النفاق السياسي يضر الوطن ولا يخدم النظام / أ. د. انيس الخصاونة

177

أ. د. انيس الخصاونة ( الأردن ) – السبت 12/6/2021 م …

يحتفل الأردن بالمئوية الأولى على إنشاء الدولة الأردنية ويفتخر أبناءه بالإنجازات المادية والاعتبارية التي تم تحقيقها على مدار قرن من الزمان. فسجلات الأردن في مجالات الصحة والتعليم الأساسي والجامعي، وبناء مؤسسات الدولة وفي مقدمتها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والخدمية، كل ذلك يعد مصدر فخر لأبناء هذا البلد الطيب.

مشاكل لا حصر لها ما زالت تنتظر التعامل معها ومن أبرزها البطالة والفقر وانخفاض مستويات المعيشة. أما الإصلاح السياسي فيعد القضية الأكثر تعقيدا وصعوبة بسبب اختلاف الرؤى والمفاهيم، وبسبب العثرات الكثيرة التي كانت تضعها الحكومات السابقة أمام الإصلاح مما جعل الإصلاح السياسي مصطلح أجوف مثله كمثل الإناء الأجوف حيث الضجيج العالي دون منفعة تذكر. نقول ذلك ونحن نستقبل ببالغ التفاؤل تشكيل لجنة ملكية للإصلاح وإن كنا نعتقد بأن حجم هذه اللجنة وغياب بعض الرموز الوطنية عن عضويتها فوت فرصة ثمينة لإثراء مداولاتها وتعزيز مخرجاتها.

ما نريد التركيز عليه في هذا المقال ليس عملية الإصلاح السياسي وإن كان في جعبتنا الكثير لنقوله عنها وعما تعرض له الإصلاح من تشويه لمعناه ومن افتئات على رسالته ومقاصده، حيث وجدنا بعض عشاق السلطة والممالئين للمسؤولين يعرقلون الإصلاح تحت مبررات واهية مثل “لا نريد حرق المراحل” أو “لا نريد القفز في الهواء” أو نريد “التدرج في الإصلاح” أو “أن الأردنيين غير جاهزين للديمقراطية”.

وهنا أستغرب ما الذي يقصده هؤلاء بالتدرج وحرق المراحل ،فالإصلاح السياسي مثله مثل المرض الذي يحتاج إلى علاج ودواء فهل يريد هؤلاء “الملكيون أكثر من الملك” أن يمنعوا العلاج ويطولوا أمده حرصا على المريض وخوفا عليه أن يموت بسبب تناول وصفة العلاج! أم أن هذا يدخل في المزاودة على النظام، أو حرصا على استمرار ودوام المصالح الخاصة للنخب المستفيدة من غياب الإصلاح!

ما نريد تناوله هو النفاق السياسي الذي يمارسه بعض من الشخوص حيث يقلبون الحقائق ويمالئون أولي الأمر. هالني ما سمعته أمس من تعليق لأحد الوزراء السابقين تعقيبا على تشكيل لجنة الإصلاح عندما قال ومن على شاشة التلفزيون الأردني الرسمي أن “الملك هو الدولة في الأردن” وهي تقريبا نفس العبارة التي أطلقها ملك فرنسا لويس الرابع عشر “أنا الدولة و الدولة أنا”، والذي حكم فرنسا منذ 1643 و حتى 1715. هذه المقولة وبالرغم من كونها شعار سياسي بسيط إلا أنه يحتوي مفهوماً خطيراً، وأن العلماء أجمعوا على أنها تنطوي على سلوك ديكتاتوري غير مباشر مفاده أن من يقوم بانتقاد الحاكم أو يقف في وجهه أو يعترض على قراراته و يخالفه في رأيه، يعتبر خائن للدولة، وفي هذه الحالة يعتبر الملك ووزراؤه وحاشيته وكل ما يتعلق برجال الدولة خطاً أحمر لا يجب الاقتراب منه.

لا أعلم كيف يمكن لوزير سابق وأستاذ جامعي في العلوم السياسية أن يقول أن الملك هو الدولة في الأردن. الملك هو رأس الدولة ويترأس سلطاتها الثلاث بحكم الدستور، والملك ليس هو الدولة فالدولة معروفة عناصرها الأرض والشعب والدستور والسيادة. وهنا أتساءل ما الفرق بين من النائب الذي قال بأننا ندوس على الدستور من أجل الملك! وما الفرق بين ما قاله معاليه وبين شتائم التحقير التي أطلقها أحد النواب السابقين بحق المجلس؟ إن ما قاله الوزير بالتأكيد ليس سقطة لسان فهو أستاذ جامعي حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية وتقلد مناصب سياسية وتشريعية متعددة فهو يقصد ما يقوله وبالتالي لا أعلم كيف وصلت به الأمور إلى هذه المآلات، وهل هذا نابع من حبه للملك أم من حبه للسلطة؟ وكيف يمكن لهذا الوزير أن يواجه طلبته في الجامعة وهو يردد ما قاله لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر؟

لا أعتقد بأن ما قاله الوزير السابق عن الملك يرضي الملك ولا يخدم النظام السياسي. لقد تجاوز العالم كله مفهوم لويس الرابع عشر “أنا الدولة والدولة أنا” حيث يمتلك الملك الأرض ومن عليها، وأعتقد أن الملك يحرص على إرساء المؤسسية وقواعد تداول السلطة وإلا لما شكل لجنة لتطوير المنظومة السياسية في الدولة. الملك ليس بحاجة لهذا التملق السياسي الذي يضر الملك ولا يخدم الوطن، وإن كان للوزير المشار إليه طموحات سياسية مشروعة فليحققها عبر طرق أكثر مشروعية، وأكثر موضوعية، وأكثر أكاديمية، فالأردنيون لم تعد ينطلي عليهم الشعارات والتزلف السياسي والثقافة السياسية الرديئة….