مؤامرة ما بعد كورونا / محمد شريف كامل

0

محمد شريف كامل

محمد شريف كامل ( مصر ) – الأحد 29/3/2020 م …

لا شك ان جميعنا نشعر بقلق بالغ مما أصاب العالم من فيروس كورونا، وأصبحنا جميعا سجناء الخوف من تلك القوى الخارقة التى غيرت أسلوب حياتنا، وبل وغيرت كل شيئ فى حاضرنا ومستقبلنا، ورغم قسوة الوضع والأزمة وعظمة العدو رغم ضألة حجمه، إلا أنها ولا شك مثل كل الأزمات تأخذ دورتها حيث يصعد المنحنى حتى يصل للذروة ثم يهبط بعد أن يُخَلف ورائه ضحايا. 

والجديد فى هذه الأزمة التى صورها البعض على أنها حرب ضد عدو خفى، أنها ستستحدث تقويم ما بعد الكرونا، وإنه من المحتمل أن بعضنا سيكون من ضحاياها ولا يشهد هذا التقويم، ولكن فى وقت لا يملك أى منا أن يفعل أى شيئ إلا الإمتثال لتعليمات قد لا نتفق معها، علينا جميعا أن نبدأ فى التفكير وبجديه في ما بعد كورونا حيث يجب أن يتعاظم دورنا أكثر من قبل.  

وحتى نحاول إستشفاف ما بعد كرونا، يجب أن نقرأ عن قرب تداعيات كورونا، وتأثيرها على واقعنا الإجتماعى والإقتصادي والسياسي، ولن أتعرض هنا لأى من التداعيات الطبيه التى لا يعلمها إلا الله، ولكن كما قال كبار الباحثين فى ذلك المجال إذا كانت دورة ذلك الفيروس تشابه باقى الفيروسات فسيتخذ ذات مسارالصعود وذات مسارالإنكسار. 

وأول ما يجب علينا أن نفعله هو أن نسأل أنفسنا لماذا لم نكن مستعدين لذلك الوضع؟ وهل تعاملنا ونتعامل معه بحكمة؟ ويجب أن ندرك أن تساؤلاتنا هذه هى عابرة للحدود وعابرة لما نعيشه من حضارات أو “أشباه الحضارات”.

نحن بلا شك لم نكن مستعدين لذلك الفيروس لأننا لم ندرك فى أي وقت من الأوقات حقيقة تحول العالم لقرية صغيرة، ولسهولة التواصل والإنتقال، حتى أن أغلب مطارات العالم تحولت إلى خلية نحل فاقة الخيال فى عدد الطائرات فى السماء وسرعتها وسرعة القطارات، وهذا كله أمر جيد، إلا أننا لم نهتم فى ذلك كله إلا بتأثيره على دورة الإقتصاد ومنافع الضرائب وشركات النقل، ولم ندرس يوماً ماهية التأثير الإجتماعى والنفسى وبلا شك الصحى. 

لم نحاول أن نعمل بجد فى مجال البحث العلمى، بالرغم من أن كورونا ذاته قد حذرنا منذ مطلع الستينات من القرن الماضى، ثم حقق إصابات محدوده من خلال أفراد عائلته، التى نعرف منها شيوعا “سارس 2003″، و”ميرس 2012″، وبقينا نتعامل مع الأمر كأنه لا يعنينا، وتذايدت سيطرة من لا يؤمن بالعلم على مقدرات أمور البشريه، منهم من فُرض علينا ومنهم من أختاره البعض بإرادته، وتزايد الإنفاق على السلاح ووقعنا جميعا أسرى تجار السلاح، فالأغنياءلا يُنفقون إلا على إنتاج السلاح، والفقراء لا يستدينون إلا لشراء السلاح.

وبينما ميزانية التسلح فى العالم تجاوزت 1.8 ترليون دولار امريكى فى عام 2019، وهو ما يساوى تقريبا ميزانية البحث العلمى وهى  1.7 ترليون دولار امريكى، إلا أن الرقم اللأخير خادع لأن جزء كبير منها ذهب للبحث فى مجال السلاح، ولم يذهب للبحث فى مجال الصحة والدواء إلا 10بالمائه فقط، وأغلب تلك الأبحاث تديرها شركات للتجارب الخاصة بها التى قلما تستجيب لمصلحة عموم البشرية، بينما يتم تمويل ميزانية شراء السلاح من قوت الشعب الذي تدير حكوماته حفنه من المنتفعين الذين لا يعنيهم إلا مصلحتهم الخاصة.      

وهذا ما جعل أغلب بلاد العالم لا تعتبر الرعاية الصحية حق، رغم أنه جزء لا يتجزأ من إعلان حقوق الإنسان، وعلى العكس فقد أعتبرته هبه تهبها الحكومات كما ترى، حين ترى، لمن ترى. حتى أصبحت الرعاية الصحية سلعة، فالقادر ماديا يحصل على الرعايه والدواء، وغير القادر ماديا ليس له إلا فتات الرعايه وتجارب الدواء.  

