فلسطين، تحرير أم تفاوض عَبَثِي؟  / الطاهر المعز

208

الطاهر المعز ( تونس ) – الخميس 6/6/2024 م …  

كُتِبَ هذا النّص القصير في الأصل بلغة غير عربية لأنه رَدٌّ على بعض أُطْرُوحات التّقدّميين الأوروبيين والأمريكيين، وعند الحديث مع بعض الأقارب لاحظتُ إن بعضهم تَخَلَّى عن دعم الشعب الفلسطيني واستبدل شعار “الحياة مُقاوَمَة” بشعار “الحياة مُفاوضات”، لذلك عَرّبْتُ النّص، وأعْدَدْتُهُ للنّشْر…

يدافع مواطنون ومناضلون “غربيون” ـ بحسن نية غالباً ـ عن “حل الدولتين” على أرض فلسطين، معتقدين أن الشعب الفلسطيني والمستوطنين الصهاينة سيعيشون في دولتين متجاورتين في سلام، ويمكن لنا نحن العرب أو مواطنو البلدان الواقعة تحت الإستعمار والشعوب الواقعة تحت الإضطهاد اعتبار هذا “الحل” ( الزائف) إفراطًا في السذاجة أو ثَغْرَةً في الثقافة السياسية أو جَهْلاً بالتاريخ، تاريخ الإستعمار بالذّات، وللتذكير، فإن الإستعمار عنيف بطبعه، وعلى ذكر التّاريخ فإن الكتب الدينية – مثل التوراة – ليست كتب تاريخ، وللتاريخ كذلك لم يبدأ الاحتلال الصهيوني لفلسطين سنة 1967 ولا سنة 1948، بل تكثفت الهجرة والمستوطنات الصهيونية زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين (1917 – 1948) أو حتى قبل الحرب العالمية الأولى، لكن بوتيرة ضعيفة، وللتذكير كذلك فأن المشروع الصهيوني وُلِدَ مع الإمبريالية في أوروبا، وبدعم منها، خلال القرن التاسع عشر، وليس سنة 1967 أو 1948.

لو افترضنا جَدَلاً إن حل الدّولتَيْن قابل للتطبيق، ما قيمة هذا “السلام”  المُستحيل-على افتراض أنه ممكن- من دون العدالة؟ وكيف يمكن حل قضايا اللاجئين المطرودين بالقوة – وفق خطة معدة مسبقاً – من وطنهم، من الأرض المنهوبة، من القرى المدمرة البالغ عددها 532 قرية؟

لا يمكننا أن نعامل المستوطنين من مواطني أكثر من 100 دولة على قدم المساواة مع السكان الأصليين، أي أبناء الشعب الفلسطيني. باختصار، إن الصهيونية، وهي العقيدة والمرجع الرسمي للمستوطنين في فلسطين – كل فلسطين، وليس الجزء المُحتل سنة 1967 فقط – هي أيديولوجية استعمارية تعتمد على الدّعنم المُطلق وغير المشروط من الإمبريالية (خصوصًا أمريكا الشمالية وأوروبا) للسيطرة على المشرق العربي، بموقعه الإستراتيجي، بين ثلاث قارات، وثرواته وممراته البحرية...

إن احتلال فلسطين، مثل أي احتلال، يتطلب المقاومة، ضمن مشروع (أو برنامج) تحرير وطني، ولكن لا حَقَّ لأحدٍ «اختيار» أو “إملاء” أيديولوجية أو عقيدة قوى المقاومة، باستثناء الشعب الواقع تحت الإحتلال، كالشعب الفلسطيني، وهو مثل كل شعوب العالم، غير متجانس، يَضُمُّ مختلف الطبقات الاجتماعية، ومن ضمنهم الأثرياء المُتعاملين مع الإحتلال للمحافظة على ثرواتهم وتنميتها، والوجهاء الرجعيين، والوُشاة  (طوعاً أو قسرياً) والمُقاومين والتقدميين والثوريين الخ.

إن قيادة حماس ومقاتليها هم جزء من الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، ويمكننا أن نختلف مع برنامجها و أيديولوجيتها، وننتقد التناقضات في تصريحات وأفعال قيادتها، ونُندّد بعلاقاتها مع قَطَر وتركيا، ويمكننا أن نطرح أسئلة مشروعة حول أهدافها (تحرير فلسطين أم إثبات القدرة على الحُكْم ولو في جزء من فلسطين؟) ويمكننا أن نتساءل حول معنى مشاركتها في الانتخابات في ظل الاحتلال، وفقاً لاتفاقيات أوسلو وغيرها ( ولا تَشُذُّ حماس عن شبه إجماع المنظمات الفلسطينية على دعم أوسلو في البداية والتنكر بعد عقْدَيْن) ويمكن أن يكون لدينا تفضيلات، ندعم أو لا ندعم هذه المنظمة أو تلك، لكن لا يحق لأحد أن يختار أو “يضفي الشرعية” (يبارك؟) منظمة أو يُلغيها من خارطة المقاومة، بدلاً من الشعب الفلسطيني أو اللبناني أو اليمني أو أي شعب آخر، فعندما تُمارس منظمة ـ تتبَنّى عقيدة دينية ـ مثل حزب الله أو حماس أو الجهاد الإسلامي ـ فِعْلَ المُقاومة ضد المحتل، كيف ينبغي للتقدميين أن يتفاعلوا؟ هل بتشويه سمعة فِعْل المقاومة بسبب هوية الشخص أو الطّرف المقاوم، أم دعم فِعل المُقاوَمة؟ إن الدّعم يمكن أن يكون في شكل “مُساندة نقدية”، وليس بالضرورة دعمًا مطلقًا أو ولاءً سياسيا وتنظيميا وعقائديا لحماس أو حزب الله أو الجهاد الإسلامي أو أنصار الله في اليمن، بل وجب دعم كل من يُقاوم الإحتلال، مع استمرار النّقد الذي يُساعد على التّحرير وعلى تحسين أداء المُقاومة…

في فلسطين يكمن أصل المشكلة في عدم شرعية الدّولة الصهيونية التي أُقيمت على أرض فلسطين، غير إن ميزان القوى الحالي لا يسمح بالتحرير، بل يسمح بالمقاومة، وهي  واجبة لأن المقاومة وحدها قادرة على تغيير ميزان القوى، وعلى نزع الطّمأنينة من المُستوطنين وعلى ردْع من يُخطّط للإستيطان في وطن الغَيْر وتَرْدَعُ المُقاومة الرأسماليين فيتردّدون في استثمار أموالهم – المنهوبة من فلسطين أو من خارجها – في فلسطين وتردع المقاومة السائحين والمُستثمرين وأصحاب الشركات، بل تدفع البعض إلى مُغادرة فلسطين، وما إلى ذلك من مظاهر التغييرات البطيئة في ميزان القوى، ولن تحصل هذه التغييرات بِسُرْعة لم لن تحدُثَ بالمُفاوضات بل بالمُقاومة…

هناك من يعتبر “إن الطّرَفَيْن مُخْطِئَيْن” أو “إن الأخطاءَ المُشتَرَكَةَ كانت سبب العدوان الصهيوني ليوم السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023″، ويعني ذلك تحميل المُستَعْمِر والمُستَعْمَر مسؤولية الإحتلال وما انْجَرَّ عنه، فالأمر ليس مسألة “أخطاء مشتركة”، بل إن أحد الطّرَفَيْن يحتل وطن الطّرف الثاني ولا يعتبره شعبًا أو صاحب حق، ولذلك يعتبِرُ المُستعمِرُ والمُسْتَوْطِنُ إن من حقه – بل من واجبه – سحق الشعب الفلسطيني، بدعم من الإمبريالية والسلطات الحاكمة بمعظم البلدان العربية، الذي يُعَرْقِلُ مشاريع الإحتلال، كما لا يتعلق الأمر بالفصل العنصري فقط (وبالتالي عدم المساواة في القانون وفي الحياة اليومية) أو جدار الفصل أو القدس، فهذه فُرُوع من الأصل وهو احتلال وطن، وهو استعمار استيطاني ينكر وجود وحقوق السكان الأصليين المستعمَرين، وبالتالي فإن المسألة ليست مسألة حقوق الإنسان كأفراد، ولا هي مسألة حدود، بل مسألة وجود وبقاء واستعادة الأرض (بمعنى الوطن) المسروقة والمغتصَبة والمستعمَرة من قبل جحافل استوردتها الحركة الصهيونية من أكثر من مائة دولة، ولم يحصل ذلك بالتفاوض أو بالحُسْنى بل بالعُنف المُنَظّم والمُخَطّط له منذ عُقُود، ووجب التّذكير أن الاستعمار عنيف في جوهره.

أما الحل فيتمثل في وضع حد لهذا النوع من الاستعمار بكل الوسائل المتاحة والتي لم يتم ابتكارها بعد، وللتّذكير فإن مقاومة الاستعمار مشروعة دائما وبدون أي استثناء، بل هي من الواجبات “المُقَدَّسَة”، وللتّذكير كذلك فإن الشعوب الواقعة تحت الإستعمار لا تختار شكل المقاومة، بل إن المستعْمِرَ وشكلَ الاستعمار يفرضان نوع المقاومة وأشكالها وأدواتها. أما “القانون الدولي” أو “المجتمع الدولي” فهما أداتان لا يمكنهما تجاوز توازن القوى القائم على المستوى الدولي، ويُعتبر الإعتماد عليهما من باب الأوهام التي تريد أن تُنْسِينا إن الأمم المتحدة، بما فيها الإتحاد السوفييتي، شَرْعَنَتْ الإحتلال  وصادقت على قيام الدولة الصهيونية على أرض الشعب الفلسطيني، ولو إن هذا الاعتراف كان مشروطا بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم واستعادة حقوقهم، وممتلكاتهم المنهوبةن إضافةً إلى (وليس “أو”) الحصول على التعويضات، والسؤال هو: من ينتج ويُقِرُّ “القانون الدولي” ومن يطبقه؟ إنه الطّرف الأقوى.

من المهم أيضاً استخلاص الدّروس من تجارب الشعوب التي خاضت حروب التّحرير وتحرّرت من الإستعمار، قبل حصول انتكاسات جعلت الإستعمار غير المُباشر يحل محل الإستعمار المباشر، مما يُؤَكّد ضرورة النضال من أجل التحرر الوطني والاجتماعي وتحرير الأرض (الوطن) والإنسان وتجنب “أخطاء” الجزائر وفيتنام وأنغولا وموزمبيق، وكذلك في جنوب إفريقيا حيث ارتقى بعض أفراد من السود (خصوصًا من قيادات المؤتمر الوطني الإفريقي ) بضع درجات السُّلّم الطبقي والإجتماعي، فيما لا يزال أحفاد المستوطنين الأوروبيين (البيض) يتحكّمون بمفاصل الإقتصاد ويُسيطرون على الأرض المَسْرُوقة، بعد ثلاثة عُقود من انتهاء نظام المَيْز العنصري.

إن الدولة الصهيونية لا تستهدف الشعب الفلسطيني فقط، بل كل الشعوب العربية وشعوبًا أخرى، فقد قصفت الطائرات الصهيونية، أمريكية الصّنع  (التي تزودت بالوقود والمعلومات من القاعدة الأمريكية/الأطلسية في سيغونيلا، في صقلية – إيطاليا) تونس وكذلك ليبيا، وقصفت طائرات أخرى العراق والسودان، ناهيك عن لبنان وسوريا والأردن ومصر، ولذا من المنطقي أن تَعْتَبِرَ جميع الشعوب العربية – والتقدميين في جميع أنحاء العالم – الدولة الصهيونية كعدو وجبت مُقاومته