مجدي حسين يكتب عن أمريكا ومحاولات الهيمنة على بترول الشرق الأوسط

179
مجدي حسين ( مصر ) الإثنين 10/6/2024 م …

أمريكا سيطرت على كل بترول الخليج والعراق وايران عام 1953 وفقدت ايران 1979 ولكنها لاتزال تسيطر على بترول العراق وحولت أكبر بلد بترولى إلى بلد منكوب بقطع الكهرباء –

السيطرة على بترول العراق وايران

لم يبق سوى إحكام السيطرة على بترول العراق وايران ليصبح الخليج البترولى كله تحت الهيمنة الانجليزية – الأمريكية . وكان الانجليز قد نجحوا فى إحباط ثورة رشيد عالى الكيلانى فى العراق وإعادة السيطرة على البلاد بعد أن بدأت تقيم علاقات مع ألمانيا . وكان مصطفى الوكيل نائب رئيس حزب مصر الفتاة مشاركا فى هذه الثورة وكان مسئولا عن الاذاعة واضطر للهروب مع الآخرين بعد هزيمة الثورة بطرق متعرجة حتى وصلوا إلى ألمانيا ، وكان المطلوب إعدامهم إذا وجدوا فى أى بلد يتبع انجلترا والحلفاء .

ولكن وضع ايران لم يحسم بعد وكانت فى ذلك الوقت ، الأربعينيات من القرن العشرين ، الدولة الأولى نفطيا فى العالم .

كانت حدود إيران مع الاتحاد السوفيتى 1400 ميلا واكتسبت ايران أهميتها الاستراتيجية فى البداية ، بالاضافة إلى البترول ، فى أنها كانت الطريق لإمداد أمريكا السوفيت بالسلاح لمواجهة ألمانيا ، ولهذا السبب تواجد 30 ألف أمريكى فى إيران . ومع هزيمة ألمانيا تمدد السوفيت واحتلوا ثلث ايران الشمالى وكان به أكثر السكان وكان الأغنى زراعيا ، بينما ظلت بريطانيا حليفة أمريكا تحتل ثلثى ايران الجنوبى وهى المناطق التى يتواجد فيها البترول .

وعمل الأمريكان بقوة لوراثة انجلترا فى إيران كما هو الحال فى الخليج وباقى الشرق الأوسط والعالم . وكانت الأولوية لوراثة بحيرة البترول الخليجية بأسرها التى تمثل 70 % من احتياطى العالم . وبدأ الخبراء الأمريكيون العسكريون يتوافدون لتنظيم الجيش والشرطة الايرانية ، وكان من بينهم هربرت شوارزكوف فى قوات الشرطة وهو الذى سيصبح جنرالا ويقود القوات الأمريكية فيما بعد لاجتياح العراق والذى هدد بإعادة العراق إلى عصر ما قبل الكهرباء والجامعات والصحف والمصانع وقد حدث كثير من هذا مع الأسف فى أعقاب غزو 2003 .

سعت أمريكا للسيطرة التامة على مجمل القطاع الاقتصادى فى ايران وقررت تخفيض عدد الجيش الايرانى من 90 ألف إلى 30 الف . وكان ستالين زعيم الاتحاد السوفيتى يتصور أنه لا يزال حليفا لأمريكا والغرب فلم يكتف بالسيطرة على شمال ايران بل سعى للتشارك مع الغرب فى نفط الخليج ، واقترح على روزفلت رئيس أمريكا فى مؤتمر طهران 1943 وضع نفط الخليج تحت إدارة واشنطن ولندن وموسكو ، ولكن روزفلت كتمها فى نفسه مؤقتا ولم يعلق فورا ، فقد كانت أمريكا ترى أن ايران يجب أن تكون العازل الاستراتيجى بين السوفيت والخليج .

وبدأت بوادر ثورة مصدق الوطنية واستطاع مصدق أن يمرر فى البرلمان عام 1944 قانونا يحظر الامتيازات البترولية بدون موافقة البرلمان . وعندما قامت حركة انفصالية فى شمال ايران : آذاربيجان وكردستان ، وتم الاعلان عن دولتين مستقلتين فى آذاربيجان وعاصمتها تبريز ويغلب عليها العنصر التركمانى ودولة أخرى كردية فى مهرأباد بقيادة الشيوعيين الكرد ، أعلن السوفيت تأييدهم لهاتين الدولتين .

عند هذا الحد رأى الأمريكان أن الخزان النفطى مهدد بالفعل فقاموا بتهديد عسكرى صريح للاتحاد السوفيتى بضرورة الانسحاب من شمال ايران . وكانت امريكا هى الدولة النووية الوحيدة فى العالم فى ذلك الوقت بعد تفجير قنبلتى هيروشيما ونجازاكى ، أما السوفيت فلم يفجروا أول قنبلة إلا فى عام 1949 ،ولذلك خضع ستالين للتهديد الأمريكى . وبالتالى لم يبق سوى القضاء على ثورة مصدق المتصاعدة ذات التوجه الوطنى الأصيل وكانت مدعومة من بعض رجال الدين وعلى رأسهم آية الله كاشانى . وأعلن الرئيس الأمريكى ترومان : ليس هناك منطقة فى العالم أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية من هذه المنطقة . يقصد الخليج والشرق الأوسط . وهى عبارة كانت ولا تزال تتردد على لسان كبار ساسة أمريكا من أوائل القرن العشرين وحتى الآن وهم لا يدركون أنهم يتحدثون عن الخريطة القرآنية لأن أحدا من المسلمين لم يفكر ولم يكتشف هذه الخريطة القرآنية قبل د. عبد العزيز كامل وزير الأوقاف فى عهد عبد الناصر . واعتبر نفسى مكتشف لبحث د. كامل وقد كان بحثا مركزا ومختصرا فى أحد مؤتمرات الأزهر العلمية ، وقد قمت بجهدى المتواضع بتطوير هذه الدراسة وكسوتها بالشحم واللحم من خلال وقائع التاريخ والسياسة بعد وقائع القرآن الكريم : دراسة المستطيل القرآنى . وقد علمت فيما بعد أن عبد العزيز كامل فى الأصل كان أستاذ جغرافية وهذا ما وجه عنايته لهذه الزاوية فى القرآن الكريم .

