تركيا دخلت المصيدة / د. خيام الزعبي

0

نتيجة بحث الصور عن خيام الزعبي

د. خيام الزعبي ( سورية ) – الثلاثاء 25/2/2020 م …  

مرة أخرى، يتأكد خطأ التقديرات والحسابات التركية ومخيلة رئيسها المغامر في ابتلاع بلد بكبر سورية، بل وتمكن من جر تركيا إلى رمال متحركة، حتى تغوص قدماها بالمستنقعات وتنشل حركتها بالكامل هناك، وأمام هذا المشهد المعقد على ما يبدو فأن أردوغان تورط وتخطى كل حدوده بشأن الأوضاع السورية، ولهذا فهو في حالة بحث عن أوراق ووسائل جديدة لحفظ نفوذه من خلال افتعال وخلق ذرائع جديدة لاستمرار الحرب في سورية.

 

اليوم الرئيس التركي يتحدى روسيا في الشأن  السوري، كونه يراهن على علاقاته الخفية مع الرئيس الأمريكي ترامب، فالعلاقات بينهما أكبر من أن تكون دبلوماسية، وهي وثيقة جداً لدرجة أن أردوغان لم ينتقد ترامب بعد إعلانه عن صفقة القرن المشبوهة واكتفى بمهاجمة الأنظمة العربية، كما أنه شريك تجاري لترامب. لكن بالنظر إلى تجارب سابقة حول موقف الأميركيين الذي بدا غير معني كثيرا بالملف السوري، وكذلك تصريحات ترامب المتكررة حول رغبته في الانسحاب كليا من سورية، يبقى على أردوغان أن يعرف أنه قاب قوسين أو أدنى أن يقع في المصيدة، وعليه أن يضع في الحسبان أن ترامب الذي ورطه في مستنقع الدب الروسي مستعد في كل مرة أن يقدمه قرباناً إذا ما اقتضت الضرورة، وفي ظل عدم ثقة تركيا بالولايات المتحدة وحلف الناتو عموماً، يبقى خطر الصدام العسكري مع روسيا الذي سيؤدي بدوره إلى انهيار العلاقات التركية الروسية، الهاجس الأكبر لدى أنقرة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، الأمر الذي يقلص الخيارات التركية ويجعلها أكثر خشية و تعقيداً.

 

لذلك يبقى مسار العلاقة الروسية التركية محفوفاً بالمخاطر، لأن خيارات أنقرة محدودة في مواجهة تقدم الجيش في الشمال السوري، وسيطرته بدعم من الطيران الروسي على مناطق إستراتيجية هناك، ومحاصرة نقاط مراقبة تركية وتجاهل واشنطن لطلب أنقرة بالمساعدة، خاصة بعد أن طلبت منها نشر بطاريتين من منظومة باتريوت للدفاع الجوي الصاروخي على حدودها الجنوبية لتمكينها من التصدي لأي هجمات من جانب القوات السورية وحتى الآن  لم تتلق أي رد على الطلب من واشنطن، وإنطلاقاً من ذلك إن الروس ليسوا على أي استعداد لإعطاء تركيا أي فرصة تفاوضياً على مستقبل سورية بعد الجهد الذي بذلوه عسكرياً واقتصادياً لاستعادة فرض السيادة السورية على كافة أراضيها. وهذا سيضع حكومة أردوغان في مأزق داخلي أمام الشعب التركي الذي ينتظر تحركاً تركياً ينسجم مع حدة التصريحات السياسية، بالإضافة إلى خطر موجات النزوح التي قد تشهدها تركيا مع استمرار تقدم الجيش في الشمال السوري.

 

على خط مواز، فإن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الرئيس التركي هو سوء تقديره لقوة خصومه، وقدرة الجيش السوري وحلفاؤه على الصمود طوال هذه السنوات، برغم الدعم الغربي –الإسرائيلي له، فطرد وسحق  عصابات جبهة النصرة وأخواتها التكفيرية في حلب وادلب أعطى الجيش مؤشر ودفعة قوية في هذه الحرب، لذلك وجد الجميع أن الرئيس الأسد كان واضحاً ودقيقاً عندما قال ” إن موازين القوى أصبحت للجيش السوري وأردوغان أصبح عاجزاً عن تحقيق أهدافه”، وذلك بعد نجاح الجيش في إلحاق هزيمة قاسية بالمسلجين في مدينة حلب، فالمشهد الذي تشهده من إحتفالات شعبية في شوارعها وميادينها يؤكد بما لا يدع مجال للشك بأن المشروع الغربي -التركي يواجه سقوطاً وفشلاً ذريعاً على أبواب حلب.

 

لذلك فإن الخيار العسكري ضد الجيش السوري يزيد الوضع التركي الداخلي تدهوراً، وينذر بمواجهة عسكرية مع الجيش السوري و روسيا وإيران معاً، ما يعني معركة طويلة الأمد لها عواقب وخيمة، خصوصاً في الداخل التركي، لأن أنقرة ستغرق في المستنقع السوري ولن تستطيع الخروج سالمة كما سيحمّل أنقرة أعباء مستقبلية عديدة وتأكيداً على ذلك تصريحات الرئيس الأسد بقوله: ” إن تركيا هي وكيل واشنطن بالحرب وعندما لا تخرج بكل الوسائل فلن يكون هنا خيار سوى الحرب”.


ومن أهم الأسباب التي جعلت الرئيس أردوغان مهتم بالتدخل شمالي سورية ووقف تقدم قوات الجيش السوري هناك، كون هزيمته ستؤدي إلى خسائر عسكرية تركية شمالي سورية كون هذه المناطق ينظر إليها داخل تركيا على أنها حزام أمني في مواجهة التهديدات الإرهابية المزعومة من جانب الجماعات الكردية المسلحة فضلاً عن الضغوط المحلية لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

 

وبإختصار شديد، يمكن القول أن سورية اليوم  ترسم صورة مستقبل المنطقة والعالم، لأن على أرضها ستكون معركة الفصل مع قوى الإرهاب والتطرف في المنطقة، بعد الصمود الذي سطّره جيشها في الشمال السوري، وأمام هذه المعطيات، يبدو أن تركيا أمام خيارات صعبة وضعتها بنفسها، فهي تلعب بالنار، وإنطلاقاً من ذلك يمكنني التساؤل هل تبدأ أنقرة بمراجعة حساباتها، خاصة بعدما شعرت بإرتفاع المعنويات لدى الجيش السوري وحلفاؤه في المرحلة الراهنة؟ وهل بدأت تركيا بدفع الثمن كونها طرفاً  أساسياً في الأزمة السورية؟، فالمأمول هنا آن تدرك أنقرة حجم المغامرة التي يدفعها الأمريكي نحوها، وأن تبادر إلى مراجعة حساباتها، وتجنب التورط بقدر الإمكان بالمستنقع  السوري.

[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *