أمريكا الجنوبية، في ضوء الإنتخابات الأمريكية / الطاهر المعز

0 47

الطاهر المعز ( تونس ) – الخميس 19/11/2020 م …  

يمثل هذا المقال الجزء الأول من دراسة تتناول أساليب الهيمنة الأمريكية في البُلدان المُسمّاة “نامية”، يتناول الجزء الأول أمريكا الجنوبية، وهي مُحاذية للولايات المتحدة، وجزء من القارة الأمريكية، ويتناول الجزء الثاني، أساليب الهيمنة الأمريكية بقارة آسيا، وهي بعيدة جغرافيا عن الولايات المتحدة، لكنها تضم مستعمرات أمريكية، وتضم قواعد عسكرية أمريكية هامة (في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وإندونيسيا…) كما تَضُمُّ هذه القارة الصين، أكبر منافس للإمبريالية الأمريكية…   

 

من هو “جو بايدن”؟

أسْفرت انتخابات يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2020 عن فوز  “جو بايدن” برئاسة الولايات المتحدة، وهو سَلِيل المؤسّسات التقليدية للحزب الديمقراطي، وكان نائبًا للرئيس “باراك أوباما” (20/01/2009 – 20/01/2017)، ولذلك لا يُنتظَرُ تغيير في الإستراتيجيات والسياسات الخارجية ولا في مقاربات الأمن القومي الأمريكي، واستخدام القُوّة العسكرية للتهديد والإبتزاز وشنّ الحُروب في مناطق عديدة من العالم، بحسب كتاب “إيفان أوزنس”، بعنوان ” جو بايدن- الحياة، الحملة، وما هو المهم الآن”، الذي صدر بعد الإنتخابات، ويُلخّص السيرة الذاتية للرئيس الأمريكي الجديد.

أصبح “جو بايدن” عُضْوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي سنة 1973، والتقى (بهذه الصّفة) رئيسة وزراء العدو الصهيوني، وشغل وظيفة رفيعة في لجنة الشؤون الخارجيّة بالكونغرس، ما مَكّنه من السّفر والتّعرّف على العديد من مشاهير العالم، وهو (كما معظم السياسيين الأمريكيين من الحِزْبَيْن) صهيوني، دَعم غزو لبنان من قِبَل الجيش الصّهيوني، ويقول نتن ياهو، رئيس حكومة العدو، أنهما أصدقاء منذ أربعة عُقُود، وادّعى “بايدن” أن والدَهُ أخبرَه بأنه ليس من الضروري أن تكون يهوديًّا لتصبح صهيونيًّا (والأمر كذلك بالفعل، فالصهيونية عقيدة استعمارية عنصرية، وليست عقيدة دينية )، وبالتوازي مع صهيونيته، كان عنصريّا وصديقًا لمشاهير ونواب حِزْبِه الذين يؤيدون (سرًّا أو علنًا) الميز العنصري ضد السود، وكان عنصرًا نشطا في كتلة النّواب اليمينيين الذين دعموا قانونًا سمح (منذ سنة 1994) بزيادة كبيرة في عدد المساجين، وخاصة من المواطنين السود، وهو قانون تدعمه الشركات الكُبرى التي تُدير السّجون، وتستغل المساجين للعمل شبه المجاني وشبه الإجباري، لصناعة بعض عتاد وتجهيزات الجيش، والتجهيزات المنزلية والملابس والمنسوجات وأدوات المطبخ وغير ذلك.

هل من تغيّرات في السياسة الخارجيّة الأميركيّة؟ يرتبط “جو بايدن”، كما الرؤساء الذين سبقوه، بمجمع الصناعات الحربية، وبمراكز الأبحاث التي تُمَوّلها شركات التصنيع الحربي، لذلك قد تتغير أساليب الحكم، لكن جوهر السياسة الأمريكية يبقى عُدْوانِيًّا ويميل إلى استخدام القُوة، وإلى عَسْكَرَة الدبلوماسية والعلاقات الدّولية، سواء بخصوص القضايا العربية، أو أمريكا الجنوبية، أو غيرها.

 

الحرب كامتداد للدبلوماسية الأمريكية:

بدأ وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو”، يوم الخميس 17 أيلول/سبتمبر جولة لمدة ثلاثة أيام، شملت البلدان المجاورة لفنزويلا ( البرازيل وكولومبيا وغويانا وسورينام )، وتزامنت هذه الجَوْلَة مع مناورات عسكرية أمريكية-كولومبية، في كولومبيا، في عملية استفزاز واضح لفنزويلا، قبل الإنتخابات الأمريكية، كما تزامنت مع اكتشافات جديدة للنفط في “سورينام” وغويانا، وتحاول الشركة الأمريكية “إكسون موبيل” الالإستحواذ عليها (كما فعلت منذ 2015)، ووضع العراقيل أمام الحكومة الصينية التي تستثمر هناك، وأمام شركات صينية، كانت تحاول الحصول على حصة من هذه الإحتياطيات الهامة، وأعلن “مايك بومبيو” أن الشركات الأمريكية أحَقُّ من الشركات الصينية، باستغلال هذه الثروات، وكانت حكومة الصّين قد دَعت دُويْلَتَيْ “سورينام وغويانا للانضمام إلى مبادرة طريق الحرير الجديد (الحزام والطريق) ، وتضخّ الصين استثمارات في البلدَيْن، منذ بضعة سنوات.