المهم فى عام 1947 تم تأسيس مركز المخابرات الأمريكية لكل الشرق الأوسط فى طهران والذى ظل يعمل حتى أسقطته الثورة الايرانية فى 1979 خاصة بعد الاستيلاء على السفارة الأمريكية ومصادرة كل أوراقه والتى تم نشر الكثير منها بلغات مختلفة منها العربية . ولا شك أن الدبلوماسيين الأمريكيين أحرقوا أخطر هذه الأوراق فى الأيام الأولى للثورة .

وفى عام 1951 طالب مصدق بتأميم البترول وهو فى البرلمان ، وقامت ثورة شعبية نصبته رئيسا للوزراء رغم أنف الشاه . وتآمرت المخابرات الأمريكية بقيادة كيرميت روزفلت وفق خطة أجاكس على الثورة بفرض مقاطعة شاملة للبترول الايرانى لإحداث أزمة اقتصادية وترتيب عناصر ثورة مضادة مفتعلة لإسقاط مصدق واستيلاء امريكا على ايران وإعادة تنصيب شاه ايران الذى كان قد هرب من البلاد ، وذلك فى عام 1953 .

فى عام 1953 وبهذا النجاح كانت لحظة تاريخية لن تتكرر ولن تستمر لأمريكا فقد استولت كلية على الخزان النفطى الأكبر فى العالم : الخليج . ولنلحظ أن العراق وايران جزء لا يتجزا من هذا الحوض النفطى . لم يستمر هذا الوضع إلا حتى عام 1958 حين قامت الثورة التحررية فى العراق وطردت النفوذ البريطانى وانضمت للمسيرة .

القومية فى المنطقة مع مصر وسوريا .

وعبر السنين ظلت الأرقام المعلنة للاحتياطى البترولى فى العراق وايران والسعودية فى تأرجح شديد . وأشارت آخر الأرقام إلى ان الاحتياطى فى العراق 112 مليار برميل أى ربع الاحتياطى العالمى وأن نفط العراق مقدر أن يستمر 526 سنة على الأقل وفى كل ذلك دوافع كافية للعدوان الأمريكى بهدف احتلال العراق عام 2003 بعد فقدان نفط العراق لمدة نصف قرن أى منذ 1958 . وقبيل غزو العراق اجتمع رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكى مع نخبة من كبار رجال الأعمال الأمريكيين وبشرهم بأنه ذاهب لاحتلال العراق وليصبح كل بترول العراق ملكا لأمريكا وأكبر فرصة للاستثمار. وهذه الكلمة مسجلة فى فيديو على اليوتيوب . وفى الواقع كان نصيب الأسد لشركة هاليبرتون وهى شركة رامسفيلد وتشينى الذى كان نائبا للرئيس الأمريكى وكذلك شركة بكتل وأكسون موبيل وهى الشركات التى يعمل بها كبار المسئولين الأمريكيين وطبعا كل ذلك بالمخالفة للدستور والقوانين الأمريكية !!

وكان من أول قرارات الاحتلال السيطرة التامة على شركة البترول الوطنية . وللاحتلال فضائح كثيرة فى مجال سرقة مداخيل البترول وباقى الوزارات : حوالى 20 مليار دولار ، وتسمى المليارات المفقودة . وكأننا أمام عصابة لا دولة عظمى ، ولا مجال الآن للحديث عن فظائع تخريب أمريكا للعراق فى شتى المجالات .

المهم بغزو العراق تمت استعادة بترول العراق بعد أن فقدت أمريكا بترول ايران فى ثورة 1979 .

حاشية عام 2024

تؤكد المعلومات الموثوقة أن امريكا رغم انسحابها الكبير من العراق مع استبقاء بعض القوات بزعم أنهم مستشارون ، لا تزال تسيطر من خلال اتفاقات معقودة على معظم بترول العراق وهذا من أهم أسباب عدم قدرة العراق على تخطى أزماته الاقتصادية الطاحنة بما فيها أزمة انقطاع الكهرباء فى أكبر بلد بترولى فى العالم !! من يريد أن يصادق أمريكا أحمق . انتهت الحاشية

ستظل معركة أمريكا الأولى استعادة ايران ليس من أجل البترول فحسب ولكن هذا من ضمن أهم الأسباب .

آخر مؤشرات الاحصاءات تقول بأن ايران تملك أكبر احتياطى غاز فى العالم أى أكثر من روسيا وقطر ، وأنها تملك ثانى أكبر احتياطى زيت فى الخليج . وتظل السعودية تتارجح بين المركز الأول والثالث فى الاحتياطى ولكنها الأولى فى انتاج الزيت لأنها تنعم بالاستقرار الأمريكى !!

ولكن هل انتهت معركة النفط فى الشرق العربى ؟ ماذا عن سوريا ومصر والسودان وفلسطين ؟