هل من حرب واسعة؟ / كمال خلف الطويل

253
كمال خلف الطويل ( فلسطين ) – الأربعاء 10/7/2024 م 
كنتُ قد أشرتُ في المقال السابق إلى نيّة الولايات المتحدة إجهاض قدرة إيران، بالقوة العسكرية، وغالباً بالاشتراك مع إسرائيل، على التحوّل من دولةٍ عند حدّ العتبة النووية إلى واحدةٍ تمتلك السلاح النووي. ذلك صحيح، لكن الأصحّ المستجدّ أنّ انتقال روسيا والصين من ضفّة مشاركة الغرب الجماعي في قرار حرمان إيران من السلاح النووي، وحتى مفصل 2021/2022، إلى ضفّة عدم الممانعة من امتلاكها له، ووفقاً لخلفية التوافق الثلاثي على مغالبة مقاصد الهيمنة الكونية الشاملة لدى الولايات المتحدة، بات عقبةً كؤوداً أمام استفراد الأخيرة بها دون غطاءٍ واقٍ توفّرانه لها، روسياً بالأخصّ.ثمّ إنّ صاحب القرار في واشنطن، أيّاً كان، لن يجد يسيراً عليه أخذ البلاد والعباد إلى حرب هي بالتأكيد واسعة، مكلِفة، وخطرة؛ فضلاً عن أنها كفيلة بتبديد كثير من وسائل القوة في مسرح هو، على أهميّته، أقلّ شأناً من التحدّي الرئيس والمتعاظم في وجهه، في شرق آسيا.
هناك يتقرّر أهو عالَمٌ متعدد القطبية ما يتشكّل أمامنا، أم تُراها عودة روح لأحاديّ قطبية. إنّ هناك تصميماً أميركياً، عابراً للأجنحة، على حرمان الصين من لعب دور المهيمن في آسيا. تطلّب ذلك حصر أسطولها ضِمن سلسلة جزر بحر الصين الجنوبي الأولى، ما اقتضى دوام استتباع تايوان، وإلّا انداح في كل اتجاهات المحيط الباسفيكي، وصولاً إلى جاره الهندي. يسأل أحد: هل تأذن واشنطن لتل أبيب بالقيام بضربة نووية تستهدف المشروعين النووي والصاروخي الإيرانيين؟ ذلك ضربٌ من مُحال، فضلاً عن أن نجاحاً فارقاً له في نيل مبتغاه مُعاقٌ بمغالبة صينية – روسية (انتقال نووي باكستاني، بتشجيع صيني، في البال).
ترسم هذه المحدّدات شكل الحوادث، عبر الشهور العديدة القادمة، على نحوٍ أتصوّره كالتالي:
1- إنّ هزيمة «تساهل» [الجيش الإسرائيلي] أمام «قسّام حماس»، بمعنى فشله الذريع في تقويضها، وبدلالة توافر قدرتها على مطاولته استنزافاً، مفتاحٌ لصراع حلزوني التصاعد، طوّق إسرائيل بحزام نارٍ يزداد اضطرامها وفق ضرورات السياسة والميدان. لقد وصل كلٌّ من جنرالات «تساهل» والولايات المتحدة، معاً وباضّطرار، إلى التسليم بوجوب وقف النار والرضى ببقاء حكم «حماس» في غزة، لكن ائتلاف اليمين الحاكم ما فتئ يتلوّى عناداً ورفضاً لاستنتاجات الطرفين الواقعية، لتاريخه.
2- إنّ ذلك يضع إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، في زاوية ضيّقة من عسرة الخيارات: غزة، «عراقٌ» إسرائيلي لا قِبل لـ«تساهل» بتحمّل عبئه. الضفّة، كتلة لهب تنتشر أفقاً وتشتدّ عمقاً، ومصحوبةً بمقتربات الجولان رديفةً. الأردن، ساحة توصيل صعبة، ولكن متنامية، للسلاح إلى الضفة. لبنان، مُرقّصاً «تساهل» على نوتته ضرباً وإيلاماً. اليمن، فارضاً حصاراً بحرياً على إيلات، لا بل ومادّاً ذراعيه في بحري الأحمر والعرب مستهدفاً كلّ مُعين لإسرائيل. وأهم المهمّ، انتهاز إيران فرصة «طوفان الأقصى» لإتمام بلوغها العتبة النووية، ثم الانطلاق منها لامتلاك السلاح النووي ونواقله.
3- إنّ ذلك كلّه لا يدع أمام إسرائيل من خيارٍ سوى أن تمتشق سلاحاً غير تقليدي تحاول به كسر نطاق الخنق الاستنزافي المنصوب حولها. أقصد هنا القنبلة النيوترونية. هل ذلك متاح؟ عندي أنّ ذات ما انطبق على خيار نووي نحو إيران ينطبق على خيار نيوتروني أمام لبنان.