من جهة أخرى، يحاول وزير الخارجية الأمريكية توسيع التحالف ضد نظام الحكم في فنزويلا المُحاصَرَة، في حين ترفض الولايات المتحدة دخول اللاجئين الفنزويليين، وتُعيدهم إلى المكسيك، حيث يتم حشْرُهُمْ في مناطق حُدُودِية غير آمنة، كما خطّطتْ حكومة الولايات المتحدة لترحيل حوالي أربعمائة ألف لاجئ، جاؤوا من أمريكا الوُسطى، ومن هايتي، وقع قبولهم ضمن برنامج الحماية المُؤَقّتَة، ويعيش بعضهم منذ عدّة عُقُود في الولايات المتحدة، حيث وُلد أبناؤهم ويعيشون ويدرسون أو يعملون، وكشفت منظمات تُدافع عن حقوق المُهاجرين، أن الولايات المتحدة قامت بتجربة عقارات أدّت إلى التّعقيم القَسْرِي للنساء اللاّجِئات…

لم تُفلح الولايات المتحدة في الإطاحة بالنظام في فنزويلا، رغم “الإنقلاب البرلماني”، والتحرشات والإستفزازات العسكرية، والحصار الإقتصادي، والحَظْر والتّجْويع، وتفتقر المُعارضَة التي تدعمها الإمبريالية الأمريكية (وكولومبيا والبرازيل وغيرها) إلى الدّعم الشّعبي، وتخَلّت بعض القوى اليمينية الفنزويلية عن “غوايدو”، رغم إصرار واشنطن على تغيير النظام باستخدام الحصار الإقتصادي والتّجْوِيع، وباستخدام القوة العسكرية، وتتضمن المناورات العسكرية بين أمريكا وكولومبيا (“عملية بوسيدون”) عمليات جوية وتدريبات بحرية (شبيهة بالمناورات البحرية لشهر نيسان/ابريل 2020، في منطقة البحر الكاريبي)، وتندرج في إطار استفزاز فنزويلا واختبار قُدْرَتها على الصّمود، وتحاول حكومة كولومبيا المتحالفة مع اللإمبريالية الأمريكية، حَرْف الأنظار عن عمليات القمع والقتل التي ارتكبتها الشرطة ضد المتظاهرين ضد الفساد وسوء ظروف العيش وانعدام الأمن، والتي أسفرت عن ما لا يقل عن 15 قتيلاً،  واعتقال العشرات من المعارضين ومن النقابيين والمُضْربين…

 

خلفية تاريخية:

تُشكّل الحُرُوب العدوانية عقيدةً ثابتةً في سياسات الولايات المتحدة، منذ انتخاب “جورج واشنطن”، أول رئيس لها، سنة 1789، وبدأت الولايات المتحدة تعتدي وتحتل بلدان أمريكا الجنوبية والوُسْطى منذ 1833 (نيكاراكوا) ثم غزو أراضي “بيرو”ن سنة 1835، والحرب ضد المكسيك (1846) والإستحواذ حوالي 55% من أراضيها، وضمّها نهائيًّا إلى الولايات المتحدة (تكساس وكاليفورنيا ونيومكسيكو…)، وتواصلت هذه الحروب العدوانية، طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين، ضد أورغواي وبنما وكولومبيا وهايتي وتشيلي وكوبا والدومينيكان وهندوراس وسلفادور وغواتيمالا وبوليفيا وغيرها…  

لئن انتقد جو بايدن تكتيكات سَلَفِهِ دونالد ترامب في أمريكا الجنوبية لأنها “فاشلة”، حسب رأيه، فإنه لم يُفْصِح عن خطط مُغايِرَة، وهما لا يختلفان في الجَوْهَر، أي في اعتبار جنوب القارة الأمريكية فناءً خَلْفِيًّا للولايات المتحدة، ولا يختلف الحزْبان المُتَداوِلان على السلطة، في تطبيق سياسات الحصار الإقتصادي والغزو العسكري، والتّشويه الإعلامي للخُصُوم ودعم تمويل الكنائس والمجموعات الدّينية ووسائل الإعلام والمدارس الخاصّة، والمنظمات العَميلة، وقد يختلفان في الشكل والأساليب، أي في وسائل فَرْض الهيمنة الأمريكية.

تمكّنت الولايات المتحدة من الإطاحة ببعض الرّؤساء والحكومات المُعارضة لسياساتها، في نيكاراغوا (1857)، وفي غواتيمالا، سنة 1954، ونجحت في غَزْوِ بعض البُلدان وفشلت في أخرى (كوبا وفنزويلا)، وأطاحت برؤساء دول منتخبين ديمقراطيا، أشهرهم الرئيس سلفادور أليندي (تشيلي 1973)، ومنهم كذلك رئيس كوبا المُنتَخَب “توماس أسترادا بلاما”، سنة 1906، ورئيس غواتيمالا “جاكوبو أرينز”، سنة 1954، ورئيس الحكومة الإشتراكي في جزيرة “غرينادا” (موريس بيشوب) سنة 1983، ورئيس هندوراس “مانويل زيلايا”، سنة 2009، وآخرهم الرئيس “إيفو موراليس” في “بوليفيا”، في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وغيرهم، طيلة القرن العشرين والعقدَيْن الأوّلَيْن من القرن الواحد والعشرين، ولكن منطق القوة الأمريكية لم يتمكّن من طَمْس الوعي الشعبي في فنزويلا، رغم الضّغط الإقتصادي، أو في بوليفيا رغم كثافة القمع، حيث فاز التحالف الوطني، المناهض للإمبريالية، في “بوليفيا”، في انتخابات الثامن عشر من تشرين الأول/اكتوبر 2020، بعد سنة واحدة من الإنقلاب الأمريكي، ولكن منظومة الحكم الأمريكية مُعادية للديمقراطية، ويبقى العداء لنظام تجاه نظام فنزويلا، أو أي نظام يطمح للسيطرة على ثرواته والحفاظ على استقلالية قراره، محل إجماعٍ بين الحزبين في الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال فإن الرئيس “الديمقراطي” (باراك أوباما) هو من ادّعى أن فنزويلا تُشكّل تهديدًا للولايات المتحدة، بينما وَصَفَ “أوكاسيو كورتيز”، أحد الأقطاب الجُدُد للحزب الديمقراطي النظام في فنزويلا بأنه “غير ديمقراطي، بل دكتاتوري” وأَدْرَجَ محاولة الإنقلاب الأمريكي في فنزويلا (شباط/فبراير 2019) في إطار “المساعدة الإنسانية لشعب فنزويلا”، كما بَرّر “بيرني ساندرز”، الذي يعتبره البعض “تقدّميا”، لا بل “اشتراكيا”، نفس الإنقلاب قائلا: “يمر شعب فنزويلا بأزمة إنسانية خطيرةيجب على حكومة مادورو أن تُراعي احتياجات شعبها أولاً ، وأن تسمح للمساعدات الإنسانية بدخول البلاد ، والامتناع عن العنف ضد المعارضين “، ولذلك وصَفَ الفنان “روجر ووترز” (من فرقة “بينك فلويد”)، المناصر لحملات مقاطعة الكيان الصهيوني، بيرني ساندرز “بالدمية النموذجية لفئة الواحد بالمائة من الأثرياء”، ويُجاري الإعلام الأمريكي السّائد موقف قيادات الحِزْبَيْن، من خلال دَعْم وتبرير الحَظْر والحصار الإقتصادي، وكذلك الإنقلابات المُتتالية، ليس في فنزويلا وأمريكا الجنوبية فحسْب، وإنما في مختلف مناطق العالم، لأن وسائل الإعلام تُشكّل حلقة من حلقات شبكة هيمنة الإمبريالية الأمريكية، وقبل الإنتخابات التشريعية في فنزويلا ( السادس من كانون الأول/ديسمبر 2020) أجْرت البحرية الأمريكية والبرازيلية مناورات مشتركة في منطقة بحر الكاريبي، لاستفزاز النظام والشعب في فنزويلا، وللإستعداد للتدخل العسكري…

 

الإنتخابات الأمريكية، في ظل الغليان الشعبي بأمريكا الجنوبية:

سبق وأن نَشَرْتُ عَدَدًا من المقالات بشأن التظاهرات الإحتجاجية في أمريكا الجنوبية، منذ أواخر سنة 2018، وأحاول أن أُذَكِّرَ بأهم المحطّات، في بعض البلدان، وليس كلها، مع تَجَنُّب التّكرار.

في تشيلي، عانت معظم فئات الشّعب، بين 1973 و 1990، من نتائج الإنقلاب العسكري الدّموي الذي أشرفت على تصميمه وتنفيذه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ووقع وضع حَدٍّ للحكم العسكري المباشر، بتوافق بين قوى اليمين المتنوعة، وتيار الديمقراطية الإجتماعية، وحافظت الفئات التي حكمت البلاد على دستور الدكتاتورية العسكرية وعلى السياسات الإقتصادية الليبرالية التي دعمها صندوق النقد الدّولي، وحافظ الرأسماليون وكبار الموظفين على مراكزهم الإجتماعية وعلى مصالحهم الإقتصادية، فلم يشعر المواطنون والعاملون والفُقراء بتغييرات محسوسة، وبدأت مظاهرات الطلبة، منذ 2011، حيث اعتقلت الشرطة قرابة ألفَيْن وجرحت أكثر من خمسمائة طالب، خلال سنتَيْن، وتتمثل أهم المطالب في خفض تكاليف التعليم (بكافة مراحله)، وعادت المظاهرات الطلابية والشعبية بقوة سنة 2014، بمشاركة مرتفعة للنساء، ولم تهدأ منذ 2018، واندمجت الإحتجاجات الطّلابية مع المظاهرات الشعبية التي انطلقت ضد ارتفاع الأسعار ومن أجل تحسين ظروف العيش، ومثل ارتفاع سعر خدمات النقل في العاصمة “سنتياغو”، شرارة الإنتفاضة التي انطلقت يوم 14 تشرين الأول/اكتوبر 2019، ولم تتمكن آلة القمع الموروثة من فترة الدكتاتورية من القضاء عليها رغم قتل العشرات (36، رسميا، بين 14/10/2019 و 25/01/2020)، وجرح 12 ألف واعتقال 25 ألف، خلال نفس الفترة، إلى أن اضطر رئيس الجمهورية “سيباستيان بنييرا” (من عائلة رأسمالية، ومن داعمي الدكتاتورية العسكرية) إلى إعلان إصلاحات واستفتاء لتغيير الدّستور الموروث من فترة الدّكتاتورية العسكرية، لكنه أحْجَم عن التّطرّق لنتائج السياسات النيوليبرالية، وتوسيع الفجوة الطبقية والتفاوت الإجتماعي المجحف، واستغلّت الحكومة (كما معظم حكومات العالم) انتشار وباء “كوفيد 19” لمنع التجمّعات والإحتجاجات، ولم تُبدِ الحكومة اهتمامًا بظرف نقل العاملين، داخل قطارات وحافلات مزدحمة، ولا باكتظاظ الفقراء وحتى متوسّطي الدخل في المُستشفيات، أما العاملون بالقطاع الموازي، فلم تهتم بهم لا النقابات ولا القوى السياسية التي تمثل في معظمها البرجوازية أو الفئات العليا من مُتوسّطي الدّخل…

تدعم الإمبريالية الأمريكية بقوة هذا النظام القائم في تشيلي التي تمتلك ثلث احتياطي النحاس العالمي، والعديد من المعادن الأخرى، التي تستغلها شركات عابرة للقارات، ذات المَنْشَأ الأمريكي، ولذلك يعسُر العثور على تقارير عن حقوق الإنسان وحقوق العاملين في تشيلي، أو تقارير في وسائل الإعلام الرئيسية، بل نشرت وكالة الصحافة الفرنسية بنهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2020، خبرًا عن مطالبة عَدَدٍ من البرلمانيين اليمينيِّين بالإفراج عن العدد القليل من المسؤولين عن انتهاكات حقوق البشر، زمن الدكتاتورية العسكرية، والذين وقع حبسهم في السجون الفاخرة…

أوردنا ما حَدَثَ في تشيلي، كنموذج لما يحدث في أمريكا الجنوبية، منذ حوالي ثلاث سنوات من الإحتجاجات، انطلقت ضد الحكومات التي تدعمها الولايات المتحدة، وهي حكومات فاسدة، قمعية، نيوليبرالية، تُفَرّط في ثروات البلاد والشّعب للشركات العابرة للقارات، وتُمارس القمع الوحشي ضد العاملين والكادحين، والفئات الشعبية (كما في كولومبيا وبيرو والبرازيل، خلال فترة رئاسة ميشال ثامر، ثم بولسونارو…)، أما الحكومات والأنظمة التي تُحاول السيطرة على ثرواتها، وتعارض سياسات الهيمنة الأمريكية، فإنها تواجه مجموعة من المؤامرات الأمريكية، تتراوح بين تنظيم الإنقلابات العسكرية، والدّستورية، وتصميم “الثورات المُلَوّنة”، عبر تمويل المنظمات الموصوفة “غير حكومية”، وتدريب قادتها على أساليب العصيان ومواجهة الشرطة وعلى أساليب الإشهار الإعلامي والإتصالات، وما إلى ذلك، وهو ما حصل في البرازيل (انقلاب “دستوري”) وفنزويلا (مزيج من التدخل العسكري وتمويل ودعم قوى اليمين، داخل البلاد وحتى داخل البرلمان)، وفي عدد من البلدان الأخرى، وهي أساليب هيمنة امبريالية تحوز على دعم الحزب الجمهوري، كما الحزب الديمقراطي، ولا يتوقع أن يتغير الوضع، بانتخاب “جو بايدن” رئيسًا للولايات المتحدة.

 

عينات من التدخل الأمريكي:

نستعرض بعض النماذج من التّدخّل الأمريكي في الشؤون الدّاخلية لبلدان أمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي، خلال السّنوات الأخيرة، مع التركيز على بوليفيا والبرازيل.

تُشكل مُعارضة الفساد والسياسات الإقتصادية النيوليبرالية، التي يدعمها صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي (ومن ورائهما الإمبريالية الأمريكية) قاسمًا مُشتركًا للإحتجاجات الشعبية في العديد من البُلدان.

في “كوستا ريكا”، طلبت حكومة الائتلاف اليميني الليبرالي، بقيادة “كارلوس ألفيرادو”، قرضًا بقيمة 1,75 مليار دولارا من صندوق النقد الدّولي، لمجابهة التّداعيات الإقتصادية لوباء “كوفيد 19″، واشترط الصندوق، كالعادة، إصلاحات ليبرالية، تتضمن خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب على الرواتب وعلى الإستهلاك، مع خفض الضرائب على رأس المال والشركات، وخصخصة القطاع العام، وتخفيض مستوى الخدمات العامة، ولكن النقابات والشرائح الأكثر فقرًا رفضت هذه الشروط، وجابهت قوات الشرطة ( البالغ عددها 30 ألف شرطي لحوالي خمسة ملايين نسمة )، وأعلنت النقابات وقوى المُعارضة إضرابًا عامًا استمر عدة أسابيع وشل البلاد، فيما أغلق المتظاهرون عشرات الطرق الرئيسية في البلاد، واضطرت الحكومة إلى الإعلان عن انتهاء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

تعتبر كولومبيا أكبر منتج للكوكايين في العالم، ومعقلاً للجيش الأمريكي وللمخابرات الأمريكية، وبها قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة، تستخدمها للتجسس ولتحضير الإنقلابات والعمليات الخاصة ضد البلدان المجاورة، وأهمها فنزويلا، وعرفت البلاد، خلال الأسابيع الأخيرة إضرابات ومظاهرات وصدامات بين الشرطة والمتظاهرين، احتجاجًا من نقابات العاملين والطّلاب، والمُدَرِّسِين، ومنظمات السّكّان الأصليين، وغيرها من المنظمات التي أعلنت الإضراب الشامل، لإفشال خطط الرئيس اليميني “إيفان دوكي”، وتُعتَبَرُ كولومبيا أخطر مكان في العالم للنقابيين والمُعارضين، وقتلت مليشيات اليمين المتطرف المدعومة من المخابرات الأمريكية أربعة من زعماء السكان الأصليين، خلال 48 ساعة، أثناء أيام الإضراب، وجُرح أثنان آخران، ونجا إثنان من الموت…

