تونس، عام الكورونا، أي جديد؟ / الطاهر المعز

0 44

تونس.. اتهامات للنهضة بإحباط حراك يدعو لحل البرلمان

الطاهر المعز ( تونس ) – الأحد 13/9/2020 م …

تهميش مَنْهَجِي للفئات المُنْتَفِضَة:

تَكَفّل الزمن ووسائل الإعلام بإضفاء صورة ضبابية على ما حَدَثَ بتونس، بين السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2010، في سيدي بوزيد، إحدى المناطق المحرومة بالبلاد، والرابع عشر من كانون الثاني/يناير 2011، يوم خُروج الجنرال زين العابدين بن علي وأسْرَتِهِ حيّا يُرزق، ومُعافى، في طائرة خاصّة، نحو مدينة جدّة السعودية، على البحر الأحمر، وأصبح الدّساترة (فؤاد المبزّع ومحمد الغنوشي والباجي قائد السبسي، وغيرهم)، يتحدّثُون باسم “الثّورة” ويحتلون المناصب القيادية في مؤسّسات الدّولة، قبل أن يتقاسموها مع الإخوان المسلمين، الذين حازوا على أغلبية الأصوات في الإنتخابات التي مَوّلها وأشرف عليها الإتحاد الأوروبي، بإذْنٍ أمريكي، يوم 23 تشرين الأول/اكتوبر 2011، والإنتخابات التي تلتْها، وانخرطت كافة (أو مُعْظَم) القوى التقدمية والقومية واليسارية في لعبة الإنتخابات، واعتَبَرتْها مقياسًا (أو المقياس الوحيد) للديمقراطية، وحَوّلت قيادةُ اتحاد نقابات الأُجَراء، منظمةَ العُمّال، من قوة احتجاج ومطالبة بتحسين الرواتب والتقاعد وظروف العمل، إلى وَسيط وشريك لمنظمة أرباب العمل، و”قُوة خَير” (كما كان يُكرّر “حُسين بن قَدُّور”) تتوسّط بين مختلف الفئات الرجعية (المُعادِيَة لمصالح العاملين والكادحين والفُقراء)، بإشراف أوروبي وأمريكي…

لذلك بقي الفُقراء والمصابون وأُسَر ضحايا رصاص الجيش والشّرطة، أثناء الإنتفاضة، على الهامش، أو في الطُّرّة، خارج إطار “اللُّعْبَة الديمقراطية”، وبعد قرابة عشر سنوات، لم تُنشر بعد القائمة النهائية لجرحى وشهداء الإنتفاضة الشّعْبِيّة التي سَرَقَها الدّساترة والإخوان المسلمون، وخذلتها جُلُّ القوى التقدمية، واللّجان التي تأسست لتمْيِيع قضية ضحايا القمع، وتمّت إطالة عمر هذه المؤسسات، بدعم مالي وسياسي وإعلامي، امبريالي أوروبي وأمريكي…

قَدّمت أُسَرُ الضّحايا والمُصابين أكثر من ألف قضية استئناف أمام المحكمة الإدارية، بعد نَشْر اللجنة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية قائمة غير نهائية لهؤلاء الشهداء والجَرْحى، في تشرين الأول/اكتوبر 2019، بعد تسع سنوات من انطلاقة الإنتفاضة، وضَمّت آخر قائمة شبه رسمية، نَشَرَتْها تلك اللجنة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، التي يرأسُها أحد الأعْيان، (تشرين الأول/اكتوبر 2019) 368 شهيدًا و 2800 مُصابًا، أطلقت عليهم قوات الجيش والشرطة (القُوات النّظامية) النار، بسبب التظاهر والإحتجاج، خلال الإنتفاضة، وقُدِّرَ العدد الحقيقي للمُصابين والشُّهَداء بنحو 7713، بحسب إحصاءات أُخرى، ولم تحصل هذه الأُسَر على اعتراف رسمي، ولا على العلاج المجاني، ولا على تعويض مالي أو مَعْنَوي (رمزي)، بينما حصل الإخوان المسلمون على مقدار غير معروف (قُدِّر بمئات الملايين من الدينارات) و نحو 75 ألف وظيفة في القطاع الحُكُومي والعام، دون احترام قواعد التّوظيف (مستوى التعليم والمُؤَهّلات، واجتياز المناظرات وغير ذلك من الشّروط)، بمباركة صندوق النّقد الدّولي الذي فَرَضَ تسريح خمسين ألف موظف حُكومي، خلال خمس سنوات، وضاعت حقوق أهالي الشهداء والمصابين، وبقوا مُشتّتين بين اللجنة العُليا لحقوق الإنسان، وهيئة الحقيقة والكرامة (العدالة الإنتقالية) ومختلف اللجان (الإستشارية) الرسمية وشبه الرّسمية، التي أُطِيل في عمرها، رغم عدم جدواها، أو هي تأسّست أَصْلاً لتغييب الحُقُوق، ولارتقاء بودرالة أو بن سدرين وغرهما من الأثرياء والأعيان، بضعة درجات في السلم الطّبَقِي والإجتماعي والسّياسي، وفي غضون ذلك، تُوفِّي العديد من مُصابي الإنتفاضة، بسبب التّقْصِير والإهمال الطّبِّي… 

