الدبلوماسية الاسرائيلية في اعقاب حرب 1948 م / د. أمين محمود

52

د. امين محمود ( الأردن ) – الأربعاء 14/4/2021 م …

** توتر سوفييتي وانحياز امريكي
ان المتتبع لرؤية الحركة الصهيونية وفلسفتها الاستراتيجية يلاحظ أن تركيزها في أعقاب حرب 1948 كان على استقطاب وجذب اكبر عدد ممكن من المهاجرين اليهود لتوطينهم في فلسطين فور اقامة الدولة اليهودية. ومن اجل انجاح هذه السياسة المتعلقة بالهجرات لجأت الدولة اليهودية الى التظاهر بتبني سياسة خارجية قائمة على مبدأ عدم الانحياز بين القوتين الكبرتين على أمل رفع الحظر عن الهجرات الجماعية لملايين اليهود في “الشتات” ولا سيما في دول المعسكر الشرقي.

وكان القصد من وراء التظاهر باتباع سياسة عدم الانحياز هذه هو التخفيف من وطأة أي مصاعب او مضايقات قد يتعرض لها اليهود في الخارج وخاصة في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، اضافة الى رغبتها في التغطية على ارتباطها بالمعسكر الرأسمالي الغربي من خلال طرح نفسها دولة محايدة على الصعيد الدولي مستفيدة في ذلك من خلال توافق الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي رغم نشوب الحرب الباردة بينهما على تأييد اقامة اسرائيل والاعتراف بها.

ولم يكن لهذا الموقف الاسرائيلي أي تأثير على العلاقات الامريكية الأسرائيلية الوثيقة ، اذ أن أمريكا كانت تدرك حقيقة الموقف الاسرائيلي ومدى الاعتماد الاسرائيلي الرئيس على الدعم الأمريكي، اصافة الى ادراكها مدى تأثير يهود امريكا على سياسة اسرائيل واقتصادها . وجاء في مذكرة أعدها وزير الدفاع الامريكي الى مجلس الامن القومي في السادس والعشرين من مايو 1949 بعنوان ” مصالح الولايات المتحدة الحيوية في “اسرائيل” ، جاء فيها ان قادة اسرائيل قد اكدوا له مرارا انهم يدركون ،”ان مستقبل اسرائيل مرهون بارتباطها بالغرب ، الا انه ينوجب عليهم اتخاذ موقف الحياد العلني من اجل تسهيل هجرة اليهود الموجودين حاليا وراء الستار الحديدي الى “اسرائيل”.

وتناولت المذكرة أهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي تشغله اسرائيل على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط ومدى
اهميته بالنسبة للوجود الامريكي في المنطقة ، وما يمكن أن نقدمه هذه الدولة من تسهيلات عسكرية للقوات الامريكية في استخدامها مرافئها البحرية وقواعدها الجوية، اضافة الى التعاون العسكري بين اليلدين في حال نشوب اي مواجهة مع الاتحاد السوفييتي. وكان التعاون الاستخباري بين الاجهزة الاسرائيلية والامريكية يشكل عنصرا هاما في شبكة الاتصالات بين الطرفين بفضل شبكات الهاجاناة الاستخبارية في دول اوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي، وبفضل المعلومات التي كان بامكان المهاجرين من تلك الدول تقديمها . وتشير الدلائل الى انه تم عقد اتفاق سري بين الطرفين في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية، مما ادى الى ان تكون اجهزة الاستخبارات الامريكية أكثر تعاطفا وأشد التصاقا باسرائيل من وزارة الدفاع والخارجية (الياس شوفاني، اسرائيل في خمسين عاما، ج 2 ، ص 35).

غير ان العلاقات السوفييتية الاسرائيلية ما لبثت ان ازدادت سوءا لدى اتضاح الصورة امام السوفييت بان الاقتصاد الاسرائيلي اصبح يعتمد بشكل رئيس على المساعدات المالية التي تقدمها الولايات المتحدة سواء كان مصدرها الحكومة الامريكية نفسها او التبرعات التي كان يتولى تأمينها تحالف المنظمات اليهودية في أمريكا . وقد جاءت مساعدات الحكومة الامريكية على شكل هبات وقروض ومساعدات تقنية وعلمية وفائض انتاج زراعي، وشكلت هذه في مجملها قوة اضافية في يد الحكومة الامريكية للتأثير المباشر على القرار الاسرائيلي وكبح حريته في تقرير نمط الاقتصاد الاسرائيلي، وبمعنى اّخر الابتعاد عن نمط الاقتصاد الاشتراكي الذي كان الاتحاد السوفييتي يأمل أن تتبناه اسرائيل، و كان موقف الدولة اليهودية في الانحياز الى الولايات المتحدة في الحرب الكورية مبررا كافيا لادراج الولايات المتحدة اسرائيل ضمن اكثر الدول تلقيا للمساعدات الأمريكية .

وهكذا فان ادعاءات اسرائيل بعدم انحيازها الى هذه الكتلة أو تلك لم يدم طويلا اذ سرعان ما انكشف امرها وبانت العلاقة التي تربطها بالدول الغربية واحتكاراتها الرأسمالية وخاصة الامريكية منها. وبالتالي فقد خاب ما عقده السوفييت على اسرائيل من امال لتعزيز دورهم من خلالها في الشرق الاوسط ، اذ كان هذا احد اهم العوامل التي كانت تكمن وراء تقرب السوفييت من المستوطنين الصهاينة ودعمهم ومناصرتهم لمشروع الدولة اليهودية وتقديم المساعدة العسكرية لها ومساعدتها في حرب عام 1948 ومن ثم الاعتراف بقيامها وتأييد قبولها في الامم المتحدة . وكان من نتيجة ذلك كله ان تخلت دول المعسكر الاشتراكي عن تأييدها السابق وحماستها المتزايدة لاسرائيل .. وما لبثت ان بادرت الى وقف مساعداتها الاقتصادية والعسكرية التي كانت تقدمها لها، اضافة الى تقييد السياسات المتعلقة بالهجرات اليهودية واعادة الحظر الذي كان مفروضا عليها في السابق وذلك انسجاما مع الموقف السوفييتي وسياسته بهذا الخصوص.

ومن اللافت للنظر ان موضوع الارتباطات الاسرائيلية الوثيقة بالولايات المتحدة قد اصبح منذ مطلع عام 1949 موضوعا متكررا في الصحافة السوفييتية . وكان ذلك بمثالة مؤشر حقيقي وعملي لتدهور العلاقات الاسرائيلية السوفييتية . حيث جاء رد فعل السوفييت عنيفا تجاه الهبات والمساعدات الامريكية Roi, Ibid التي كشف عنها وخاصة القرض الذي حصلت عليه اسرائيل من بنك الاستيراد والتصدير الامريكي (Taxicab Ro’l , Decision in Practice , p.132).

فقد علق فلاديمير لوتسكي ، احد كبار خبراء السياسة الخارجية السوفييتية، في ندوة عقدها المعهد الباسيفيكي لأكاديمية العلوم في موسكو في يوليو 1949 بقوله : ” ان اسرائيل لم تف بالاّمال المتوقعة من وراء انشاء الدولة اليهودية . لقد دعا قرار التقسيم الى تأسيس دولة يهودية ديموقراطية مستقلة، ولكن اسرائيل تحولت الى دولة صهيونية برجوازية : فتحت ابوابها على مصراعيها لرأس المال الاجنبي، وقبلت قرضا من بنك الاستيراد والتصدير الامريكي بشروط لا تتلاءم وسيادة الدولة.

كما أبدت استعدادها للانضمام الى كتلة البحر المتوسط العدوانية التي كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان الى اقامتها، ( شوفاني، المصدر السابق). كما انتقد لوتسكي قادة اسرائيل لمعارضتهم مؤتمر السلم العالمي المنعقد في أبريل 1949، بايعازهم للهستدروت بالانسحاب من الاتحاد العام للنقابات العمالية.

وقد اعتبر هذا الأمر محاولة لشق وحدة العمال دوليا واساءة موجهة للانحاد السوفييتي . وجاء هذا التحرك في واقع الأمر بناء على ايعاز من الولايات المتحدة الى اسرائيل لوضع حد لتقاربها مع الاتحاد السوفييتي وتمتين ارتباطها بالمعسكر الغربي. غير ان الاتحاد السوفييتي بادر من جانبه الى اتهام الولايات المتحدة بأنها كانت تسعى من وراء سياستها تلك الى تأمين مصالحها الامبريالية قبل اي شيء اّخر وذلك على حساب أمن واستقرار المنطقة. ومن أجل تحقيق ذلك لجأت الولايات المتحدة بمشاركة كل من بريطانيا وفرنسا الى تسليح البلدان العربية الى الحد الذي لا يؤثر بطبيعة الحال على التفوق العسكري الاسرائيلي، وبالتالي العمل على عسكرة طرفي النزاع من أجل وضع المنطقة في حال استنفار دائم يخيم عليها باستمرار شبح الحرب، وانشغال شعوب المنطقة وبالذات العربية منها في تركيز جهودها على مواجهة الخطر الصهيوني. وبذلك يظل النفوذ الغربي بعيدا عن تعرضه لخطر المواجهة او المقاومة من داخل المنطقة .