في هايتي، يتدخّل الجيش الأمريكي، منذ القرن التاسع عشر، فيعزل الحاكم الذي لا يُؤيد سياسات أمريكا، ويعين مكانه حاكما مُطيعًا للأوامر، ويُعتبر الرئيس الحالي “جوفينال مويس” (واحد من أكبر مُصَدِّرِي المَوْز)، من هذه الفئة المُطيعة لأوامر الإمبريالية الأمريكية، ولهذا السبب فهو يواجه موجة من الاحتجاجات شبه المستمرة، منذ أن ألغى الانتخابات وبدأ الحكم “بأمر تنفيذي”، كما في حالات الطوارئ، وأهمها احتجاجات شباط/فبراير وتموز/يوليو 2020، حيث أغلق المتظاهرون الطرقات ودعوا إلى استقالة “مويس”، وأطلقت الشرطة الرصاص وأصابت عددًا غير معروف من المتظاهرين، ولكن هذه الإحتجاجات لم تحظ باهتمام وسائل الإعلام “الغربية”، التي تفضل التركيز على الاحتجاجات التي تجري في دول تُعارض حكوماتها سياسات الولايات المتحدة، مثلما يحصل في فنزويلا والصين وإيران وغيرها…

أما البرازيل (المُحاذية لفنزويلا وكولومبيا)، أكبر دولة وأكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، فقد تحولت من حكم تقدّمي (بأخطائه ونواقصه) إلى حكم رجعي مُغرق في الرجعية وفي الموالاة للإمبريالية الأمريكية، ويرغب الرئيس “بولسونارو” (ضابط متقاعد، دَعَم الحكم العسكري 1964 – 1986) ووزيره للدفاع (جنرال لا يزال في الخدمة) في زيادة الميزانية العسكرية، رغم الأزمة، وتحويل الجيش البرازيلي إلى مليشيا أو هراوة تخدم مصالح الإمبريالية الأمريكية والشركات العابرة للقارات، ولأول مرة منذ نهاية حكم العسكر، ومنذ 1985، تضم الحكومة تسع ضُبّاط يتولّون الإشراف على وزارات أساسية، ويرأس الدولة “جاير بولسونارو”، وهو ضابط سابق في الجيش، ومن داعمي الحُكم العسكري في البرازيل، الذي تواصَل أكثر من عِقْدَيْن،

في منتصف شهر تموز/يوليو 2020، أعلن وزير الدفاع (وهو جنرال في الجيش) أن الجيش البرازيلي مستعدّ للتدخل “لحل المشاكل الإقليمية” في أمريكا الجنوبية، وكذلك لحماية مصالح الشركات الرأسمالية التي تقتلع أشجار غابات الأمازون، وتُدَمِّرُ البيئة، ومحيط السّكّان الأصليين للبرازيل ولأمريكا (الشمالية والجنوبية)، حيث دَمّرت شركات الزراعات المكثفة في الأمازون، وشركات التّعدين، وشركات الإستثمار في البنية التحتية، ملايين الأشجار، مع الإشارة إلى مشاركة الجيش البرازيلي والجيش الكولومبي في مناورات مع الجيش الأمريكي، قريبا من حدود فنزويلا، بذريعة “التّدخّل الإنساني” برعاية المخابرات والجيش الأمريكِيّيْن، في محاولة للإطاحة بالحكومة الشرعية الفنزويلية…

في بوليفيا، نظّمت الولايات المتحدة حملة ضد الرئيس “إيفو موراليس”، منذ سنة 2006، وتكثفت الحملة إثر انتخابات تشرين الأول/اكتوبر 2019، حيث اتّهمته وسائل الإعلام الأمريكية (كصَدَى للحكومة الأمريكية) وتوابعها بتزييف النتائج، ونظّمت المخابرات الأمريكية انقلابًا، ونَصّبت دُميةً لها “جانين أنيز” كرئيسة مؤقتة، تميزت فترة رئاستها باحتجاجات شعبية مستمرة، وبقمع وحشي غير مَسْبُوق، وباكتساح “المُستشارين” الأمريكيين للوزارات وكافة الإدارات والشركات المحلّية، واعتدوا على سيادة البلاد، عبر اتخاذ قرارات مثل فصل الأطباء والفَنِّيِّين الكوبِيِّين، وفصل موظفين يُعارضون التّدخل الأمريكي، ويعارضون الإنقلاب…

بعد سنة واحدة، حققت الحركة الشعبية نحو الاشتراكية (ماس) انتصارًا انتخابيا، كَذّبَ الإتهامات بالتزوير، واضطرت “جانين أنيز”، والمجموعة التي استولت على السلطة إثر انقلاب تشرين الثاني/نوفمبر 2019، إلى التّسليم بهزيمتها، لكن الولايات المتحدة لم تُسلّم بالهزيمة، واضطرت وسائل الإعلام الأمريكية إلى الإعتراف بعدمن وجود أي دليل على تزييف نتائج انتخابات 2019، التي فاز بها “موراليس”، وكان “إيلون ماسك”، صاحب شركة تصنيع سيارات “تيسلا” الكهربائية، قد كتب (تويتر 24 تموز/يوليو 2020) أن تنظيم انقلاب بوليفيا من قِبَلِ الحكومة الأمريكية كان في مصلحة الشعب الأمريكي، وللإستيلاء على مادة الليثيوم (مادة ضرورية وأساسية لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية وأجهزة الإتصالات والحواسيب والهواتف المحمولة…)، وأضاف “نحن ننفذ انقلابات ضد من نريد”، ولذلك تم وَصْف هذا الإنقلاب ب”انقلاب الليثيوم” لأن بوليفيا تمتلك حوالي 70% من الإحتياطي العالمي، وأمّمت حكومة الرئيس “إيفو موراليس” ثروات البلاد (منها الليثيوم والغاز ) لتتمكن من الإنفاق على التعليم والصحة والمسكن والبنية التحتية وتلبية الإحتياجات الأساسية، وهو ما لم تستسِغْه الولايات المتحدة التي لم تُغَيِّرْ سوى شكل أساليب الهيمنة، خلال الفترة الفاصلة بين انقلاب تشيلي ( 11 أيلول/سبتمبر 1973) وانقلاب بوليفيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وأدّى انقلاب بوليفيا إلى انخفاض دخل حوالي 90% من أفراد الشعب (بحسب دراسة  CELAG) وخفضت حكومة الإنقلاب الضرائب على الأغنياء، والشركات الأجنبية، وكان ذلك أهم أسباب إطلاق الإنتفاضة التي استمرت خمسة أشهر ضد مُنفِّذِي الإنقلاب وداعميهم في واشنطن…  

