هزيمة ترمب وهزيمة بعض الأوهام العربية / د.أحمد بطاح

59

د.أحمد بطاح ( الأردن ) – السبت 28/11/2020 م …

لقد دأب الرؤساء الامريكيون منذ نشأة اسرائيل في عام 1948 على دعمها بما يجعلها تتفوق على جميع الدول العربية مجتمعة وبالذات المحيطة بها، وواقع الأمر أنّ كل رئيس أمريكي يتم انتخابه كان يحاول أن يتفوق على سلفه في دعم إسرائيل، وإن كان واقع الأمر أيضاً أن ترمب قدم لإسرائيل ما لم يقدمه أي رئيس أمريكي قبله، فقد نقل سفارة بلاده الى القدس، وأوقف الدعم عن الأونروا، ولم يعتبر الاستيطان غير شرعي، بل ووافق على ضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية المحتلة لإسرائيل، وضغط بشكل غير مسبوق على بعض الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل وفي ضوء كل هذه الخدمات الهائلة لإسرائيل كان من المتوقع طبقاً للقناعة العربية التاريخية الراسخة أن يفوز ترامب في الانتخابات لا بايدن، ولكن هذا لم يحدث بل العكس هو الذي حدث.

إنّ هذا يجب أن يجعل الانسان العربي يعيد النظر في قناعته الراسخة المُشار إليها آنفا ومفادها ان اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة هو الذي يقرر مَنْ المرشح الذي سيفوز في الانتخابات، ولعله لا يوجد أحد من المطلعين والمتابعين لا يوافق على أنّ اللوبي الصهيوني متمثلاً في (الأيباك) يتمتع بنفوذ كبير في أمريكا، ولا ينكر أيضا بأن اليهود لهم نفوذ مُعتبر في الولايات المتحدة، وبالذات في عالم المال، والأعمال، والأكاديميا، ولكن هذا كله لا يتيح لنا القول بأن اللوبي الصهيوني (الذي يمثل نفوذ اليهود في الواقع) قادر على تحديد هوية الرئيس الأمريكي الذي يفوز في الانتخابات.

ان الولايات المتحدة مجتمع كبير ومُعقّد وفيه كثير من القوى التي تتمتع بأدوار مهمة في السياسة الأمريكية، ولعلنا يجب ألا نغفل نقطة مهمة في هذا السياق وهي أن طبيعة النظام السياسي الأمريكي المُركب والقائم على المزج بين الانتخاب الحر المباشر ودور المجتمع المجّمع الانتخابي (مندوبو الولايات الذي يجتمعون ليقرروا من المرشح الفائز في ضوء نتائج قواعدهم الانتخابية) يحول دون أن يستطيع أي فرد أو جماعة أو حزب تقرير نتيجة الانتخابات وحده، ويجب ألا نغفل بالطبع دورا المحاكم (وبالذات المحكمة العليا) التي قد تلعب دورا مهماً إذا ما اقتضى الأمر كما حدث حين قررت فوز جورج بوش الابن الجمهوري ضد آل غور الديمقراطي وبفارق لا يزيد عن خمسمائة صوت.

إنّ حقيقة الأمر في هذا الموضوع هي أن اللوبي الصهيوني يمارس تأثيراً مهما في السياسة الأمريكية ولكن ليس هو الذي يقررها، وقد يكون السبب وراء المبالغة العربية في دور هذا اللوبي هو تلاقي السياسة الأمريكية مع السياسة الإسرائيلية في معظم الحالات، وهذا يعود في الواقع الى تقارب مصالح الدولتين، وكونهما يرجعان الى منظومة قيمية واحدة (العهد القديم والعهد الجديد)، وتقارب ظروف نشأتهما (كلاهما قام على أنقاض شعب أخر) فضلا عن ضعف الأنظمة العربية، وعدم قدرتها على تقديم صورة مقاومة حقيقية تدق إسفيناً بين السياسة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية.

خلاصة القول إن العرب يجب أن يتخلصوا من هذا الوهم المتعلق باللوبي الصهيوني، وأن يتعاملوا مع النظام السياسي الأمريكي بفهم، وموضوعية، وبما يؤدي الى التأثير عليه إيجابياً لصالح قضاياهم العادلة.