المُسْتفيدُون من تضحيات الفُقراء:

سياسيًّا، سُرعان ما نَسِيَت أو تَناسَت القوى التقدمية وائتلاف “الجبهة الشعبية”، واليسار القومي والشيوعي، عمليات الإغتيال السياسي، التي راح ضحيّتها رمْزان من رُموز الجبهة واليسار، الشَّهيدان شكري بلعيد (26/11/1964 – 06/02/2013) و محمد البراهمي (15/05/1955 – 25/07/2013 )، واغتيل كلاهما بالرّصاص، أمام منزله، في وضع النهار، في ظل حُكومات الإخوان المسلمين المُتحالفين مع الدّساترة، وهي الحكومات التي أَمَرَتْ بإطلاق الرّصاص على المُحتجّين من المصابين وأُسر الشهداء، وقتل بعضهم، وإصابة نُواب ومناضلين وحُقُوقيين، في ذكرى عيد الشّهداء، يوم التاسع من نيسان/ابريل 2012، عندما كان “علي لَعْرَيِّض”، أحد مؤَسِّسِي وقادة حزب الإخوان المسلمين (النهضة)، رئيسًا للحكومة وَوَزِيرًا للدّاخلية، كما أطلقت شرطة حكومة الإخوان المسلمين الرصاص الإنشطاري وقتلت وأصابت عددًا من المتظاهرين (حوالي 250 مُصاب) في مدينة “سِلْيانَة”، يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2012، قبل حوالي أسبوعَيْن من مهاجمة الإخوان المسلمين (مباشرة أو عبر تحريض بعض الهامشيين البُسَطاء والمُغَفَّلِين، الذين انضَمُّوا إلى مليشيات الإخوان المسلمين المُسمّاة “رابطة حماية الثورة”، مقابل وُعُود بالتّوظيف) محلات نقابة الأُجَراء، الإتحاد العام التونسي للشغل، وتخريبها، وإلقاء النّفايات داخلها وأمامها…

بالتوازي مع إهمال قضية ضحايا الإنتفاضة، عقد الإخوان المسلمون والدّساترة عدة صفقات، استفاد منها الفاسدون واللصوص من رُموز السّلطة ومن رجال الأعمال والأثرياء الفاسدين، الذين نهبوا أكثر من 15 مليار دولارا، بحسب تصريحات بعض وُزراء الإخوان المسلمين، تحت عنوان “المُصالحة الإقتصادية”، وطُرِحَ مشروع القانون في تموز/يوليو 2015، وتمت المصادقة عليه في البرلمان في تموز/يوليو 2017، أُسْوةً بما حصل في مصر، خلال حُكم الإخوان المسلمين، من “مُصالحة” بين الرأسمالية التقليدية، من جهة، والوُصُولِيِّين المُلتحقين بها من الإخوان المسلمين، من جهة أخرى، أي توسيع رُقعة الفساد، وإعادة تقاسم حصيلة نهب المال العام، وممتلكات وثروات الشعب، بين مختلف مجموعات اللصوص، قديمها وحديثها.

