عز الدين المناصرة … الكنعاني الذي لم  تسعه الدنيا فرحل / أسعد العزّوني

70

أسعد العزّوني ( الاردن ) – الإثنين 5/4/2021 م …

رحل صديقنا الفكري والنضالي  المبدع  عز الدين المناصرة،ذلك الكنعاني الذي لفّ الدنيا بأسرها ،يبحث عن فلسطين في أجندات البعض المتشدقين بوقوفهم مع القضية الفلسطينية وشعبها،لكنه ورغم جهده الدؤوب لم يجدها ،بل وجد صهينة كانت مغطاة بقطعة “شيفون”،إستبدلوها حاليا بلا شيء ،وبات لحمهم مكشوفا لكل جراثيم الأرض،وتدثروا خبيثين بنبي الله ابراهيم وفعلوا الفاحشة من منطوق المفعول بهم.

تنقل صديقنا المناضل في رحاب الوطن العربي من لبنان إلى الجزائرمرورا بلبنان والأردن وتونس ومصر وسوريا وبلدان اخرى ،وترك بصمات نضالية هنا وهناك ،وكرّس نهجه في المشهد الثوري في الجزائر خلال سنيّ تدريسه في الجامعة هناك ،وكان يقول لي كلما ألتقيه أن طالبا أو طالبة جزائرية أعدوا أطروحة دكتوراة عنه وعن مسيرته النضالية الأدبية ،وكان يشعر بالسعادة لأن مجلة الثقافة الجزائرية الغراء جمعتني به ،وكان جوابي له :لا تستغرب أيها الكنعاني فالجبال عادة  هي مصدّ للرياح وحاجز للمياه ،بمعنى أن الجزائر وشعبها منّا نحن الكنعانيين ،ونحن منهم فلا غرابة أن تكون العديد من أطروحات أبنائهم وبناتهم عنك ،لما لمسوه منك من صدق وإلتزام ،وهم المعروف عنهم أنهم صعبوا المراس ،ولكنهم أوفياء.

أجزم يا صديقي الراحل إلى رحمة ربك بعد أن ضاقت بك الدنيا بما رحبت،وضجرت كثيرا من شعاراتهم الكذابة ونواياهم الشريرة ،أن غالبية بيوت أهلنا في الجزائر كانت سرادق عزاء بك ولك،فشعب المليون شهيد أكثر وفاء مما يظن البعض الجاهل في علم أصول الشعوب والأنساب ،ولولا أنهم لمسوا منك صدقا يكاد غالبية أهل المشرق أن يفتقدوه ،لما كنت في ضمائرهم نجما مشعا .

ثائرا ومناضلا وملتزما وأديبا شاعرا وفليسوفا  وعلمأ كنت يا صديقي الراحل الكنعاني عز الدين المناصرة ،الذي يجمع سهولة ملمس البحر بمائه ورماله،وقوة هدير البحر المتوسط،وصلابة جبال الكرمل وعموم فلسطين،ومع ذلك كنت تحار عندما نناقش الوضع العربي إبان فترات لقائنا المتقطعة والمثقلة بالهموم ،ليس همووم الشعب الفلسطيني ،بل هموم المشرق والمغرب معا،فكلانا في الهم شرق،وجميعنا نئن من نفس المرض …إنعدام المواطنة الحقة ،وعدم وجود الحكم الرشيد،والتهميش والإقصاء والإبعاد ،وعدم توفير الفرص للمبدعين والمخلصين ،وهذا ما جعل كافة سفننا تغرق في عرض البحر قبل وصولها الشاطيء ،لإنعدام النوخذة الماهر القادر على توجيه دفة السفينة حيث بر الأمان ،وتجاوز الرياح العاتية والأمواج الهادرة.

