الراهب الفلسطيني أنطون حنانيا يروي معاناته في دير مار جريس صيدنايا

55


 مدارات عربية – الثلاثاء 8/6/2021 م …

كتب:الراهب أنطون حنانيا

لقد ظننت، أنا الاب الراهب انطونيوس حنانيا العكاوي الجليلي الفلسطيني، بأن كابوس يوم القدس العالمي قد ولى منذ حرمت من النزول إلى الشام للإشتراك بمسيرة شعبي الحبيب الفلسطيني وشعبنا العربي المناصر لنا.

آنذاك، هدد رئيس الدير بطردي من الدير وتحجج بأنه رفض العزيمة ليتفرغ للدير قائلا: “ليس لنا عمل في هذه المسيرة”، ولكنني شعرت بعد برهة بأن التلاعب والمناورات ما زالت تحيط بي وكأن كابوس حارس القدس المطران إيلاريون كبوجي يعودني زائرا.

ما يزال العدو يفتك بنا بطريقة غير مرئية من خلال عملاء له ومن خلال الإملاءات الخفية، إنه عدو يعمل في الظلمة وفي تشويه الحقائق عن جوهر الإنسان الصادق، الذي يفتش عن أصوله ومعنى حياته في المسيح الذي يتجلى في وسط شعب فلسطين المسلم والمسيحي.

البطريركية لم تتجاوب مع حاجتي لقضاء بعض الأيام فيها وكأنها تحالفت مع رئيس الدير لمنعي من العمل الوطني، ما أحزنني واغضبني في هذا الدير وأماكن أخرى زرتها هو اقتناص المسلمات وتعميدهن،ولا أستطيع تعداد المسلمات اللواتي تعمدن لكثرتهن وخصوصا أنهن جميعا نسوة جميلات وشابات يافعات.

ماذا لو حدث ان العماد سبب خلافا في العائلة وعرض هذه الإنسانة إلى مشكلة؟ لماذا لا نحدثهن عن المسيح دون تغيير دينهن ومعتقدهن؟ ألم يفعل هذا بطريرك العروبة غريغوريوس الرابع الحداد عندما رفض تعميد المسلمين قائلا لهم: “أحبوا المسيح كمسلمين”!

 فعل ذلك البطريرك لانه احترم العلاقات الطيبة والجيدة مع المسلمين، كيف نأخذ المسلمات ونحدثهن عن المسيح ناقضين تاريخا مليئا بالقساوة التي مارستها بيزنطية على انطلاقة الإسلام متهمة إياهم بالهرطقة الإسماعيلية الخضراء؟ ألم يدخل الإسلام مسيحيون هربوا من ظلم اليونانيين الروم وملوك بيزنطية؟ ألم تتقاتل الطوائف المسيحية حول العقائد اللاهوتية قتالا دمويا بين الروم من جهة وبين السريان والأرمن والاقباط من جهة أخرى؟

جاء المسيح ملقيا السلام على الأرض، ولكن ما إن تقاتل المسيحيون فيما بينهم بجدل بيزنطي عقيم، حتى سمح المسيح بالإسلام على الأرض ليخزي البيزنطيين المستكبرين المتعصبين المملوئين كراهية لمن هو مختلف عنهم. هذا لم يمنع من وجود مسيحيين مشرقيين تحابوا مع المسلمين وشعروا بالآمان في أوساطهم البسيطة.

 الحياة الإسلامية العربية وغير العربية جميلة ببساطتها إن خلت من التعصب والتكفير للآخرين،في هذا الدير هذا ما حدث وهذا ما يزال يحدث الى يومنا هذا،مع إنني لم أشترك بأية معمودية لاني لا أوافق على ما يجري.

يفتخر الرهبان بأنفسهم وخصوصا هؤلاء الذين يتلمذون تلك الشابات والنساء،و يقولون لهن لن نعطيكن شهادة المعمودية إلا عندما تقررن السفر خارج البلاد،وهناك ظاهرة ثانية تزعجني وهي مجيء الكثيرين من الذين يرغبون بالرهبنة والخورنة ليهربوا من خدمة الجيش.

 انا اعرف ان بعض الشباب لديهم صدق في ذلك ولكنني سمعت أيضا البعض يقول: “مجرد ان لدي ورقة كنسية تقول بأني أريد أن أصبح راهبا او كاهنا، فإن القانون يعفيني من الخدمة العسكرية”،وهل السوريون الآخرون الذين يضحون بأرواحهم ليست ثمينة بأعين ذويهم؟

مشكلة ثالثة أعاني منها وهي الاحتقار الذي أشعر به في عدم استعمال علومي ومعرفتي بين الشبيبة، وأرى رئيس الدير يعطي ‘أتباعه’ من الرهبان المحاضرات لإلقائها على فرق الرياضات الروحية وأبقى معزولا وكأن لا قيمة لكل علومي واختباراتي في هذه الحياة مع أنني الأكثر تعلما بينهم.

 لقد جاء الكثيرون لزيارتي ولكن رئيس الدير أعلمهم بأني لست في الدير او في خلوة روحية،وتكلم عن لساني دون علمي ودون موافقتي،وعندما أتيت الى هذا الدير، جئت راهبا حرا وشماسا إنجيليا وأكاديميا بحريتي ظانا أنني سأكمل مهنة التعليم وأخدم مذابح الكنيسة.

لم أكن أنوي أن أعيش في دير متناقض يتعاطى بالمحسوبيات، ولكن صراحتي وصدق دعوتي لم تقع على آذان ترغب بمساعدتي، لقد زرت أديارا كثيرة وكنت أرى بأم عيني رئيس الدير حاضرا في كل الخدم الكنسية.

 في هذا الدير، نادرا ما ارى رئيس الدير في الخدم الكنسية سوى في الأعياد الكبرى وأيام الآحاد عندما يعظ الناس عن يسوع، هل هي عادة متبعة ان يخرج رئيس دير من ديره عند الساعة العاشرة والنصف مساء ويعود عند الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل؟ هذه الواقعة حدثت عدة مرات وهذا ما سبب له حادثا قتوليا كان قد أدى بحياته عندما اصطدم بسيارة وحاجز للجيش.

قيل له لا تقود السيارة بعد اليوم ولكن لا صوت لمن تنادي،و جميع الذين زاروا الدير راغبين في التكلم معي، منعوا ومع الوقت أصبحوا من المزدرين والمعادين.

خلق عداء بينهم وبيني وكأنه يريد احتقار علومي ومعرفتي، يريدني من بعيد ولكن إن اقتربت من أحد ترتعب فرائصه وفرائص أتباعه من الرهبان، النميمة في الدير داء حقيقي، حياة ‘الرئيس’ (كما يسميه راهب) خمس نجوم مع خدم وحشم والتعتير على من ليس له نصيب من هذه الثلة والشلة.

 وأسفاه على ما وصلنا إليه! من يعيش هنا يشعر بأنه في اليونان، هندسة المباني يونانية والأدب الروحي المستعمل يوناني وروسي، والقديسون من اليونانيين كباييسيوس وبرفيريوس وقلما نأتي على ذكر قديسينا المحليين في أرض الشام.

الفلسطيني الذي عانى من احتلال اليونان لكنيسته وما يزال يعاني، لا تستريح نفسه إلا لما هو أصيل عربي مشرقي ومحلي، انا غريب في أرضي وغريب بين أبناء شعبي، حسبي الله ونعم الوكيل من صهاينة الخارج والداخل!