الوضع الإقتصادي بين الحاج موسى الدّستوري، وموسى الحاج الإخوانجي:

أدّى حُكم الإخوان المسلمين إلى ارتفاع حجم الدُّيُون الخارجية للبلاد، بنسبة  246% وتُمثل “خَدمات الدّيْن” نحو 20% من ميزانية الدّولة، خلال سبع سنوات من حُكم الإخوان المسلمين، ليفوق نصيب كل فرد (رضيع أو شيخ على حافة القَبْر) من الدّيون أكثر من ثمانية آلاف دينار، بنهاية 2019، وإلى انخفاض قيمة الصادرات، وبالتّالي ارتفاع العجز التجاري إلى أكثر من أربعة مليارات دولارا، خلال شهر آب/أغسطس 2020، وأصبحت الدّولة عاجزة عن تسديد رواتب مُوظّفيها، في حين يغرف الإخوان المسلمون من خزينة الدّولة، عملاً بإيمانهم بأن السّلطة غنيمة، وجب تقاسُمُها فيما بين الإخوان “وما مَلَكت أيديهم”، أما أبناء الشعب من الفُقراء، ومن أبناء الأُجراء والفلاحين والكادحين، فيعانون من البطالة التي ارتفعت نسبتها إلى 18%، بنهاية حُزيران/يونيو 2020، بحسب البيانات الرسمية، وهي دون الواقع بكثير، وتَراجع نُمُو الإقتصاد بنسبة 12%، خلال نفس الفترة، بحسب بيانات نَشَرَها المعهد الوطني للإحصاء (مؤسّسة رسمية)، منتصف شهر آب/أغسطس 2020، ويتوقع أن يتراجع نمو الإقتصاد ليُصبح سالبا بنسبة – 22% متوقّعة بنهاية العام 2020، ووجب على الدّولة تسديد 4,2 مليار دولارا من الدّيون، سنة 2020، ونظرًا لإفلاس الدّولة، يلجأُ الإخوان المسلمون (كما كافة الحُكومات العميلة والفاسدة) إلى الإقتراض من الخارج، من صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي والإتحاد الأوروبي واليابان ، لسد عجز الميزانية، ولا تُمثل هذه المؤسسات والدّول منظمات خيرية، بل مؤسسات رأسمالية تبحث عن استثمارات مُرْبِحَة…

يُتَوَقّع أن تسوء حال أغلبية المواطنين، خلال سنة 2021، بحسب صحيفة “الصباح” (10 أيلول/سبتمبر 2020)، التي نشرت بعض ملامح ميزانية الدّولة لسنة 2021، التي نَقَلت مُصطلحات وتعابير صندوق النقد الدّولي، بحذافيرها (وكأنها القُرآن) ومن ضمنها “تحسين مناخ الأعمال والإستثمار”، و “مُعالجة اختلال التّوازنات المالية”، و “التّحَكُّم في النّفقات العُمومية، وترشيدها”، وغيرها من المُصْطَلَحات التي يمكن ترجمتها في الحياة اليومية للمواطنين، إلى خفض وإلغاء دعم المواد الأساسية، وبَيْع ما تَبَقَّى من القطاع العام، وخفض عدد المُوظّفين (باستثناء الشرطة ووظائف القمع ) وخَفْض الرواتب ومعاشات التّقاعد (عبر عدم زيادة مبالغها، رغم ارتفاع الأسعار)، وإلغاء أو تأجيل التّرقيات القانونية في سُلّم الوظيفة العُمومية، وإلغاء برامج ودورات التّأهيل، مع زيادة إيرادات الضريبة على الرواتب (وليس على قطاع الأعمال “الحُرّة”) وعلى استهلاك السّلع والخَدَمات (ضريبة القيمة المُضافة)، مع خَفْض قيمة الدّينار…

خاتمة، من أجل بديل يُحقّق طموحات جيل الإنتفاضة:

مثّل تأسيس “الجبهة الشعبية” أملاً للعديد من القوى التّقدّمية ومن المواطنين، لكن عواملَ عديدة أدّت إلى فشلها، نظرًا للحُدُود التي حَكَمت عملية تأسيسها، فهي جبهة انتخابية، ولم تكن أبدًا أداة نضال، وسارع زُعماؤها إلى التّصرف كدكتاتوريين، من خلال تجاهل مؤسساتها وفُرُوعها، خارج العاصمة، وتجاهل وزن المناضلين التّقدّميّين، “المُستقلّين”، أي غير المُنْتَمِين رسميًّا للأحزاب والمنظمات، وكانوا أغلبيةً مُطْلَقَة، قبل إقصائهم، كما جَعَل القادة المُتَنَفِّذون من هذه الجبهة، منظمة “غير حكومية” إضافية، تُتْقِن خطاب اليسار، ولكنها تُعَوِّلُ على دَعم القوى الإمبريالية، الأمريكية والأوروبية، للإرتزاق وللإعتراف بها كبديل سياسي للإخوان المسلمين، بالتحالف مع جناح من النّظام السابق، والتي يُمثّلها “الباجي قائد السبسي”، المَدْعُوم من الإمارات (كمنافس، رجعي أيضًا، لمشيخة “قَطَر” التي تدعم الإخوان المسلمين)، وما الإمارات سوى قاعدة عسكرية أجنبية، ومشيخة تابعة للإمبريالية الأمريكية، وحصل تحالف “الجبهة” مع “نداء تونس”، مباشرة بعد الإغتيال الذي أودى بحياة ثاني قائد للجبهة، “محمد البراهمي (25 تموز/يلوليو 2013)، بعد ستة أشهر من اغتيال “شُكري بلعيد” ( 06 شباط/فبراير 2013)، ما حَوّل التّضامن والتّعاطف الشعبي مع الأُطْرُوحات التّقَدّمية للجبهة، إلى دعم انتخابي ظَرْفِي، انتهى عندما ارتطمت “الجبهة الشعبية” ونوابها بحدود دَور العمل البرلماني، خاصة إذا اقتصر “النضال” المَزْعُوم على التهريج في قاعة مجلس النّواب، أمام كاميرات التّصْوير التلفزيوني، والتّدافع للحديث في وسائل الإعلام الرّدِيء، بدل استغلال الشّهرة لقيادة النّضال الجماهيري، من أجل انتصار الكادحين والمُنتجين على أعدائهم الطّبَقِيِّين، باستخدام كافة الوسائل، وما الإنتخابات الدّورية سوى واحدة من هذه الوسائل (الثانوية) إلى جانب التوعية والتّحريض والإحتجاج والتظاهر، ومُساعدة الكادحين والمُعَطّلين من أجل إدارة شؤونهم، وتحقيق مطالبهم، بأي شكل مُناسب لقُدراتهم على التعبئة والصّمود، من أجل بناء مجتمع بديل، يُلَبِّي حاجة الجميع… أما التّعويل على الإنتخابات فقد جَرّبت الجماهير حُدُوده، لأن من لا يملك المال، ووسائل الإعلام وقاعات الإجتماعات، لا يتمكّن من إبلاغ رأيه وأُطْرُوحاته ومن إيصال برامجه البديلة لجماهير الشعب، هذا إذا افترضْنا جَدَلاً جِدِّيّة المُترشحين والتزامهم بقضايا الكادحين والفُقراء، وامتلاكهم البرنامج والرّؤية الواضحة لإنجاز برنامج تقدّمي، ذي أُفُقٍ اشتراكي، يخدم مصالح الأغلبية…

مرت قبل يَومَيْن الذكرى التاسعة والأربعون لانقلاب تشيلي (11 أيلول/سبتمبر 1973 – 2020)، ضد الرئيس “سلفادور اليندي”، المُنتخب ديمقراطيا، والذي حاول تغيير الوضع الإقتصادي والسياسي عبر الإنتخابات والحصول على الأغلبية النيابة، لكن الشركات متعددة الجنسية أطاحت به، ونصّبت طُغْمة عسكرية، بقيادة “أوغوستو بينوشيه”، من 1973 إلى 1990.

في إيطاليا قاد الحزب الشيوعي الإيطالي المُقاومة ضد الفاشية، ثم الإحتلال النازي (من 1923 إلى 1945)، رغم السجن والإغتيالات، وكان أقوى حزب، خلال عقد سبعينات القرن العشرين، ولكن الولايات المتحدة، التي تمتلك قواعد جَوِّيّة وبَحْرِيّة ضخمة (باسمها أو باسم حلف شمال الأطلسي) اعترضت على مُشاركة أي حزب شيوعي (ولو كان يمينِيًّا، بمقاييس الإشتراكية) في سلطة أي بلد من أوروبا الغربية، وفي هذَيْن المثالَيْن عبرة لمن لا يزال يتوهّم بإمكانية تغيير طبيعة المجتمع، بواسطة صناديق الإقتراع، فالإنتخابات قد تُصْبِحُ، في بعض الأحيان، منصّة للدفاع عن الأفكار والبرامج الثورية، والتّعريف بها لدى أوسع فئات الشّعب (إن كان ذلك مُمْكِنًا)، لكن وجب إدْراك حُدُودها…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

8 − خمسة =