أضف أن حرباً إسرائيلية كبيرة على لبنان تستدعي، حُكماً، حرباً إقليمية واسعة ضدها. لقائل أن يقول إنها إذّاك مرغَمةٌ على تفعيل خيار شمشون النووي. عندي أنّ الغرب قبل الشرق سيمنعها عنه.
4- إنّ حالة الاضطراب الداخلي في الولايات المتحدة على خلفية الأداء المزري لرئيسها الحالي أمام مناظره الرئيس السابق، والمرشّح، لا تسمح لها بمبادرات حربجية وازنة، سيما أن «جيشها» الأوكراني يُسحق أمام ناظريها بمعدّل 2000 قتيل وجريح يومياً، بل وروسيا في صدد الردّ على وجود عناصر ناتوية مُعِينة له، وعلى السماح باستخدام السلاح الغربي ضدّ العمق الروسي، بتزويد الحوثيين وحزب الله بسلاح روسي نوعي.
5- في المقابل، فذات حالة الاضطراب تلك تغري خصوم الولايات المتحدة، أكانوا في غرب آسيا، أم شرق أوروبا، أم شرق آسيا، برفع منسوب تحدّيها إلى أبعد الآفاق. في البال، احتمال إشهار إيران امتلاكها السلاح النووي قبيل انتخابات الرئاسة الأميركية. لا توثّر في ذلك، في قليل أو كثير، هويّة الفائز في انتخابات الرئاسة الإيرانية.
6- إنّ عودة ترامب رئيساً، وتبدو مرجّحة، لن تكون كما يحاول تصويرها، بطريقته الغرائبية، صانعةً للعجائب، وإنّ كلمته «ما تخرّش الميّة»، وما على الآخرين سوى الانصياع وترديد قسم الطاعة. هو، على العكس، معتنقٌ صلب نهج الواقعية الانكفائية، المظهّرة للقوّة والعازفة عن استعمالها. لن أُفاجأ بعرضه صفقة مغرية على إيران وحلفها، وتراضٍ مرضٍ مع تركيا، ونأيٍ عن حربجية إسرائيل، وإحلالٍ لسلام بين- كوري، وتسويةٍ انسحابية مع روسيا في أوكرانيا. وحتى إن عاد سيرته الأولى إيرانياً، بأن استأنف حملة «الضغوط القصوى»، فقد باتت بائتة في ضوء الشراكة الثلاثية أعلاه.
7- وسواءٌ تسنّم ترامب سدّة الرئاسة الأميركية أم تمكّنت «الدولة العميقة» من تدبّر فوز مرشّحها، فأمام واشنطن حقائق ثلاث ماثلة:
أ- قيام منظومة أوراسية، سياسية/عسكرية/اقتصادية/أمنية، خلطت «شانغهاي» و«الاتحاد الأوراسي» و«منظومة الدول المستقلة»، والحزام/الطريق الصيني، وربما «العالم التركي»؛ في إكسيرٍ مازج، وضمّت، إلى الصين وروسيا، إيران وكوريا الشمالية وسوريا، بل واحتمالية عالية لشملِ تركيا وباكستان فيها، مع سواهما. لبّ مسعى المنظومة حرمان الولايات المتحدة من وسائط العقوبات وسلاح الهيمنة الماضي: الدولار عملةَ تبادل عالمية.
ب- اتّساعٌ بيّن لهامش حركة حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين في غرب آسيا نسبةً إلى متن المتروبول الأميركي. السعودية بينهم بالذات ستجد أنّ أي رهان على تحالف ضامن وتطبيعي مع إسرائيل لا يستحقّ النظر في أمره، فيما لم تستطع الأخيرة مجرّد الحفاظ على أمنها من غائلة «الطوفان»، وأن الاتّكال على ضمان أمن أميركي مجرّد صرحٍ من خيال.
ج- اهتراء أحوال أوروبا بما يدفع بعضها للتمرّد على المهيمن، وبعضها الآخر لخلطة من فتنٍ واقتتال، داخلي وبيني.
يعود سؤال البداية ملحّاً: أمِن حرب واسعة في الأوراق؟
أرى المركّب الأميركي – الإسرائيلي مضطرّاً لها، وغير قادر على الإيفاء بمتطلّباتها، ذلك إيرانياً؛ أمّا لبنانياً، فليس من قدرة إسرائيلية على شنّ حرب على لبنان، ولا من إذن أميركي بها.
وأرقب «المحور» راغباً بالحرب وهيّاباً من مهول كلفتها… وعليه، فمواظبة الأخير على إدامة الصراع المسلّح المتعدد الجبهات، بوتائر تعلو وتهبط لكنَّ منحاها صاعد، تحمل وعود رجحانٍ ماضٍ إلى فوز، وقاصر عن نصر.