ولم تمض فترة طويلة حتى اصبح واضحا ان الولايات المتحدة لا تعمل وحدها في منطقة الشرق الاوسط بل بتنسيق كامل مع اسرائيل. كما أن الاقتصاد الاسرائيلي اصبح يعتمد بشكل رئيس على مساعدة ودعم من الولايات المتحدة، وادى هذا الى توظيف اسرائيل لتصبح امتدادا للنفوذ الامريكي بحيث تساهم في تنفيذ مخططات الولايات المتحدة وحماية مصالحها في المنطقة العربية وما جاورها من دول الشرق الاوسط، اضافة الى انه اصبح من الواضح ان الولايات المتحدة كانت تسعى ايضا من وراء توثيق تحالفها مع اسرائيل الى ان يكون ذلك نواة تحالف اكبر يشمل ايضا، اضافة الى اسرائيل، اكبر عدد من دول المنطقة، وذلك من أجل تقوية نفوذها في هذه الدول بحيث يتسنى لها انشاء قواعد عسكرية فيها لحماية مصالحها واحتكاراتها النفطية، وتكون امتدادا لقواعدها العسكرية المنتشرة في دول حلف الأطلسي.
وكانت السياسة الأمريكية تستخدم جميع وسائل الدعاية لتعظيم وتعزيز مقولة الخطر الشيوعي وتهديده لدول المنطقة مما أشاع حالة من الخوف والقلق بين الانظمة الحاكمة في المنطقة، وحدا بحكامها الى احكام قبضتهم على شعوبهم ومسارعتهم الى استخدام سياسة القمع والاضطهاد ضد حركات التحرر الوطني وذلك خوفا على مصالحهم الخاصة وحرصا على بقائهم على رأس السلطة .

كما اصبح من الواضح ان الحكومة الاسرائيلية بتحالفها الوثيق وتزايد اعتمادها على الولايات المتحدة قد زادت من تنامي مشاعر الكراهية والعداء للسوفييت والشيوعيين في الأوساط الاسرائيلية صاحبة القرار، واصبحت اسرائيل تنسق مع الولايات المتحدة في صياغة سياستها تجاه المنطقة. كما أن الافتصاد الاسرائيلي لم يقتصر اعتماده على الدعم الذي كان يصله من الحكومة الأمريكية فقط وانما ايضا وبشكل متزايد في تلك الفترة على الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة التي كانت تقوم بدور الوسيط وقناة التصال مع الحكومة الأمريكية. وقد بلغت حصة اسرائيل حوالي 80 % من مجموع تحويلات اليهود الأمريكيين المالية الى خارج أمريكا، ومن ناحية أخرى قامت الولايات المتحدة بدور رئيس في حصول اسرائيل على تعويضات ألمانية لقاء ما “تعرض له اليهود من اضطهاد خلال الحكم النازي”. وقد قامت ألمانيا بالفعل بتقديم تعويضات مالية لاسرائيل بقيمة مليار دولار وذلك حسبما أفصحت عنه ألمانيا رسميا . غير أن الاعتقاد لدى العديد من الباحثين بأن التعويضات كانت أكبر بكثير مما تم الاعلان عنه. وقد كان لهذه التعويضات الألمانية الأثر الأكبر في نمو الاقتصاد الاسرائيلي خلال تلك الفترة لا سيما في مجال الانتاج الزراعي والصناعي، وكذلك في تكنولوجيا الري ووسائل النقل .

وقد ازدادت العلاقات السوفييتية الاسرائيلية توترا في أعقاب تصريحات موشيه شاريت، وزير خارجية اسرائيل، المتكررة بأن حكومته لن تحرم شعبها من ” فرص الاستفادة من رأس المال الأجنبي ومصادر المعرفة والمساعدة التقنية التي لا يمكن ان يقدمها سوى العالم المنفتح وليس العالم المنغلق”. والمقصود بالعالم المنفتح بطبيعة الحال الغرب بزعامة الولايات المتحدة، والعالم المنغلق الشرق بزعامة الاتحاد السوفييتي. وجاء رد وسائل الاعلام السوفييتية على هذه التصريحات الاسرائيلية متسما بالعنف، اذ استنكرت قيام اسرائيل بنكران الجميل لدور السوفييت المؤيد والداعم لقيام الدولة اليهودية. وكانت المفاجأة صحوة الضمير التي عبر عنها الاعلام السوفييتي حينما اعترف أخيرا بأن اسرائيل كانت هي الطرف المعتدي في حرب عام 1948 التي ” تسببت في بؤس الشعب الفلسطيني وتشريده عن ارضه” ، كما بادر الى شن حملة شديدة ضد السياسة العنصرية التي تتبعها اسرائيل ضد العرب متهما اياها بأنها جردتهم بمنتهى الصلافة من جميع حقوقهم الطبيعية والانسانية .

وهكذا انتهى شهر العسل السوفييتي الاسرائيلي الذي بدأ بأول خطاب ألقاه أندريه غروميكو أمام الأمم المتحدة موظفا فيه الماركسية بكل انتهازية لتبرير قيام الدولة الصهيونية، ومحذرا فيه عرب فلسطين من اللجوء الى المقاومة للدفاع عن وجودهم ووطنهم ! وعلى أية حال فقد تبين مما سبق أنه كان لصراع القوى الكبرى حول مناطق النفوذ في الشرق الأوسط تداعيات على بلورة الفكرة الصهيونية وتسابق هذه القوى على تجسيد هذه الفكرة والترويج لها، اضافة الى أنها أخذت تتنافس على التقرب من الصهيونية والعمل على توظيفها من أجل تحقيق أطماعها وطموحاتها في الشرق الأوسط. ولم تقتصر هذه القوى على قوى الامبريالية الغربية وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، وانما اشتملت أيضا على الاتحاد السوفييتي الذي برز في أعقاب الحرب العالمية الثانية كواحد من أكبر فوتين عالميتين الى جانب الولايات المتحدة.