يمكن أن يُشكل انتصار “الحركة من أجل الإشتراكية” في بوليفيا، وزعيمها “لويس آرش” (وزير الإقتصاد خلال رئاسة “إيفو موراليس”) منطلقًا جديدًا للحركات التقدمية في أمريكا الجنوبية، وربما في العالم، ويمكن أن يُخفف الضغط على حكومات فنزويلا ونيكاراغوا، حيث كشف البرنامج الإذاعي “سين فرونتيراس” على قناة ” لابريماريسّيما” (نهاية شهر تموز/يوليو 2020) عن وثيقة ( من 18 صفحة) لخطة مدبرة تمولها الولايات المتحدة لشن محاولة انقلابية جديدة في نيكاراغوا خلال العامين المقبلين، لمَنْع الرئيس “دانيال أورتيغا'” من  الفوز في انتخابات سنة 2021، وتظهر الوثيقة أن الولايات المتحدة تعتزم تمويل تكاليف الخطة التي تنفذها شركة خاصة، بواسطة وكالة التنمية الدولية ( IDA ) والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ويخصص جزء من الأموال لشركاء محليين تُسميهم أمريكا منظمات المجتمع المدني (أو المنظمات غير الحكومية) لزعزعة استقرار البلاد، بعد خلق أزمة جديدة، قد تنطلق من عدم الإعتراف بنتائج الإنتخابات (كما حصل في فنزويلا وبوليفيا)، وتُشير جميع الدّراسات الأمريكية أن الجبهة الساندينية (وزعيمها دانيال أورتيغا) سوف تفوز بانتخابات 2021، ولذلك خصصت الولايات المتحدة  أكثر من عشرة ملايين دولارا سنويا للمعارضة النيكاراغوية، منذ سنة 2017،  من أجل تأسيس قاعدة شعبية، بالإضافة إلى التمويلات الأخرى التي تتلقاها منذ أربعين سنة، بحسب وكالة التعاون الدولي (الأمريكية)، والدّعم “الفَنِّي” الذي تقدّمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى “قادة المجتمع المدني ، مع دعمهم لتعزيز قدراتهم بهدف زعزعة استقرار البلاد، ودراسة اتجاهات الرأي العام والبحث عن شركاء محليين…”، وتُشرف السفارة الأمريكية في ماناغوا (عاصمة نيكاراغوا) على عدد من الأنشطة، وعلى إعداد خطط وبرامج، مع عملاء محلِّيِّين…

لم تتمكن الولايات المتحدة من إحداث تغيير يُذْكر في نيكارغوا، فلجأت إلى وسائل تقليدية، تمثلت (في تشرين الأول/اكتوبر 2020) بإصدار وزارة الخزانة الأمريكية  “عقوبات” ضد عدد من المسؤولين بتعلّة “انتهاك (مزعوم ) لحقوق الإنسان”، وتبنى البرلمان الأوروبي قرارًا يطالب الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات جديدة على نيكاراغوا، دعمًا من البرلمان الأوروبي (ناهيك عن مُفَوّضية الإتحاد الأوروبي) لسياسة العقوبات المنهجية (الأمريكية ) ضد الشركات والمديرين التنفيذيين وكبار المسؤولين الذين يعترضون على سياسات الهيمنة الأمريكية، مثل نيكاراغوا وفنزويلا وإيران وكوبا وغيرها

 

المدرسة الأمريكية للثورات المُلَوّنة:

تتميز الولايات المتحدة بوَفْرَة مراكز البحوث والدّراسات، وفي مجال السياسة الدّولية، تمتلك الحكومة الأمريكية وجيشها ومخابراتها عددًا هامًّا من الدراسات والسيناريوهات، لإقصاء أو إضعاف الأنظمة والحكومات التي تُعارض سياساتها، وتتراوح بين الإنقلاب العسكري، والتدخل الخارجي بقيادة الجيش الأمريكي أو حلف شمال الأطلسي، أو بتنظيم “ثورة مُلَوّنة”، يكون ظاهرها احتجاجات شعبية، وباطنها مُؤامرة مُدَبّرة ومُخططة أمريكيا، ضد الفساد أو ضد القمع، وغير ذلك من الأسباب، وقد تكون المؤامرة، عبر قُروض صندوق النقد الدّولي وشروطها القاسية، التي تَضُرُّ كثيرًا بالعاملين وبالفُقراء.

