى يوم 6 تمّوز/يوليو 2021)

الانسحاب كمنهجيّة

يُمكن التفكير “بانسحاب السلطة من المشهد” كمنهجيّة لها ا في عدّة مجالات. فإن كانت في البداية قد عوّلت على ذراعها الأمني ثم انسحبت بعد أن رأت الفشل يلوح أمامها، فقد انسحبت في مجالات أخرى على طول الأزمة. ولعل الانسحاب الأبرز بدأ في أيّام الأزمة الأولى، حين بدأت تظهر نية السلطة الانسحاب شبه التام من مسؤوليّاتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة إثر الوباء، وبدأت بتحميل المسؤوليّة للقطاع الخاص.

أظهرت الأزمة بشكلٍ غير مسبوق حقيقة الاقتصاد الفلسطيني كما تأسس في الضفّة. منذ اليوم الأوّل، تولّى القطاع الخاص بشركاته وبنوكه الكبرى دوراً مركزياً في قيادة “الحلول” الاقتصاديّة. وبدلًا من منظومة وطنيّة تُقدّم الدعم كحقٍ قانونيّ يُدفع للناس لتعوّضها عن الأضرار، اتّجهت السلطة نحو تشكيل صندوقٍ (“وقفة عز”) يديره القطاع الخاص وتتبرع له الشركات الكبرى طوعاً ويوزّع المنح والهبات للمتقدّمين بالطلبات. على سبيل المثال، نُصّب على رأس الصندوق طلال ناصر الدين مدير شركة بيرزيت للأدوية، وبينما هو يرأس الصندوق كان يرفع أسعار الأدوية في الضفّة بنسبٍ وصلت الى 60 في المئة من سعرها، وذلك في ذروة الجائحة!

هكذا تحوّل صندوق “وقفة عز” إلى العنوان الأكبر والأكثر مركزيّة في مجال الدعم الاقتصادي – شركات تتبرّع بمبالغ لا تُذكر مقارنةً بأرباحها، تحصد تغطية ودعاية إعلاميّة هائلة، وتمنّن الناس بمنحٍ تقارب 150 دولار ليس إلا… للعائلة ولمرةٍ واحدة! وبعد أن انتهى دور هذا الصندوق، جاء دور البنك الدولي ليقدّم منحةً للعمّال المتضرّرين (واحداً من كل عائلة) بقيمة 200 دولار ولمرةٍ واحدة. بأفضل التقديرات، وبحسب البيانات المتبجّحة الصادرة عن وزير العمل، خلال عام ونصف من الإغلاقات والتشديدات، تلقّى 70 ألف عامل فقط (في الضفّة وغزّة معاً، أي من بين أكثر من مليون عامل!) منحةً لا تتجاوز 200 دولار ولمرة واحدة فقط. كذلك عجزت السلطة عن تقديم دعمٍ حقيقيّ للمحلات التي أمرت بإغلاقها أو العمّال الذين أجبرتهم على البقاء في منازلهم. وبدت التخفيضات في الرسوم والضرائب عشوائيّة وغير مفهومة وسرعان ما تم التراجع عنها، وصاغت سلطة النقد “تسهيلات” بانت حقيقتها سريعاً وثبت أنّها تؤجّل دفع الديوان لكنّها تزيد الفوائد عليها. هذا، غير القصور الهائل في دعم المرافق والمؤسسات الاجتماعيّة التابعة للسلطة التي من شأنها أن تدعّم المجتمع في هذا الظرف، مثل مراكز إيواء وحماية النساء، مع اشتداد حالات العنف الأسري وقتل النساء في ظل الجائحة. إذ أفاد تقرير الأمم المتّحدة في منتصف 2020 (والأزمة كان في بدايتها!) أنّ ارتفاعاً حاداً طرأ في التوجهات للمراكز النسويّة. على سبيل المثال، تلقّت جمعيّة المرأة العاملة وحدها أكثر من 510 مكالمة هاتفيّة تخطر بعنفٍ بحق النساء… خلال أسبوعين!