 فتحول العالم من التكاتف واللُحمة المتوقعه إلى عالم أنانى، وكانت تلك أهم إنجازات الحضارة الغربية التى كشف فيروس كورونا حقيقتها المخذلة، فأوروبا المتحدة إسماً تُغلق حددوها أمام جاراتها المحتاجه لها فى وقت الشدة كما أغلقوا الحدود فى وجه اللاجئين من قبل. ودولة التشيك تسرق شحنة الكمامات الطبية متوجهه من الصين إلى إيطاليا فى عمل من أعمال القرصنة، وكذلك إيطاليا تسرق شحنة من الكحل الطبى المتوجهه من الصين إلى تونس، وإختفاء كمامات طبية متوجهة إلى ألمانيا، والولايات المتحدة تعمل على رشوة شركة ألمانيه لـتحتكر حق أبحاثها فى مجال الكورونا. 

وحكومات تتعامل مع الأمر لمصالح سياسية، فالمتعجرف ترامب أهم شيئ يشغله هوإعادة أنتخابه ولا يعنيه إلا عودة السوق للعمل وتجنب الركود الإقتصادى ولو على حساب حياة البشر، وعصابته مازالت تمارس البلطجة وتفرض عقوبات على إيران رغم حاجاتها الماسة للمساعدة فى تلك اللحظات، ويرفض إصدار بيان مشترك مع الدول الكبرى حول التعاون لمكافحة كورونا بحجة إصراره على وصف كورونا بأنها الفيروس الصينى وليس بإسمه العلمىCOVID-19 . 

لقد تعاملت بعض الدول فى بعض المجالات بشيئ من العقلانيه، ومنها فرنسا والمانيا وإيطاليا وأيران والأردن وغيرها بالإفراج عن المساجين من غير الخطريين وسجناء الرأى، بينما عصابة الخليج العربى واسرائيل وخادمهم فى مصر يستمرون فى سجن عشرات الألاف دون رعاية صحية ويرسلون السلاح والمرتزقة لتدمير اليمن وليبيا وإعانة سفاح سوريا على قتل شعبه وتُعمق مأساة الملايين فى غزة بحصار ظالم.  

ولو تناولنا مصر تحت الحكم العسكرى الفاشي لرأينا تظاهر ذلك النظام بأعمال لا قيمة له، فشعب يعمل قطاع كبير منه باليوميه عادة لا يجد قوت يومه، يعيش اليوم تحت حظر للتجول بينما هو محاصر بسوق جشعة أرتفعت أسعارها بلا بديل وبلا خطة للتعامل مع الإحتياجات المعيشيه ولا خطة مع الفيروس، ومستشفيات وقرى بل وضواحى القاهرة لا تجد الحد الأدنى من إمكانية الدفاع ضد هذا العدو الذي لن تقف أمامه أصابع كفتة عبد العاطي وإعلامه الحقير. 

ويبقى عشرات اللألاف من مرتكبى المخالفات البسيطة  وسجناء الرأى وسجناء القضاء المسيس مكدسين فى سجون مصر، يمثلون قنبلة بشريه فلا حماية لهم ولا حمايه للشرطة ولا موظفى الدولة من تفشى المرض فى السجون وبين عائلاتهم وباقى مصر، إن التزييف فى أعداد المصابيين بعدم إجراء التحاليل وإخفاء الحقائق، والإتجار فى أدوات تحليل منتهية الصلاحية ولغير الغرض لن تجدى فى هذه المعركة، ففيروس كورونا ليس جمعيات حقوق الانسان، فالتلاعب معه لن يمر والإعتماد على دعم المجرمين للبقاء فى الحكم لن يوقفه، كذلك فبناء القصور بدلا من بناء منظومة صحية لن يحمى مجرمى النظام منه ومنا فيما بعد، إنه نظام يسعى للقضاء على الشعب وليس القضاء على الفيروس.       

إن أفواهنا مكممة بكورونا ولكن علينا أن نستعد لما بعد كورونا، وألا نَسقط فى وهم مؤامرة كورونا، فهى ليست مؤامرة كما صورها لنا البعض حتى وقعوا فيها، ولكنها مؤامرة من نوع أخر، مؤامرة تجرى الأن للإستفادة بما بعد كورونا، حيث يقوم رجال الأعمال وأصحاب المصالح المضادة لإرادة الشعوب بتوجيه مكافحة كورونا لصالحهم، فسيكدسون الأموال وسيتغنون بنجاح الديكتاتوريه فى إنقاذ ما تبقى من الشعوب، وسيواظب هؤلاء على الأدعاء بأن الديمقراطيه قد فشلت والدول المتقدمه تساوت مع الدول المتخلفة، ويتناسى هؤلاء أن الفشل فى النظم الديمقراطيه يجد من يحاسبه، والإدعاء بنجاح الديكتاتورية لن يدفع ثمنه إلا الشعب من حاضرة ومستقبله. 

فهل يتخلى من بقى منا بعد كورونا عن الأنانيه، وندرك أنه لا صحة لغنى إن كان جارة معتل، ولا شبع لغنى إن كان جاره جائع، ولا حياة كريمة لحر مادام جاره سجين ومُهان، وأن العولمة هى سلاح فى أيد الشعوب ويجب أن ينزع من أيدى المستغلين وأصحاب المصالح الخاصة؟ أم سيستمر العالم كما هو وكأن كورونا لم تقتحم حياتنا ونعود لإستجداء الرعاية الصحيه والإستدانه لشراء السلاح، ويعود من سجدوا للفاشية يسبحون بحمدها، ويعود ترامب وكل فاشي للحكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *