أمواته وأحياؤه يقلقون “إسرائيل”.. ما قصة مستشفى الشفاء؟ / أحمد عبد الرحمن

209

ربما تفاجأ كثيرون من متابعي تطورات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مما جرى فجر الاثنين الفائت، من هجوم لـ “جيش” الاحتلال على مجمع الشفاء الطبي غربي مدينة غزة، إذ إن المعطيات على الأرض لم تكن تشير إلى إمكانية حدوث هجوم كهذا، لا سيما في ظل سحب “جيش” العدو معظم فرقه القتالية من المنطقة الشمالية للقطاع، إلى جانب تقلّص العمليات العسكرية في هذه المنطقة تحديداً، والتي تمثّل نحو 45% من مساحة الجغرافيا الغزية إلى حدّها الأدنى، واقتصارها في الأسبوعين الأخيرين على هجمات جوية ضد بيوت مدنية مأهولة، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أشاعت العودة الخجولة والمحتشمة لبعض موظفي وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا “، إلى مدينة غزة وشمالها، وعقدهم اجتماعات مع أجهزة الأمن والفصائل، وبعض الوجهاء والمخاتير، أجواء من الثقة بأن مرحلة الهجمات البريّة على مناطق الشمال قد انتهت، وأن هناك رغبة إسرائيلية في عودة جزء من الحياة الطبيعية إلى هذه المناطق، خصوصاً في ما يتعلّق بضبط توزيع المساعدات ” الشحيحة” التي تدخل إلى غزة وشمالها، وتشغيل بعض المراكز الصحية وعلى رأسها مجمع الشفاء، والمشفى المعمداني، واللذان تعرضا لدمار كبير من جراء العدوان الصهيوني، وباتا بحاجة إلى إمكانيات تشغيلية أساسية للسماح بعودتهما إلى العمل، بالإضافة إلى الكادر الطبي الذي تم تهجيره قسراً إلى المناطق الجنوبية من القطاع أثناء اقتحام “جيش” العدو هذين المستشفيين.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الاجتماعات التي عُقدت بين موظفي “الأونروا ” ومعظمهم من “جنسيات أجنبية”، وبين أجهزة الشرطة في حكومة غزة قد تمت داخل مشفى الشفاء، وكان على رأس الوفد الشّرطي الفلسطيني العميد فايق المبحوح “أبو العز “، مسؤول عمليات الشرطة في قطاع غزة، والذي تم اغتياله في بداية العملية الإسرائيلية الغادرة على المشفى، بعد مداهمة مكتبه من قبل القوات الخاصة الصهيونية، حيث قاوم بسلاحه الشخصي، وقتل وأصاب بعض الجنود قبل استشهاده.

بعض المؤمنين بنظرية المؤامرة وأنا منهم، يعتقدون بأن هناك علاقة بين ما تم من اجتماعات خلال الأيام الأخيرة، وبين الهجوم المباغت الذي استهدف مستشفى الشفاء، واستهداف العميد المبحوح بشكل مباشر.

على كل حال، وبعيداً من الغوص في النيّات، ومحاولة تفكيك بعض الألغاز التي ما زالت تحيط بهذه العملية المفاجئة، دعونا نقرأ المشهد من زاويتي التوقيت والأسباب، علّنا نصل في النهاية إلى استنتاج يدلّنا على الهدف الصهيوني الأساسي، والذي تتم التعمية عليه من خلال جملة من التصريحات المتناقضة التي خرج بها الناطق العسكري لـ “جيش” الاحتلال، والذي كما العادة كان مربكاً، ومهزوزاً، ومفتقداً لأدنى مقوّمات الناطقين العسكريين.

في “غزوة الشفاء “3، والتي سبقها خلال أشهر الحرب غزوتان أخريان، تم فيهما تدمير أجزاء مهمة وحيوية من أكبر مشافي القطاع، والذي يقدّم الخدمة الصحية لأكثر من مليونين وربع المليون من أهالي غزة، وترحيل معظم كادره الطبي تحت تهديد السلاح إلى جنوب القطاع، إضافة إلى اعتقال مديره السابق الدكتور محمد أبو سلمية على حاجز الكويت، ومحاولة إجباره تحت التعذيب على تسجيل مقطع فيديو يتهم فيه المقاومة بتحويل المشفى إلى ثكنة عسكرية، وغرف عمليات قتالية، في هذه الغزوة، وحسب بعض المعلومات الموثوقة، فقد عملت قوات الاحتلال كما يبدو وفق خطّة مكوّنة من مستويين تشغيليين، بحيث كان الأول يعتمد على هجوم تكتيكي “جراحي ” صغير ومحدود، تنفذه قوات خاصة ونخبوية، تتسلّل تحت جنح الظلام انطلاقاً من شارع الرشيد (البحر)، وصولاً إلى المكان المستهدف مشياً على الأقدام كما يبدو، إذ لا تبعد المسافة أكثر من 300 متر، هدف هذا التحرك الأساسي كان مداهمة مبنيَي المشرحة وثلاجة الشهداء، واللذين يقعان في الجزء الجنوبي الأوسط من المستشفى، ولهما بوابة خاصة تمت إزالتها وتدميرها إلى جانب السور الخارجي أثناء الاقتحام الأول للمشفى في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي.

المستوى التشغيلي الثاني من الخطة تمثّل في توسيع الهجوم التكتيكي المحدود في حال فشله إلى خطة أوسع، يشارك فيها سلاح الجو الصهيوني بصورة مكثفة، إضافة إلى سلاح المدرعات، والذي لا يبعد تمركزه الدائم عن المشفى أكثر من كيلومترين، حيث الشارع رقم 10، الذي يمتد من دوار الكويت على شارع صلاح الدين شرقاً، وصولاً إلى شارع الرشيد غرباً، وهو طريق الإمداد الرئيسي الذي تتحرك من خلاله القوات الصهيونية، وتقوم انطلاقاً منه ببعض العمليات القتالية، على غرار ما حدث في حي الزيتون قبل أسابيع عدة.

ما جرى على الأرض يتوافق تماماً مع التصوّر السابق، إذ إن قوة صهيونية خاصة حاولت التسلّل إلى الجزء الجنوبي الغربي من المجمع الطبي، يرافقها في ذلك عدد لا بأس به من طائرات “الكواد كابتر” المسلّحة، إضافة إلى تحليق مكثّف لطائرات الاستطلاع، والتي لوحظ خلال الأيام الخمسة الماضية تركيزها اللافت على المنطقة الغربية من مدينة غزة حيث يقع المستشفى، حاولت القوة الوصول إلى المشرحة المحاذية تماماً للشارع الواقع جنوب المشفى، لكن جرى اكتشافها من قبل رجال المقاومة، والاشتباك معها بالأسلحة الخفيفة، من مسافات قريبة جداً، وهو ما عرّض الجنود الإسرائيليين لخطر داهم، كان من الممكن أن يؤدي إلى قتل عدد منهم، وأسر آخرين.

هذا الإخفاق العملياتي ذهب بالعملية إلى مستواها الثاني بشكل مباشر، إذ تدخّل الطيران الحربي الصهيوني في غضون دقائق معدودة، وقام بقصف الجهتين الجنوبية، والجنوبية الغربية للمستشفى حيث تجري الاشتباكات بأحزمة نارية عنيفة، إضافة إلى مشاركة طائرات “الكواد كابتر ” في إطلاق النار بصورة متواصلة، محاولة فرض حصار جوي محكم، لمنع الدخول إلى المستشفى، أو الخروج منه.

بعد نصف ساعة تقريباً من هذا التطوّر، وصلت دبابات إسرائيلية عدة ترافقها جرافات من طراز D9 إلى بوابة الشفاء الشرقية، فيما تمركزت أخرى قبالة البوابة الجنوبية، قبل أن تدخل لاحقاً إلى ساحة المستشفى الرئيسية، أمام قسم الاستقبال والطوارئ، وتطلب من كل الموجودين داخل الغرف والأقسام البقاء في أماكنهم، وعدم التحرّك أو الاقتراب من النوافذ والأبواب.

وحتى لا نُطيل في ذكر التفاصيل التي نتحفّظ على بعضها لأسباب خاصة، وبعيداً مما جرى ولا يزال مستمراً حتى كتابة هذه الأسطر من اشتباكات ضارية بين رجال المقاومة و”جيش” الاحتلال، إلى جانب توسيع جغرافيا العملية العسكرية لتشمل معظم منطقة الرمال، ومحيط منطقة الميناء، والطلب من المواطنين الرحيل باتجاه الجنوب، إلى جانب القصف الذي توسّع ليشمل شارع الجلاء، ومنطقة تل الهوا، وصولاً إلى حي الزيتون الذي يبعد نحو 6كلم هوائي عن مكان العملية، دعونا نذهب مباشرة لمحاولة فهم ما جرى، ولا سيما على صعيد التوقيت والأسباب، وصولاً إلى الهدف الأساسي الذي تسعى إليه “دولة” الاحتلال، وتحاول تحقيقه منذ بداية العمليات في قطاع غزة، وحتى هذه اللحظة.

على مستوى التوقيت، نحن نعتقد أن الأمر مرتبط بشكل أساسي بما يجري من محاولات لاستئناف المفاوضات غير المباشرة الساعية إلى الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني، والتوصّل إلى صفقة يقبل بها الطرفان يتم من خلالها وقف العدوان، وعودة النازحين إلى أماكن سكناهم، إضافة إلى انسحاب “جيش” الاحتلال من القطاع، والإفراج عن الأسرى، وإعادة الإعمار.

حسب المعطيات المتوفرة، تواجه المفاوضات التي تُعقد أحدث جولاتها في العاصمة القطرية الدوحة، تعقيدات كبيرة نتيجة التعنّت الإسرائيلي المتواصل، والذي يحظى بمظلة حماية أميركية واسعة، على المستويين القانوني والسياسي، وهي تنتقل من تعثّر إلى آخر، رغم اعتقاد البعض بأن انفراجة كبيرة يمكن أن تحدث خلال الأسابيع القادمة، خصوصاً في ظل ارتفاع منسوب الغضب العالمي على جرائم الاحتلال، إضافة إلى الانقسام الواضح بين أقطاب مجلس الحرب الصهيوني، والذي بات يهدد بتفكك هذا المجلس، بما يمكن أن يؤدي إلى سقوط ائتلاف نتنياهو واليمين المتطرّف، وإمكانية انعكاس ذلك على فرص وقف الحرب.

في ما يخص الأسباب، يمكن لنا أن نلحظ وجود العديد منها، يرتبط أولها بالتوقيت المشار إليه آنفاً، إذ بات من الواضح أن رغبة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو هي استمرار الحرب لأطول فترة ممكنة، وهو يحاول على الدوام إفشال أي جهود للتوصّل إلى هدنة، حتى لو كانت مؤقتة، لأنه يعرف ببساطة أن مستقبله السياسي مرتبط بشكل مباشر بما يجري من معارك على الأرض، وهو يدرك أيضاً أن فشل “جيشه” المُتعب والمحبط في تحقيق أي إنجاز ذي قيمة حتى الآن يجعل من نهاية الحرب كابوساً مرعباً، يمكن له أن يتحوّل إلى واقع حقيقي في اليوم التالي لتوقّف القتال. وبناءً عليه، بتنا نشهد تصعيداً قبيل كل جولة مفاوضات، بما يرفع من نسبة فشلها، إضافة إلى الشروط الجديدة التي يضعها العدو عند انعقاد كل جولة.

سبب آخر يبدو مرتبطاً بشكل مباشر بما يجري من عملية عسكرية في مشفى الشفاء، وهو يتعلّق بمعلومات يبدو أنها مغلوطة وكاذبة وصلت إلى أجهزة مخابرات العدو حول وجود جثث لأسرى صهاينة قُتلوا خلال الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما بعد إعلان الناطق باسم كتائب القسام قبل عشرة أيام تقريباً عن مقتل أسرى جدد في قصف من طائرات الاحتلال.

هذا الأمر دفع “جيش” الاحتلال ومن خلفه قيادته السياسية والعسكرية إلى محاولة القيام، كما أسلفنا في التفاصيل، بعملية مداهمة لمبنى المشرحة في مستشفى الشفاء، إلى جانب ثلاجة الموتى، معتقداً كما حدث في مرّات سابقة بوجود جثث لإسرائيليين في هذه الأماكن.

هذا الرأي يعزّزه ما قامت به جرافات الاحتلال ظهيرة يوم أمس من تجريف للمقبرة الواقعة غرب المشفى، والتي كانت عبارة عن موقف للسيارات تحوّل لاحقاً إلى مقبرة نتيجة تعذّر الوصول إلى المقابر الرئيسية في مدينة غزة بسبب العدوان.

يُضاف إلى ذلك اصطحاب “جيش” العدو مجموعة كبيرة من الأطباء العسكريين، والذين قاموا خلال الساعات الماضية بعمليات بحث بين الجثث سواء في المشرحة أو المقبرة، وأجروا العديد من الاختبارات التي أثبتت حسب القناة الإسرائيلية الثالثة عشر عدم وجود أي جثة إسرائيلية في هذه الأماكن.

سبب ثالث يبدو حسب كثير من المعطيات أهم من سابقيه، وهو يتعلّق بمحاولة العدو عدم السماح بعودة الحياة الطبيعية في مدن القطاع إلى سابق عهدها، ومحاولته إبقاء الأمور على حالها بما تحمله من توتّر وخوف وفقر وجوع، وعدم حصول سكان القطاع على أيٍ من حقوقهم التي نصّت عليها كل القوانين والتشريعات الدولية ذات الصلة، ولا سيما تلك المتعلّقة بالحصول على الرعاية الصحية المناسبة.

وبما أن عودة مستشفى الشفاء إلى العمل كما كان يحاول القائمون عليه منذ نحو الشهرين، وبما يحمله من رمزية كبيرة على صعيد المؤسسات المركزية والحيوية في القطاع، فقد سعى الاحتلال لنسف كل ما تم بناؤه خلال هذه الفترة، وتدمير ما تم توفيره من أجهزة، إضافة إلى ترحيل من تبقّى من الكوادر الطبية الفتيّة، ولا سيما من الذين تطوّعوا لخدمة أبناء شعبهم، والتخفيف من آلامهم وجراحاتهم.

ما أوردناه من أسباب نراها قريبة إلى الحقيقة حسب فهمنا لطبيعة الحرب الدائرة في غزة، يجعلنا نصل إلى الهدف الحقيقي والمركزي الذي يريد الاحتلال تحقيقه منذ بداية الحرب، واستخدم في سبيل ذلك ولا يزال مروحة واسعة من المكائد والجرائم فشلت حتى الآن بنسبة كبيرة في الوصول إلى مبتغاها، وهو تحويل المنطقة الشمالية من القطاع إلى منطقة غير صالحة للسكن، ما يؤدي إلى إرغام الناس فيها على الانتقال جنوباً، وهذا الأمر يمكنّه لاحقاً من ترحيلهم إلى شبه جزيرة سيناء، أو مدينة العريش المصريتين، أو دول أخرى من العالم، بعد القيام بالأمر ذاته في بقية مدن القطاع، إضافة إلى عمليته البريّة المرتقبة في مدينة رفح، والتي تشير الكثير من المصادر الإسرائيلية إلى إمكانية تنفيذها بعد انتهاء شهر رمضان المبارك.

كل ما سبق يخدم فكرة الاحتلال الأساسية، وهي فكرة استراتيجية طويلة المدى ومعلنة منذ زمن بعيد، وتنص على تفريغ قطاع غزة من سكّانه، وتحويله إلى منطقة عازلة كبيرة تحمي حدود “الدولة” العبرية من أي مخاطر في المستقبل، وهذه الحال تنسحب على مدن الضفة والقدس أيضاً، إلى جانب أهلنا في الداخل المحتل، والذين يتعرّضون منذ سنوات لحملة من التهجير ومصادرة الأراضي والبيوت، ولا سيما في منطقتي الجليل والنقب.

ختاماً نقول، وبناءً على التجربة الكبيرة التي خاضها شعبنا في مواجهة هذا المحتل المجرم منذ ما يقارب 75 عاماً، وبعد تقديم هذا الشعب العزيز والطيّب تضحيات جساماً ساهمت في منع تمدّد هذا الاحتلال، وأسقطت بالضربة القاضية أوهامه الساعية للسيطرة على المنطقة، وداست تحت أقدام أبطالها ومقاتليها خريطته المبشّرة بـ”دولة” يهودية من النيل إلى الفرات، إن مخططات العدو لن تنجح، وأن سعيه ومكره مآلهما الفشل والسقوط، وأن هذه الأرض التي حسب فهمنا لا تتّسع لشعبين، ولا حق فيها إلا لأبنائها الذين جُبل ترابها بدمائهم الزكية، ستبقى كما عرفناها دائماً، عزيزة رغم الاحتلال، وكريمة رغم الجوع، وعصيّة على الهزيمة رغم القتل والدمار.

هذه الأرض ستبقى عربية خالصة، تتقدّم بصمود وثبات أبنائها نحو وعد الله بالنصر والتمكين، والذي وعلى الرغم من كل المعوقات نراه قريباً جداً أكثر مما يتصوّر البعض، وهو على بعد خطوة أو ربما أقل، نراه من دون أدنى شك بجانب جثمان شهيد مسجّى، أو بالقرب من بندقية مقاتل صنديد، أقسم أن يحمي الوطن ويصون العرض.