ينطبق منهج الانسحاب كذلك على مسألة توزيع اللقاحات. هناك، انطلقت السلطة بدايةً بموجة فسادٍ مفضوحة لتطعيم البيئة المحيطة بالرئيس محمود عبّاس أولاً وكبار رجال السلطة وعائلاتهم وأصدقائهم. وعرض رجال السلطة التطعيمات كرشاوى سياسيّة لقيادات في فصائل ومدراء مؤسسات حقوق إنسان. وفي غياب منظومة توزيع نزيهة ومنصفة للتطعيم، وفي ظل “تسوّل” تطعيمات من هناك وهناك، وبالتالي وصول التطعيمات بشكل متقطّع، اضطر الناس إلى تدبّر أمورهم بأنفسهم حتّى في هذا. وبدأت شبكة الفساد تتفرّع، وتنزل من رأس الهرم ومحيطه إلى حالةٍ شاملة من المحسوبيات والواسطة التي يحاول فيها كل إنسان أن يتدبّر أمره بعلاقاته الشخصيّة ليحمي عائلته. هذا غير من حاولوا إيجاد وسائل لتلقّي التطعيم لدى الإسرائيليين على الحواجز وفي “نقاط الارتباط”، من عاملين في مؤسسات غير حكوميّة أجنبيّة في الضفّة الغربيّة، أو أقرباء عمّال من الضفّة في داخل إسرائيل. وكان المبدأ الإسرائيلي هناك أنها تطعّم من يُمكنهم، هم أو أقربائهم، الدخول إلى إسرائيل. وبكلمات أخرى: يستحق الفلسطيني التطعيم فقط إن كان من المحتمل أن يعرّض صحّة إسرائيلي ما للخطر.

يأسٌ تعثّر

تردّت الأوضاع في الضفّة الغربيّة إلى درجاتٍ مروّعة، ثم ومع نهاية العام 2020 صار من الواضح أنّ الناس سلّمت أمرها. وبفعل التعوّد، تحوّل التعامل مع الوباء من مرضٍ يستحق التنبّه والهلع إلى قدرٍ محتومٍ لا حول ولا قوّة لنا بتغييره. استطاعت السلطة أن تزرع اليأس بالناس فيما يتعلّق بالمطالبات والاحتجاجات بشأن إدارة الوباء. بات من الواضح أن شيئاً لا يمكنه إنقاذ الجهاز الطبي المنهار – لا التعداد اليومي لآلات التنفّس ولا الجدل حول عدد الأسرّة – وبات انتظار استحقاقات اقتصاديّة واجتماعيّة من السلطة إهداراً للوقت. بدلاً من ذلك، عاد الناس إلى مزاولة حياتهم كالمعتاد على الرغم من قرارات وتقييدات وتعليمات السلطة، وغضّت الأخيرة النظر. وبتنا في وضعيّة ملخّصها أننا غير قادرين على تحمّل الأعباء الاقتصاديّة أبداً، فلنضحّي إذاً بصحّتنا وحياتنا لنُطعم أطفالنا ونعيش ما تبقى من حياتنا بالحد الأدنى من الكرامة.

بتنا في وضعيّة ملخّصها أننا غير قادرين على تحمّل الأعباء الاقتصاديّة أبداً، فلنضحّي إذاً بصحّتنا وحياتنا لنُطْعم أطفالنا ونعيش ما تبقى من حياتنا بالحد الأدنى من الكرامة. لكن هذا اليأس الذي زرعته السلطة تعثّر مع ارتكاب جريمة اغتيال نزار بنات، وها نساء ورجال الضفّة يومياً يصوغون مرحلة جديدة في مواجهة سلطة ظالمة وفاسدة تحمي الاحتلال الإسرائيلي.

لكن هذا اليأس الذي زرعته السلطة تعثّر مع ارتكاب جريمة اغتيال نزار بنات. ليس فقط لأنه إنسان لا يملك إلا صوته وضميره وخطابه واحترام الناس له. بل لأنّه قُتل على خلفيّة الحقارة التي مارستها السلطة في إدارتها لأزمة الكورونا، حقارة أفقدت الناس أحبتهم لأنهم لم يجدوا سريراً في المستشفى، وجعلت الناس يتحمّلون المرض والخطر ثمناً لأكل عيشهم. وكان هذا الاغتيال صفعةً أيقظتنا من نوم يائس كئيب، وحرّكت الناس في الضفّة ضد الظلم، وها نساء ورجال الضفّة يومياً يصوغون مرحلة جديدة في مواجهة سلطة ظالمة وفاسدة تحمي الاحتلال الإسرائيلي.