كانت الإمبريالية تتدخّل مباشرة في أمريكا الجنوبية بواسطة جيشها الذي احتل جزءًا من المكسيك واحتل العديد من البلدان لفترات متفاوتة، منذ القرن التاسع عشر، ثم عبر تنظيم وتنفيذ الإنقلابات العسكرية، وتمويل وتدريب المليشيات اليمينية المتطرفة التي تُحارب الأنظمة “المغضوب عنها”، ومنذ أواخر القرن العشرين، بدأت تنفّذُ تكتيكات أخرى “ناعمة”، منها تمويل المنظمات “غير الحكومية” وبعض المنظمات السياسية، وتدريب قادتها على الخطابة، والحديث عن “النّضال السِّلْمِي”، من أجل “الديمقراطية” واحترام “حقوق الإنسان” (من غير الفلسطينيين، ومن غير السكان الأصليين للقارة الأمريكية وأستراليا…)، وعلى الإتصال بوسائل الإعلام، وكيفية اختلاق أحداث مثل المجازر المزعومة في “تيميشاورا” برومانيا وفي بنغازي بليبيا وغيرها، وتمت تجربة هذه التكتيكات على نطاق واسع في يوغسلافيا السابقة، قبل تفتيتها إلى ست كيانات، ودُويلات غير قادرة على العيش ككيانات مستقلة، مثل كوسوفو والبوسنة، وكذلك تيمور الشرقية بإندونيسيا، وبقيت مُحتلّة من قِبَل جيُوش الدّول الإمبريالية تحت مِظَلّة الأمم المتحدة…

بدأت الولايات المتحدة تُطبّق مخططات “الثورات الناعمة” أو “المُلَوّنة” في أمريكا الجنوبية، بتنظيم الحصار أولاً، وتمويل منظمات تتظاهر وتحتج على شح المحروقات والمواد الغذائية الضّرُورية، ثم الإحتجاج على قمع هذه الإحتجاجات، وفي السنوات الأخيرة أعدّت الإمبريالية الأمريكية مُسبقًا خططا للإحتجاج على نتائج الإنتخابات، والإدّعاء، في كل الحالات، أنه وقع تزييفها، وهو ما حدث في إيران، منذ 2009، إثر فشل محاولات التّدخّل المباشر، أو أوكرانيا (2014 و 2019)، وما حدث في إثر انتخابات فنزويلا (2018) وبوليفيا (2019)، لتشمل “الثورات المُلونة” جنوب القارة الأمريكية، مع مزج “القوة الناعمة” (المنظمات غير الحكومية والمعارضة القانونية) بالقوة “الخشنة” (التهديد العسكري والإنقلابات)، مثلما حدث للرئيس “زيلايا” في هندوراس سنة 2009، وبالإنقلابات “الدّستورية” أو “البرلمانية”، مثلما حَدَثَ في البرازيل وفي فنزويلا وفي بوليفيا…        

يُعتبر المُدَرّس الجامعي الأمريكي “جين شارب” ( 1928 – 2018) مُنَظِّر “الثورات المُلَوّنَة”، متخفّيًا وراء الدّعوة للإحتجاجات السّلمية، ولعدم استخدام العنف، وطور نظريته لتشمل ما يمكن تسميته ب”الإنقلابات الناعمة”، وهي جُزْءٌ من مخططات “المحافظين الجدد”، لبناء ما أطلق عليه “كولن باول” (جنرال ساهم في تخريب العراق، ووزير خارجية أمريكي سابق) سياسة “الديمقراطية والتنمية”، أو ما أسماه شمعون بيريس وكذلك الجناح الأكثر تطرفا في منظومة الحكم الأمريكية “الشرق الأوسط الكبير” (أو الجديد)، وساهم “جورج سوروس” (معهد المجتمعات المفتوحة) والمنظمات الأمريكية العديدة في تمويل وتنفيذ العديد من هذه المخططات…

لخّص جين شارب أفكاره في كتاب “سياسة الحراك السلمي” (1973)، حيث يدعو السلطة إلى العمل بهدوء (ظاهري) للحصول على طاعة المواطنين لأوامر السلطة الحاكمة، بالإعتماد على الشرطة والقضاء ومنظومة التعليم، والدّعاية والإعلام وترويج “ثقافة الطّاعة”، عبر المزج بين الترهيب والترغيب…

وقع تطبيق هذه الخطة، من خلال إنفاق أمريكا نحو 86 مليون دولارا، استفادت منها حركة “أبتور”، (وكذلك تلميذ جين شارب “سرديا بوبوفيتش” ) بشكل أساسي، في يوغسلافيا، لإسقاط حكومة “ميلوسيفيتش” سنة 2000، لأنها تعرقل مخططات الولايات المتحدة في أوروبا الوسطى والشرقية، ثم طُبّقت الخطة في جورجيا وأوكرانيا، وتعتمد الخطة على الكذب، ونشر أخبار قمع مُتَخَيَّل، ومجازر وَهْمِيّة (كما حصل في ليبيا وسوريا أيضًا )، ويعترف “هنري كيسنغر” (أكاديمي واستراتيجي أمريكي ووزير خارجية سابق وعضو مجلس الأمن القومي) أن دعوة الدول الإمبريالية لمفاوضات بين الحكم والمعارضة في هذه البلدان، كانت فَخًّا، لأن الولايات المتحدة تزوّد عُملاءها من “المعارضة” بمقترحات استفزازية، وغير مقبولة، تُشكل ذريعة للتدخل العسكري للجيش الأمريكي، مباشرة أو بواسطة حلف شمال الأطلسي، أو تحت غطاء الأمم المتحدة وقوات السلام وغير ذلك من الخطط المُخادعة…

 

المُقاومة الشعبية للإنقلابات “الدّستورية”:

اتسم عقد الثمانينيات من القرن العشرين، في أمريكا الجنوبية، بأزمة اقتصادية عميقة، وبارتفاع نِسَب التضخم، وبانهيار اجتماعي، وعدم استقرار سياسي، واغتنمت الولايات المتحدة الفُرصة لِتَفْرِضَ على معظم بلدان أمريكا الجنوبية، ضمن “وفاق واشنطن” (اجتماع صندوق النقد والبنك العالمي وأكبر عَشْر شركات احتكارية عالمية ووزارات المالية لأهم الدّول الرأسمالية، وأشرفت وزارة الخزانة الأمريكية على الإجتماع، منتصف حزيران/يونيو 1989) مجموعة من الإجراءات المستوحاة من الليبرالية بشأن وسائل إنعاش النمو الاقتصادي، وخاصة في الإقتصادات التي تواجه صعوبات بسبب ديونها ، كما هو الحال في الأرجنتين، ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، بعد البرازيل.