لن أرثيك يا صاحب جفرا ،بل أرثي نفسي لأنني تأخرت عن الرحيل فسبقتني أنت إلى العلى،رغم أنك كنت في العلى تعيش ثائرا مبدعا ،تنير لنا الطريق،لكن عزائي أنك سبقتني إلى العلى،ولا أدري كيف سيكون حال جفرا بعد تغييبك القسري عن المشهد،ولم تقبل على نفسك تجنيد حنجرتك لتصدح بها شعر المقاومة  فقط وتكتفي بذلك ،بل إنخرطت في صفوف المقاومة مقاتلا،وهذا حكم عليك بأنك صاحب مصداقية عالية،لأنك لم تتخذ لك مقعدا في مجالس الكبار لتعتاش من أعطياتهم،وترتبط بعلاقة ما مع الشاطيء الآخر ،وتتغنى ب”ريتا”،بل إرتبطت بشعبك وكسبت قوتك من عرق جبينك ،ونسجت علاقات رائعة من الشرفاء في مشارق الغرب ومغاربها.

كل شيء في فلسطين يبكيك،بدءا من البحر المتوسط وإنتهاء بجبال الأوراس في الجزائر،مرورا طبعا بجبل الكرمل وعنب الخليل حيث مسقط رأسك،ولن تنساك أرض الحشد “الأردن”وستخلدك أرض الجزائر،،وسيثور نهر النيل على رحيلك المفاجيء،ولا ندري كيف سيكون حال البحر الميت من بعدك،أما رابطة الكتاب الأردنيين فستبكيك بحرقة،ولم لا وأنت أحد مؤسسيها ،كما أن الإعلام الأردني الذي كنت أحد فرسانه  مبكرا،سيستأذن السقوط ليؤدي لك سيفونية الرحيل ،ويقيم لأجلك العشاء الأخير،وربما أيضا ومن هول المفاجأة سيعتب عليك لرحيلك المفاجيء.

للمرة الأولى تتمرد الكلمات عليّ،وتتجمد مشاعري رغبة في إنفجار البكاء،وأنا أرثي نفسي بدلا من رثائك لأن مثلك سيخلّد،فقد كنت الكلمة الثائرة والبندقية المقاتلة ،وتشهد بذلك عروس المقاومة بيروت،عندما كنت تختال نضالا وإبداعا فيها،خاصة إبان المؤامرة الكبرى على المقاومتين  اللبنانية والفلسطينية صيف العام 1982،والتي أجبرتك على على الإبحار مع المغدورين إلى الجزائر على متن سفن أمريكية مخرت عباب البحر بوقود المتآمرين على شعب فلسطين وشركاء الصهاينة في الجرم.

صديقي الكنعاني الراحل عز الدين المناصرة ،أخبرك عن زفرات البحر الميت،وعن غياب قمر جرش،ومرارة طعم عنب الخليل وإسدال الستار على المكتبات العربية لإنقطاع سيلك الإبداعي عنها،وأنت المبدع شعرا ونقدا ونقدا مقارنا وأديبا،وسنعاني من بعدك كثيرا بسبب إستمرار تساقط المطر الحامض علينا،ورفرفة طائر الوقواق فوق  رؤوسنا نكاية بك لعدم ثقتك به،وسنستمر في تكفين انفسنا بالأسود ،لحرمة الأخضر علينا،وسيحزن كنعان كثيرا،وسنبقى نائمين تحت الشجر ولكن ليس بسبب حكمنا الرشيد وعدلنا وأمننا كما قال رسول كسرى للفاروق:”حكمت فعدلت فأمنت فنمت”في صحن المسجد تحت الشجرة،بل لخيبة أملنا،وسنبقى يا صديقي الراحل نحجز التذاكر للسفر في عتم الليل ،حتى لا يكتشفنا العسس ويمنعوننا من المواصلات إلى جسد الأرض وموعدنا الصيف كالطواويس.

 صديقي الكنعاني الراحل عز الدين المناصرة،نم هانئا تحت الأرض جسدا،وروحك الطاهرة ترفرف في أعالي السماء تفخر بك وتعرض بين السماء والأرض إنجازاتك ،وتروي حكايتك الكنعانية ،وتحشد لك الأرواح لتلقي قصائدك أمامها.