تعتبر البرازيل من مؤسِّسِي مجموعة “بريكس” (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) التي تعمل على خلق قُطْبٍ مُوازِي لولايات المتحدة التي تريد هيمنة “القطب الواحد”، أي الولايات المتحدة، بدون منافسة، لِفَرْض مصالح وإرادة الإمبريالية الأمريكية على العالم، وتمكنت الولايات المتحدة من تقويض أُسُس مجموعة “بريكس”، من خلال إزاحة قادة حزب العُمّال البرازيلي (حزب ديمقراطي اجتماعي) الرئيس “لولا داس يلفا”، ثم الرئيسة “ديلما روسيف (2011 – 2016)، بعد تدبير “انقلاب دستوري”، واتهام زُعماء حزب العُمّال بالفساد، لتنصيب رجال أعمال أكثر فسادًا، مثل ميشال ثامر (حليف سابق لحزب العُمّال) والرئيس الحالي “جاير بولسونارو”، وهو ضابط يميني متطرف، وبذلك نجحت الولايات المتحدة في تنصيب نظام موالي لها في البرازيل، أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، وتخريب مجموعة “بريكس” التي تَضُمُّ خصومها (الصين وروسيا)، وتُساهم الحكومة البرازيلية الحالية، في فترة “بولسونارو” في زعزعة استقرار فنزويلا، بكافة الوسائل.

أما مبادئ “وفاق واشنطن”، فهي مستوحاة من مدرسة شيكاغو ، وتتبنى الأفكار التي طرحها الاقتصادي الأمريكي جون ويليامسون ، تلميذ الاقتصادي الليبرالي المتطرف ميلتون فريددمان، وبعد النتائج الكارثية وانتفاضات البلدان الفقيرة ضد إلغاء الدّعم وخصخصة القطاع العام، كتب جون ويليامسون سنة 1999، أنه أُسِيءَ فهمه، فيما ضيّقت الإمبريالية الأمريكية الخناق على اقتصادات أمريكا الجنوبية التي كانت ضحية أزمة العقدَيْن الأخيرَيْن من القرن العشرين، والتي أدّت إلى تمرُّد شعب الأرجنتين، وإلى خلاف حول الدُّيُون، بداية من سنة 2002، بعد عجز الدّولة عن تسديد الدُّيُون، وعملت الولايات المتحدة على إسقاط حكومة نيستور كيرشنير (توفي سنة 2010) وكريستينا كيرشنير، قبل دعم رجل الأعمال اليميني “ماوريسيو ماكري” الذي أصبح رئيسًا (2015 – 2019) ودَمَّر الإصلاحات الإقتصادية التّقدّمية لسابِقِيه، وأطاحت به سياساته النيوليبرالية، وواجه احتجاجات ضخمة، أعادت خُصُومه إلى الحكم…

ما حصل في الأرجنتين، يُشبه في جوهره، ما حصل في بلدان أخرى، إذ بقيت الإمبريالية الأمريكية في حالة مَدّ وجَزْر، واضطرت إلى تنويع أساليب هيمنتها، من الإنقلابات العسكرية والعِداء المُعْلَن، إلى التحريض وتمويل قوى يمينية أنشأتْها لتكون مُمثِّلَةً لمصالح الشركات الأمريكية، داخل هذه البلدان، لتبدُو التغييرات كإرادة شعبية، لا دَخْل للقوى الخارجية بها، ولا تزال محاولات الإطاحة بالرئيس المكسيكي “أندريس مانويل لوبيز أوبرادور” جارية، عند كتابة هذا المقال (منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2020)، بدعم قوي وعَلَني من كبار الأثرياء ومنظمة أرباب العمل المكسيكية

تدعم الولايات المتحدة الحُكّام الفاسدين، مثل رئيس إكوادور “لنين مورينو” الذي يتظاهر الشعب ضدّه منذ أشهر، لأنه أغرق البلاد بالدّيون ونَشَر الفساد، فيما تحاول زعزعة الإستقرار في بلدان أخرى، بسبب ميل حكوماتها إلى اتخاذ قرارات لا تضُرُّ بمصلحة أغلبية شعوبه.

تُشكل الحرب الأمريكية “الناعمة” أداة لتفكيك الدول، وتفتيت البلدان، لتسهيل عملية الهيمنة، وتهدف الإنقلابات “الدّستورية” و”الثورات المُلَوّنة” في فنزويلا وبوليفيا والبرازيل وبلدان أمريكا الجنوبية (كما في بلدان أخرى) خلق شرخ بين المجتمع المحلّي والسلطة التي لا ترضى عنها الإمبريالية الأمريكية، لأنها تُعرقل توسُّعَها أو تُعرقل هيمنة الشركات العابرة للقارات على الثروات المَحَلّيّة (النفط في فنزويلا والبرازيل والنحاس في تشيلي والليثيوم في بوليفيا…)، وأحيانًا يكون البلد المُسْتَهْدَف ذا موقع استراتيجي هام، يسمح للإمبريالية بالهيمنة على منطقة أو ممر تجاري هام أو قارّة… 

يرجى مراجعة مقال بعنوان “على هامش انتفاضات أمريكا الجنوبية: الإمبريالية في خدمة الدكتاتورية !” الطاهر المعز أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2019

ومقال آخر بعنوان “أمريكا الجنوبية كنموذج لحال البلدان والشعوب المُضْطَهَدَة”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة + اثنان =